سمير عادل

الاسلام السياسي والفساد

اذا سمع اي شخص ليس له دراية بالقاموس السياسي وقاموس لغة الفساد في "العراق الجديد" ان صح التعبير بـ"الفضائيين" الذي كثر استخدامها في المقالات والخطب والكلمات السياسية والاعلام، فسيستنتج دون اية صعوبة شيئين، اما العراق قام بغزو الفضاء اسوة بأمريكا وروسيا والصين والهند او هناك هجوم من الفضاء على العراق مثل افلام الخيال العلمي التي تنتجها هوليود. بيد ان الواقع ليس كذلك، ويصعب في نفس الوقت ترجمة مفردة "الفضائيين" الى اية لغة من اللغات الحية اذ يحتاج معها صفحة واحدة على الاقل لشرحها كي يفهمها القارئ مضيفا للشرح طبعا بان العراق البلد الوحيد الذي فيه 716 وكيل وزير و4553 بدرجة مدير عام، هذا اضافة الى نواب رئيس الجمهورية الثلاثة ونواب الوزراء مع 50 الف فضائي في الجيش و60 الف فضائي وهم عناصر محسوبة على حماية المسؤوليين....
مهما حاول العبادي من الترقيع لحزب الدعوة والتحالف الاسلامي الشيعي وتنظيف صورته فلن يستطيع انقاذه من حضيض الفساد الذي يغرق فيه. ان مشكلة الفساد التي تنخر كل زواية من زوايا المؤسسات الحكومية والعملية السياسية بسلطتها التنفيذية والتشريعية والقضائية والامنية والعسكرية والاعلامية، التي كل واحد يريد تعليقها على المالكي تكمن في بنية الاسلام السياسي التي تتغذى اما على الغزو الذي سمي بالفتوحات كما الحال في دولة الخلافة الاسلامية، او على منظومة الفساد التي تتفنن في انتاجها وادارتها عندما تسيطر على السلطة السياسية.
ان الفارق بين سلطة النظام البعثي القومي الذي حكم العراق اكثر من ثلاثة عقود وبين سلطة الاسلام السياسي الذي ادار الحكم ولمدة ما يقارب من عقد، هو ان الاول خطط ان يبقى للابد، اما الثاني عاش ولحد الان بخبز يومه وهذا يفسر بأن السرقة والاختلاسات والنهب المنظم وغير المنظم جرت على قدم وساق ودون كلل وبشكل مكشوف ومفضوح، دون اي تردد او خوف من اي رقيب او رادع وخلال فترة قياسية تفوق فيها حجم الفساد الذي بلغه النظام البعثي. اي ان بعبارة اخرى ان النظام البعثي ومنذ تولي صدام حسين السلطة لم يسرق وينهب ويجوع جماهير العراق خلال 24 عام، بقدر ما قامت بها سلطة الاسلام السياسي من عمليات النهب والسرقة خلال اقل من عشر سنوات.
لقد باتت مفردة الفساد مرادفة للاسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني، ولا يمكن الفصل بينهما في "العراق الجديد". وخلال السنوات المنصرمة اثبت تجربة الاسلام السياسي في الحكم بأنها لا تستطيع الاحياء وادارة السلطة في نفس الوقت دون عشر الثواني في انتاج الفساد. وما يقوله علي الاديب مؤخرا بأنهم اي قيادة الدعوة لم تكن على علم بحجم الفساد والانتهازيين حول المالكي ليس الا ضحك على الذقون وكذبة فاضحة لا تنطلي على احد، والغرض منها التملص من المسؤولية والمحاسبة وحتى المحاكمة لو كان هناك قانون وقضاء مستقل. وما سر بقاء المالكي لمدة ثمان سنوات ليس بالدعم الايراني ولا الامريكي وحدهما، بل بدعم امثال علي الاديب والعبادي وعمار الحكيم وجماعة الصدر وتلافيف علاوي الذين كانوا يتقاسمون نهب الثروات مع المالكي. ان سقوط مدينة الموصل بيد داعش هو الذي اسقط ورقة التوت عن الجميع وبات كل واحد منهم يحتمي بشماعة سميت المالكي.
ان ادعاءات العبادي حول حربه على الفساد والاقدام على مصادرة الطائرة الخاصة للمالكي وتحويل ملكيتها الى الخطوط الجوية العراقية والكشف عن الفضائيين والغاء المكتب العام للقوات المسلحة، نشرت الاوهام في صفوف المجتمع الى حد بات يعتقد الكثير من الاقلام بأن عصر المساواة والحرية قد دشن في "العراق الجديد"، الا انهم نسوا بأن ما يفعله العبادي كما قلنا في اكثر من مناسبة ليس الا محاولة لتنفيس عن الجماهير التي وصلت بها الأوضاع الى حد لا يطاق. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، ان العبادي يصادر طائرة المالكي لكن يعين وكيل وزير الداخلية الذي اشتهر بفساده مستشارا له، كما انه بدء بتشريع سياسة التقشف ليحميلها على كاهل العمال والمحرومين في الوقت الذي يستلم هو 900 الف دولار سنويا، وهو اقل من 4 اضعاف من راتب رئيس الورزء البريطاني او الرئيس الامريكي، بينما نواب الرئيس يتقاضون كل واحد منهم مليون دولار والقائمة تطول، وهكذا بغض النظر كي يستمر حزب الدعوة في قيادة التحالف الاسلامي للسلطة السياسية.
ان القضاء على الفساد لا يمكن دون اقصاء الاسلام السياسي من المجتمع، ولا يمكن دون انهاء المحاصصة التي يدافع الاسلام السياسي بكل ما لديه عنها.

مقالات