فارس محمود

شكرا لكم عدالتكم هذه!

لقد وجدناها! فرض الضرائب! هذا اقصى ما بلغته الحكومة المليشياتية القائمة وسلطتها في العراق "الجديد"، "عراق الحرية والرخاء" .
اذ تحدث اليوم، السبت (13 كانون الأول)، احد أعضاء مايسمى باللجنة المالية النيابية في البرلمان المحاصصاتي الطائفي والقومي والعشائري عن ان "اللجنة الوزارية المشكلة بخصوص تقليل النفقات غير الضرورية (!!) في الموازنة تدرس امكانية فرض ضرائب على بعض الخدمات العامة ورفع الدعم الحكومي عنها كالكهرباء والماء وبعض المشتقات النفطية، فضلا عن زيادة الرسوم الكمركية على بعض المواد المستوردة لاسيما الاجهزة الكهربائية، بهدف تقليل العجز المالي لموازنة العام المقبل". والادهى من هذا، وكعادتهم في الكذب الصلف، الكذب العبعوبي، يتحدث عضو اللجنة عن "ان هذا الامر وقتي، لحين معاودة أسعار النفط الى الارتفاع" وان "نسبة الضرائب ستكون قليلة بحيث لاتؤثر على المواطن".
ان أناس هذه السلطة لهم عديمي الحياء والضمير بحد كبير. ان " الخدمات العامة" و"الكهرباء" و"الماء" و"المشتقات النفطية" و"الأجهزة الكهربائية" في عرف اللجنة هي "نفقات غير ضرورية". لا اعرف مالضروري وفق تعريف وتصنيف هذه اللجنة الموقرة؟! ان أمورا ذا صلة بعشرات الملايين من الناس وبحياتهم ومعيشتهم هي "غير ضرورية"! انهم يستخسرون صرف المال على ماء صالح للشرب للمجتمع، على كهرباء وانارة وحياة الناس، على وسائل تدفئتهم وانتقالهم وتنقلهم وغيرها. انهم يستخسرون صرف الأموال على المفرادات الأساسية اليومية التي لاغنى عنها لمعيشة عشرات الملايين. بيد ان انعدام الحياء والضمير هذا هو ليس انعدام أخلاقي، فردي، انه انعدام اخلاق وضمير طبقة، طبقة الراسماليين والطفيليين وممثليهم في السلطة الحاكمة، طبقة لاتفكر سواء بثرائها وارباحها وانتفاخ جيوبها. طبقة لايرمش لها جفن لكل المصائب التي حلت بالملايين من جوع، فقر، بطالة، تهجير وحروب وغيرها، بيد ان كل حواسها تعمل حين يتعلق الامر بارباحها وثرواتها ونهنمها وجشعها.
للرد على تقليل عجز الموازنة الناجم عن انخفاض أسعار النفط، ينبغي زيادة الضرائب! انها صفاقة وصلف! مع ارتفاع أسعار النفط، تتسع جيوب حكومة السلب والنهب ومسؤولييها الذين تحولوا بين ليلة وضحاها الى أصحاب عشرات المليارات من الدولارات. ومع انخفاض أسعار النفط، على كادحي ومحرومي العراق ان يدفعوا ثمن النقص في الميزانية وتعويضها! انها العدالة الراسمالية. شكرا لكم عدالتكم هذه!
في أيام "الخير" التي لم ترى الأغلبية منه أي خير، كان "الخير" يتحول الى عقارات في دبي ولندن وبيروت واموال طائلة لاتعد ولاتحصى في البنوك العالمية، وفي أيام "الشر"، على الأغلبية الساحقة من جماهير العراق ان تدفع ثمن ذلك من مائدتهم البائسة، ومن الخدمات-اللاخدمات اساساً، ومن صحتهم ومعيشتهم. انهم، ولاستعلائهم الطبقي، لايرون في أناس من مثلي ومثلك، أناس لهم حق في الحياة بصورة مرفهة وسعيدة وبعيدة عن الضغوطات المادية والمعيشية، حياة خالية من العوز، وان الأمان الاقتصادي هو مصطلح لايتعلق بنا.
بوسع المرء ان يدرك من هذا الاجراء كم ان هذه السلطة وساستها هم ذا صلة بالمجتمع ومصلحته. بدلاً من ان يفكروا كالتالي: اننا امام عجز مالي، لنقم اولاً بالتضييق على منافذ الفساد واغلاقها، مصادرة أموال الفاسدين، تقليص الجهاز البيروقراطي على صعيد السلطة والبرلمان، الغاء رواتب التطفل والنهب التقاعدية، الغاء وظائف الالاف المستشارين المزيفين في الأجهزة العليا للدولة مثل رئاسة الجمهورية والوزراء وغيرها والذين أتوا لهذه المواقع جراء المحسوبيات والعلاقات المشبوهة وغير الأصولية، بدلاً من السهر على منع أي اهدار في المال العام واسترداد عقارات الدولة والعقارات العامة وبيوت مسؤولي النظام السابق التي استولوا عليها ازلام مابعد 2003 وغيرها، بدلا من ان يهرعوا فورا اليوم ليمضوا لاسترداد مليار ونصف المليار التي نهبها المالكي وابنه في بيروت (وهي قضية الساعة في بيروت اليوم)، بدلا من اغلاق البنوك التي ساعدت على هذا الجرم وتقديمها للمحاكمة والتدقيق بسجلاتها وعملياتها المصرفية، يمضون فوراً للمائدة البائسة لمحرومي المجتمع ليتطاولوا عليها. بيد انه تطلع في غير مكانه اساساً.
مالعمل؟! ليس ثمة شيء نعمله سوى عمل واحد، ان ننظم انفسنا في حركات احتجاجية قاعدية عارمة وواسعة ضد هذا القرارات الجائرة، وان فرض التراجع على هذه السلطة وقراراتها هو مقدمة أساسية لاغنى عنها لفرض التراجع على كل زاوية من زوايا ممارستها السياسية المعادية للاغلبية الساحقة للمجتمع. انه السلاح ذاته الذي جربته الحياة، جربته الجماهير التحررية في كل مكان. لايمكن اصلاح هذه الماكنة المتفسخة الى ابعد الحدود، لايمكن "مداراة" نواقصها (اذ ان نواقصها ليست بنواقص!)، انها ولدت متفسخة ويتعاظم تفسخهها وانحطاطها يوما بعد اخر. وعليه، لاسبيل امام هذه الأغلبية الساحقة، امام هذا المارد النائم، سوى ان ينهض ويشمر عن سواعده ومنازلة هذا السلطة المتداعية والمثخنة بجراح الازمات العويصة، هذه السلطة التي تتعكز على "نوم" المارد قبل أي شيء اخر.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015