نادية محمود

من زيارة الاربعين : هل ممارسة الطقس الديني امر ديني ام سياسي؟ (2)

الجزء الثاني
استمرارا لما تطرقت اليه في المقالة السابقة حول السياسي والديني في امر تنظيم مراسيم عاشوراء وزيارة الاربعين التي تناولت فيها كيف ان تلك المراسيم التي يمارسها قسم من المسلمين في العراق كشعيرة دينية، تشكل امرا مهما للدولة. حيث انها تخدم تعزيز هوية طائفية محددة، هي الهوية الشيعية للدولة عبر سعيها لتاكيدها كهوية للمجتمع في العراق. اناقش، في هذه المقالة، بان مراسيم عاشوراء، كشعيرة دينية هي مناسبة في غاية الاهمية لعملية التصنيع الشيعي حيث تخدم كاستراتجية سياسية منظمة من قبل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية لتكريس وتثبيت الهوية الشيعية للمجتمع في العراق. ان مراسيم عاشور ستتيح فرصة التوضيح كيف ان هذا النشاط الديني يشكل في جوهره امر سياسي يهدف الى تشكيل اذهان ووعي وسلوك المجتمع ليكون "شيعيا".

قبل الدخول في مناقشة الموضوع يتوجب اولا ان اوضح مالذي اعنيه بالعمل السياسي في هذا السياق. العمل السياسي هو فعل منظم واعي ومقصود ومستهدف لبرمجة وتوجيه وتشكيل افكار الافراد من اتباع طائفة معينة بجعلهم يشعرون، ويفكرون، وينظرون للامور ويتصرفون بطريقة معينة دون غيرها او بالضد من غيرها. عمل له اهداف معلومة وله وسائله المحددة، طقوسه وتقاليده، عاداته، لغته، رموزه، مؤسساته والياته. العمل السياسي لا اقصد به العمل الصادر من حزب معين، او حركة سياسية معينة، وان كان لكلاهما اسهامها الجدي، بل الصادر من مؤسسات مختلفة كالمؤسسة الدينية، وسائل الاعلام، مايسمى بمؤسسات المجتمع المدني، الجامعات والمعاهد والمدارس عموما، اضافة الى مؤسسات الدولة، (وفي حالة العراق اليوم، تدخل ايران ومساهمتها الجدية بهذا الصدد لمصالحها السياسية المعروفة)، واخيرا الاسرة، تسهم كلها في بناء ثقافة وتقاليد معينة، بعمل يكمل بعضه البعض، يؤسس ويخلق بشكل متواصل تقاليد وممارسات واهداف ورؤى محددة وسلوكيات بعينها. هذه العمل المنظم، الذي تشكل الطقوس والشعائر والمراسيم جزءا لا يتجزء منه، يسهم بشكل فعال في عملية صنع تفكير الانسان، رجلا او امرأة، طفلا، شابا او متقدما في السن.

مراسيم عاشوراء التي تتوج بالزيارة الاربعينية هي تعبير ونتاج لعمل منظم ومواظب وشامل تشترك فيه كل تلك المؤسسات المذكورة اعلاه. عمل ممتد الى سنين وعقود، تحكمه، صعوداً او نزولاً، ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية معينة ليست محلية بالضرورة. الطقوس الدينية والمراسيم بالنسبة لفرد في طائفة هي عبارة عن مناسبات لضخ ولاستلام ولاعادة استلام الرسائل الدينية، التوصيات، اتباع توجهات دينية معينة. انها تخدم كمحطات منظمة لاعادة شحن وتزويد الانسان بما هو ديني، ما هو سياسي وما هو اجتماعي واخلاقي. تعيد تذكير الانسان بما يتوجب عليه القيام به. انه تشكل فرصة للفرد في الطائفة لاعادة اعلان ولاءه، تاكيد بان الفرد لازال جزء من هذا الجمع، ومن هذه الطائفة، انها اشبه بتجديد عضوية المرء في ذلك الجمع. وانه مستمر على نفس الخط من حيث التبعية لذلك الجمع. الطقس يعمل على تذكير "الشيعي" بضرورة وبفوائد ان يكون "شيعيا"، بالهدف وما يعنيه كونه شيعيا ومالذي يترتب عليه فعله كونه شيعيا.

عملية التربية والتلقين التي تجري في العراق بعد الـ 2003 تجري وبشكل منظم باتجاه ما يمكن تسميته عملية تصنيع الشيعة، او التشييع. هي عملية متواصلة يومية، تبدأ من محيط الاسرة، وخاصة في وسط وجنوب العراق، ومن محيطها الاجتماعي الاوسع الى المحيط الاصغر في الحي او الشارع. تربية الانسان على ممارسة طقوس عاشوراء وممارسة الزيارة الاربعينية تبدأ منذ سن مبكرة. تبدأ من الاطفال بجعلهم يرتدون السواد في هذا الشهر، يجري تلقينهم وتعليمهم حول كيف يجب ان يتصرفوا كافراد في هذه الطائفة. نشرت الكثير من الصور لامهات يحملن اطفالهن والصغار يرتدون السواد في عاشوراء، البعض مضرجة رؤوسهم بالدماء، اطفال يلقنون الاغاني الدينية. يجري التلقين والتربية الدينية في الحسينيات التي يحضرها الاولاد مع ذويهم او الفتيات مع امهاتهن في "القرايات"، في المنازل الخاصة او في الحسينيات. تلك المراسيم تنطوى على محاضرات منظمة، مطولة ومفصلة، ويومية طوال مدة المراسيم او المناسبة الدينية، يشرح فيها للمستمع العديد من القصص وسرد التاريخ، والامثلة، وقصص اهل البيت، اعمالهم وقيمهم، اخلاقهم، ومثلهم في ذلك الوقت، وكلها من وجهة نظر المتحدث، ويتم تضخيم مقاطع منها اواختلاق والتغاضي عن اقسام أخرى طبقاً لغايات المتحدث واهداف التوجه هذا. وربط كل ذلك الماضي باحداث وبصراعات ومواقف الوضع الحاضر، بصراع اليوم، بداعش على سبيل المثال، او عدم عودة حزب البعث، كما جرى في وقت الانتخابات.

في الحسينيات، ليست هنالك حوارات، بل خطيب يتحدث والاخرين جلوسا على الارض ينصتون، وما يقوله الخطيب يقدم على انه الحقيقة المطلقة وعلى المستمعين ان يصغوا لما يقال كحقائق لا تقبل النقاش، او الجدل او الدحض. احاديث الخطباء لا تتعلق بحب الائمة بشكل مجرد، بل بالتصرف والسلوك وفق ما يراه الخطيب باعتباره سلوك اهل البيت الذي يتوجب الاحتذاء به.

الزيارة الاربعينية هي المناسبة التي ينزل فيها عشرات المبلغون والمبلغات لمخاطبة جمهور "المشاية"، يشرحون فيها لـ"الشيعي" ما الذي يترتب عليه عمله كونه "شيعيا"، حيث ترسم سلوكياته ويعاد النظر فيها مجددا، لابعادة عن "المعاصي" ولغفران ذنوبه، لارتداء الحجاب، لمواصلة الصلاة، لطلب شفاعة الائمة، كيف ينظم علاقاته الاجتماعية، كيف يتعامل مع الاخرين. عملية التوجيه تشمل كيفية التصرف من الناحية السياسية، فهي توعي "الشيعي" بما هم النواصب، ومن هم اعداء الاسلام، ممن هم غير شيعة، وصولا الى الايمان بعودة الامام المهدي كامام للامة على صعيد عالمي يقيم العدالة على الارض. انها تعلمه كيف يكون عبدا مطيعا ليس لله فحسب، بل لاهل البيت ولاحبة الله (على الأرض). يتم التذكير بهذا كله وبغيره ليس في الحسينيات فحسب، بل وايضاً في وسائل الاعلام، التي هي في تزايد مستمر، حيث هنالك قنوات: الفرات، الانوار، كربلاء، المهدي، الاتجاه، العراقية، وغيرها التي تضخ 24 ساعة في اليوم الاحاديث الدينية المتعلقة باهل البيت، والتي يجري تذكير فيها المسلم، معنى ان يكون شيعيا في سلوكياته واحساسيه ورؤاه. ومؤخرا، بدأت تصور الاغاني "الشيعية" في افلام كارتون موجهة الى الاطفال الصغار. اي ان عملية التشييع، تبدأ من الطفولة.

ان هذا امرا ليس غريب على تسيس الاطفال في العراق. لقد قام النظام السابق بعمل الشيء نفسه، بجعل الاطفال عقائديون وبعثيون: فالطلائع والاشبال كانت تعمل على تبعيث الاطفال. وما يجري اليوم في هذا السياق، كان قد جرب في الامس ايضا.

المراسيم الدينية التي تنظم على امتداد العام تشتغل بشكل مكثف لاعادة برمجة تفكير "الشيعي". انها توفر فرصة هائلة لعملية اعادة "تشييع" المسلم عبر ضخ اعلامي وديني هائل. ان رجل الدين الذي يخرج على شاشات التلفاز ليتحدث عن معركة الطف، وثورة الحسين، لا ينسى ان يحذر الشباب من عدم مشاهدة المسلسلات المدبلجة ومتابعة البرامج التنويرية الدينية! الخطباء يحاولون اغلاق المنافذ غير الدينية امام "الشيعي". يغلقوا المنافذ غير الشيعية امامه سواء ليتلقى منها المعارف او العلوم، او يصادر متعته حتى بقضاء الوقت حسبما يرتأيه ذلك "الشيعي"، ليضعوا امامهم طريقا واحد لاغير: جعل طريق "اهل البيت" هو الطريق الوحيد امام "الشيعي". من هنا يتم اقناع "الشيعي"، احتكاره والانفراد بعقله، السيطرة عليه، توجيهه، بما ترتأي تلك المؤسسة الدينية. لذا هذا العمل في جوهره عملية سياسية.

مراسيم عاشوراء هي قمة فعاليات الشيعة: الحسينيات التي تعمل، الفضائيات التي تبث، السواد الذي يغطي المدن، السيارات التي تسير في الشوارع وهي تحمل الاناشيد الدينية. يصبح الدين والتشيع نمط حياة. هذا النمط يشعر بالتهديد حتى من الاغاني الغربية، او المسلسلات المدبلجة، لذلك التكثيف بالخطاب الشيعي من اجل تامين الصوت الواحد، و لغلق كل منفذ اخر لمعرفة رؤى اخرى، غير شيعية، غير اسلامية وغير دينية، يصبح امرا ضروريا. فالرأي الاخر غير محتملا على الاطلاق.

لقد ذكرت في المقالة السابقة بان "المشاية"، المواطن المسلم الشيعي يشارك في المشي طلبا للاجر والثواب، لرضا الائمة، لابعاد الشر وللحصول على الخير، لشفاء مريض، لعودة غائب، وحتى لحصول حالة انجاب، لنجاح طالب في الامتحان. اي بمعنى اخر يدفع "المشاي" الفرد امرا شخصيا وحلما شخصيا يتخيل انه سيحققه عبر المشي. الا ان السؤال لماذا يشكل ازدياد عدد الناس الذي ينخرطون في المشاية طلبا للاجر والثواب، والساعين الى الوصول الى "الجنة" عبر مشيهم على الاقدام نصرا "للشيعة"؟ لماذا تردده بفخر القنوات الفضائية الشيعية، التي لا نعرف الان من يمول اغلبها بالضبط، لابعاد الناس عن المطالبة بتحسين احوالهم وظروفهم في الواقع المادي الحي، واحالته الى مجهول، غيب، غد غير معلوم. وهنا تكمن فائدة مهمة أخرى للمؤسسة الدينية، للدولة، ولكل المستفيدين ماديا من عملية التشييع المنظم.

ذلك لانه يشكل المخزون البشري الذي يوفر جمهورا للخطباء وللقنوات الفضائية، وللاحزاب الاسلامية، وللحكومة، ان هؤلاء هم الذين يدفعون الخمس، وهم الذين يقومون بالزيارات، وهم الذين سيصوتون في الانتخابات للاحزاب الشيعية، وهذا هو الأهم ومربط الفرس، وهم الذين سيحاربون دفاعا عن الشيعة، ضد ما هو "غير شيعي". بدون هذا الجمهور، يبقى الخطيب والقناة الفضائية والحزب الشيعي، والحكومة، خطيب بدون جمهور. من هنا تشكل المراسيم الدينية وطقوس عاشوراء والزيارة الاربعينية امرا في غاية الاهمية لانها تحافظ على هذا الجمور، لتزيد عدده، لتعمق تعلقه بالدين وبالفكر، وبالممارسة وبالتفكير الشيعي. من هنا سر الابتهاج بكثر الاعداد المشاركة في الزيارة الاربعينية. كلما ازداد العدد ذلك، بنظرهم، يعطي دلالة على صحة رسالتهم. نحن هنا اذن ازاء حالة سياسية جديدة، حالة تشييع المجتمع من الاسفل، عبر الطقوس والشعائر الدينية، والذي اقصد به من الاسفل، هو عمل مؤسسات غير مؤسسات الدولة مباشرة بالضرورة على "تشييع المجتمع"، والذي يختلف عن دول اخرى، مثل ايران حيث يعمل "تشييع" المجتمع من الاعلى عبر ولاية الفقيه.

ان مقولة "الامر بالمعروف والنهي عن المنكر" هي ليست عبارة دينية لتقديم النصح الديني، بل انها سلاح ايديولوجي واستراتيجية سياسية بامتياز، تمنح لطيف من الناس الحق "بنصح" الجزء الاخر من اولئك الذين لا يشاطرونهم معتقداتهم وكأنهم "الجزء الضال" الذي يتوجب ارشاده. القسم الاول منح لنفسه الشرعية على طرح نفسه وكانهم اصحاب "الحقيقة المطلقة"، اتجاه وبالضد من الرأي الاخر، الذي هي بالضرورة طيف "مضلل" و"ضال" طالما لا يركن الى ولا يتبع رؤاهم للحياة.

لذلك بالنسبة لدعاة "الامر بالمعروف..." ليس هنالك شيء اسمه الرأي الاخر، المخالف، المعارض، الناقد، فاي رأي اخر هو "منكر"، خاطي و"كافر" و"ضال" يجب ارشاده، ان لم ينصع ولم "يتوب" يمكن معاقبته في الحياة، كما انه موعود بالعقاب في "الاخرة" برميه في النار!. هذا هو جوهر التفكير الديني الاسلامي. فكل ما يصدر عن تلك المؤسسات الدينية بمختلف منابرها تطرح كانها الحقيقة المطلقة التي ما على المسلم الشيعي الانصياع والانقياد لها، ومن هنا هي سياسية.
وللحديث بقية.                                     

مقالات