سامان كريم

تقرير الكونغرس الأمريكي مهم للشيوعية كي تنال من الرأسمال ونظامه

الى الأمام: مجلس الشيوخ الأمريكي نشر تقرير لجنة الاستخبارات فيه والخاص بعمليات استجواب المشتبه بهم بالإرهاب في السنوات التي أعقبت هجمات11 سبتمبر. والتي قالت في تقريرها أن "السي اي ايه ضللت الأمريكيين بشأن مدى فعالية (الاستجواب المعدّل)".التقرير كان من ستة آلاف صفحة تم اختصاره الى 480 صفحة لكن التقرير المختصر لم يخلو من وحشية أساليب الاستجواب.. المعروف للجميع أن أكثرية قادة وأركان المنظمات الإرهابية أن لم يكن جميعهم هم خريجو المعتقلات والسجون الأمريكية المنتشرة في أغلب بقاع العالم.. واللذين تعرضوا لبرنامج السي أي ايه الذي أسمته بـ (الاستجواب المعدّل) قبل مغادرتهم لتلك السجون.. النظام الرأسمالي يؤسس الأجهزة القمعية من الشرطة والجيش وبقية المسميات ويبني السجون والمعتقلات لقمع الجماهير وحماية نظامه.. والتي غالبيتها تحاط بالسرية التامة بدءا من منتسبي تلك الأجهزة أو مواقع تلك السجون والمعتقلات.. فما الغاية من وراء نشر هذا التقرير ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟

سامان كريم: براي هذه القضية في غاية الاهمية للشيوعية ليتسنى لها اي للشيوعية ان تنال من الراسمال. اساس التعذيب او التلويح به في عالمنا المعاصر هو المحافظة على النظام الرأسمالي والرأسماليين واموالهم وممتلكاتهم, هذا هو الاساس اما التفاصيل يسحبنا الى عالم تعذيب من نوع اخر من النوع الذي يسجل ارقاما قياسا من "وصمة العار" في الجبين ولكن ليس في جبين بوش وبلير وكونداليزا رايس وديك تشيني ورامسفيلد و... فحسب بل جبين التاريح, تأريخ الراسمال وممارساته ووحشيته.
تاريخ التعذيب قديمة قدم تاريخ الملكية الخاصة, في العصور القديمة كان التعذيب وسيلة لاختيار مزاعم او تهمة معينة مرتبطة بكسر مبدأ ديني معين وكان في تلك الازمة اساليب معروفة.. مثل المشي على شئ محترق ذو حرارة عالية او استخراج حجر مستقر من قاع الماء, او التهديد بالقتل.... في اليونان القديم كان العبيد فقط يتعرضون للتعذيب في العصور الوسطي كان المهرطقين يتعرضون للتعذيب من قبل الكنسية الكاثوليكية. على اية الحال تأريح التعذيب مدونن سواء كان التعذيب في عصور السيادة المسيحية او السيادة الاسلامية اي في مرحلة الاقطاعية وسيطرة طبقة الاقطاع او في مرحلتنا المعاصرة المرحلة الراسمالية، التي تطورت فيها اساليب التعذيب وفق تطور تكنولوجيا التعذيب وتطور الطب النفسي وعلم النفس ونظرياته المختلفة، وبالتحديد النظريات التي رسمت او حددت او خصصت لهذا الغرض.


ان تأريخ الاستجواب المعدل كما تسميه في سؤالك هو تاريخ الاستجواب القسري, الاستجواب القسري "بدل التعذيب" اسم ملطف ومؤدب يتماشي مع قانون حقوق الانسان البرجوازي, اما بسبب عفونته وكشف اسرار الاستجواب القسري وخصوصا في دهاليز الغرف المظلمة في سجون المخابرات المركزية الامريكية المختلفة والمنتشرة في انحاء العالم وفي النصف الثاني من القرن الماضي وبالتحديد في امريكا اللاتينية واندونسيا وفيتنام... تم تغير الاسم من القسري الى المعدل. حيث المعدل لا يؤشر الي العنف و التعذيب فهذه هي لغة الاورويلية, اي اللغة التي يقول لك "الحقيقة المعاكسة" يسلمك الكذب باسم الحقيقة. اذن نحن امام مفهوم "الاستجواب المعدل" تسمية لطيفة وفيها شيئا من الحكمة والعدل من حيث المفهوم والمعنى اللفظي, اما محتواه فهو واضح تعذيبا اكثر وحشية واكثر تشددا وقمعية, وتيرة وحشية تصاعد وحشية التعذيب, لها علاقة وثيقة بوتيرة صعود الراسمال ونظامه الى حدوده القصوى من التعفن والاحتضار.

"إن أذهانهم اشبه بصفحات بيضاء يمكن ان نكتب عليها" ( طبيبان نفسيان: د. سيريل .ج.س كنيدي والدكتور دافيد اتشل, في حديث حول فوائد المعالجة بالصدمة الكهربائية سنة 1948)... هذه هو نموذج ما والجملة فيها كل ما تريدها الاستخبارات الامريكية والدوائر القمعية الاخرى ومراكز القرار السياسي، ليس في امريكا وحدها بل في البلدان الراسمالية الكبرى.... مول "سي آي أي" مشروعا بقيادة الطبيب النفسي المختص الدكتور ايوين كاميرون بأسم "التحكم في الدماغ" والدكتور رفض النظرية الفرويدية المعيارية المنادية باستخدام "المعالجة بالكلام" في محاولات كشف "الاسباب الجذرية" الكامنة وراء المرض العقلي الذي كان يعانيه مرضاه. فهو "اي كاميرون" لم يكن يطمح الى معالجة هؤلاء اوتحسين وضعهم, بل اعادة خلقهم من جديد باستخدامه اسلوبا من ابتكاره اطلق عليه اسم القيادة النفسية او نظرية القيادة النفسية... (كتاب عقيدة الصدمة / صعود رأسمالية الكوارث - نعومي كلاين).

وليس من المستغرب ان الفترة او المرحلة التي تم فيها انضاج تلك النظرية النفسية "القيادة النفسية" التي نشات في جامعة "ماكغيل"، هي نفس المرحلة التي تم معها إنضاج وتطور نطرية "النقدية الجديدة" لفريدمان ميلتون... حيث يكملان بعضهما البعض. على اية حال ان بنية الاستجواب المعدل او القسري هي بينة نظرية "القيادة النفسية" اي اعادة خلق مسجون من جديد, عصرهم وإفراغهم, ومن ثم خلقهم من جديد و فق ما يقتضيه الراسمال في هذا البلد او ذاك مثل العراق ابان فترة التعذيب في سجون ابو غريب وبوكا في بداية الاحتلال الامريكي... هذه هي ليست المرة الاولى التي كشفت فيها تلك الحالات بل ان تمويل الاستخبارات المركزية لدكتور كاميرون في جامعة ماكغيل الكندية كشفت، وتم تعويض الضحايا من قبل "سي اي اي" بمبلغ سبعة مائة وخمسون الف دولار وهم تسعة اشخاض، وبعد ذلك تم تعويضهم من قبل الحكومة الكندية لان الجامعة تقع في كندا بمبلغ مائة الف دولار لكل شخص... على اية حال ان التعذيب هو جزء وعادة من المنظمومة الفكرية والادارية والقانونية للبرجوازية كطبقة وخصوصا للعقائد والتيارات والحركات الراديكالية منها مثل: تيار النيو الليبرالي, القومية الراديكالية و الاسلامية...

وصلنا الى وسائل او ممارسة متبعة للتعذيب وفق مفهوم هذه النظرية, والتي طبقت في سجون غوانتانامو وابو غريب وسجن بوكا في العراق وفي افغانستان وسجون سرية في رومانيا وبولندا ومصر والسعودية واليونان، وطبعا تم تجربة هذه الممارسات في القرن الماضي في تشيلي وكولومبيا والأرجنتين والاكوادر والسلفادور واندونيسيا... فهي تشمل ممارسات وانواع تعذيب اشد قسوة وقمعية ومنها: الايهام بالغرق, الحرمان من النوم لمدة طويلة تصل الى اسابيع, التهديد بالاعتداء الجنسي, التغذية العكسية, والتغذية عبر الشرج" وهي طريقة قديمة للتعذيب, الارواء الشرجي, الماء المثلج, التابوت او استخدام التابوت لتخويف السجين, استخدام الحشرات, المشنقة, الكهرباء والتهديد بالكهرباء, خفض درجات الحرارة, الضوضاء والضجيج العالي, الغرف المظلمة والانفرادية, عصمة العيون واليدين... هذه كل ممارسات معينة ومحددة ويتم دراستها بدقة على كل حالة لإرغامه على كشف ما يسمونه "بالحقائق", ليس الحقائق المبتغاة في ما سيقوله السجين بل تصفية كاملة لدماغ السجين واعادة خلقه وفق النظرية هذه.. كان في العراق يتم معالجة هذا الامر في السجون الامريكية , لاعادة خلق "امة عراقية جديدة" تؤمن بالسوق الحرة, وبالتالي بعملية الخصخصة والتمويل الذاتي والتعددية الحزبية البرجوازية, والأيمان بقوة وسيطرة امريكا على العالم وترى منها عنوانا للقدوة والريادة, بمعنى مسح القومية العربية من دماغ السجين ومسح كل الذكريات التي تلوح بان امريكا هي قوة ظالمة وهي قوة مستبدة.. تم ترجمة هذه السياسة في السجون الى تعذيب وفق هذه الممارسات المكشوفة.

المحور الاخر الذي يجب ان نلقي الضوء عليه, هو ان مسئولي الادارة الامريكية السابقة والاسبق.. من بوش الابن وديك تشيني ورامسفيلد ورايس.. هؤلاء المجرمين القتلة يدافعون عن اعمالهم وكلها صادر بامر خاص من رئيس الدولة في تلك الفترة بوش,, وكلابه المسعورة.... هذا جانب ومن جانب اخر مسئولي اليوم في هذه الادارة, يدافعون عن هذه الاعمال الوحشية, يدافعون بلطف حتى ان رئيسة لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ ديان فاينسيتاين، التي وصفت سلوك "سي آي أيه"، بأنه "وصمة عار في تاريخ الولايات المتحدة". تستطرد قائلة "إن الولايات المتحدة بلد عظيم يعترف بأخطائه إذا وقعت ويشعر بالثقة بأنه سيتعلم من تلك الأخطاء". اما رئيس سي اي اي برينان يدافع عن هذه الاعمال ويقول "ان المعلومات التي تم الحصول عليها من عمليات الاستجواب كانت مهمة للتعرُّف على تنظيم القاعدة وتساعد حتى الآن في جهود مكافحة الإرهاب". وشدد على "ان تلك العمليات انقذت ارواح كثيرين" وهو كذب محض بل بالعكس زادت وتيرة الارهاب حتى ازاء الأمريكيين في الخارج. على رغم هذا العار ليس لم يحاسب اي مسئول او اي عسكري عن هذه الاعمال الشنيعة والحقيرة، بل تم مباركة هذه الاعمال بحجة "الحفاظ على الامن القومي", القضية التي اجبرت العددين خارج اطار الادارة على رفع الشكوى ضد مسئولي هذه الاعمال.

كتبت حول هذا الموضوع قبل اكثر من عشرة سنوات وابان ظهور صور للتعذيب في سجن ابو غريب مقالا تحت عنوان"تعذيب الديمقراطية, ديمقراطية التعذيب: "ولكن هناك مفارقة للويلات المتحدة فهي صاحبة لأشد الأنواع القسوة والتعذيب ضد المواطنين الأمريكيين أيضاً، وخصوصا ضد قادة الحركة العمالية، من له دراية قليلة بتأريخ الإدارات الأمريكية يعرف كيف سحقت الحركة العمالية في هومستد في نهاية القرن التاسع عشر، وكيف قتل قادة الطبقة العاملة والشيوعيين في بلدان أمريكا اللاتينية واندونيسيا هذا ناهيك عن فيتنام بالطبع. إّذن ليس غريباً وليس جديداً على الحكومة الأمريكية، بل هذه الأعمال الوحشية والإجرامية نابعة من صميم سياساتها المستمرة والمتواصلة لتركيع مناوئها."

اما فيما يخص كشف هذه الاعمال والممارسات وفي هذه الفترة؟ براي ان هذه الاعمال مكشوفة واعلن عنها في وقتها سواء كان في غوانتانامو او في العراق او في افغانستان وحتى السجون السرية عبر العالم كانت مكشوفة. الجديد في هذا الامر هو الاعلان عن هذه القضية من قبل دوائر رسمية امريكية وهي اعلى دائرة قانونية في الكونغرس الامريكي اي مجلس الشيوخ. القضية هي نشر تقرير مجلس الشيوخ وبراي هي ناقصة مضللة ومنافقة مخادعة لدرجة تفقأ العين حتى المسائل التي نشرت في هذه الوثيقة التي تصل الى خمسمائة ورقة لا تصل الى المعلومات التي نشرت خلال الاعوام السابقة عبر الاعلام.. اذن من الناحية المعلوماتية ليس هناك جديد بل بالعكس هناك نقص. اما من الناحية السياسية فهي مؤشر لصراع بين الحزبين الجمهوري المعارض والديمقراطي الحاكم بقيادة اوباما, هو صراع سياسي يستغله الحزب الديمقراطي بوجه الحزب الجمهوري, هذا اولا وثانيا: الحزب الديمقراطي وخصوصا في ظل قيادة اوباما يهدف الى فصل ذاته عن تلك الاعمال التي تسربت كل محتوياته لحد الان وكل فضائحه وفصل الحزب عن السياسات السابقة لامريكا, يهدف الى إبعاد امريكا عن الخط النيو الليبرالي ويهدف الى فصل امريكا وسياساتها عن سياسات وممارسات تلك الفترة.... هذه عناوين مختلفة لانتهاج هذه السياسة او لكشف هذه الوثيقة في هذه المرحلة... قيادة الحزب الديمقراطي تهدف الى فصل امريكا عن تلك المرحلة والقول للعالم اجمع نحن "امة عظيمة" وهي ليس من "قيمنا".. ولكن اقول ان سياسة الولايات المتحدة منذ نشؤها ولحد الان هي وصمة عار وقيم الطبقة البرجوازية في امريكا وصناع قراراتها السياسية... ان التعذيب والقتل العشوائي واستخدام الاسلحة النووية والكيمياوية والبايولوجية.... كلها من قيم الطبقة الحاكمة الامريكية وكلابها المسعورة, امثال ديك تشني وورامسفيلد وماكين....

اخيرا برأي على الحزب الشيوعي العمالي العراقي ان يقوم فورا باستغلال هذه القضية وبجمع هؤلاء الاشخاص الذين تم تعذبيهم في سجون امريكية ابان الاحتلال الامريكي... وجمع اسمائهم وتواقيعهم ورفع شكوى ضد سي اي اي والرئيس الامريكي ووزير الدفاع وقائد القوات الامريكية في العراق والسفير الامريكي في وقتها.... والطلب بمحاكمة هؤلاء في محكمة الجنايات الدولية وطلب تعويض ايضا لا تقل عن مائة الف دولار لكل شخص.... هذا جانب من العمل اما الجانب الثاني برأي يجب ان يقوم الحزب بربط اعماله من تلك الاعمال التي تصب في هذه الخانة وهناك محاولات عديدة في امريكا من قبل القانونين ومدافعي حقوق الانسان, واخيرا براي يجب ان نقوم بعدد من التظاهرات امام السفارة الامريكية خصوصا في العراق والقنصلية الامريكية في اربيل وبريطانيا.... وايضا التظاهرة داخل المدن الامريكية او المشاركة فيها ان وجدت...

مقالات