عادل احمد

الشيوعية باللغة البسيطة!

شوه مفهوم الشيوعية في عالمنا اليوم اكثر من اي وقت اخر. عندما يأتي الكلام عن الشيوعية ومعانيها فتشير مباشرة الاصابع الى تجربة الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية. او يتم تعريفها كأيدولوجية كتبتها كارل ماركس وفريدريك انجلس وطبقها لينين في روسيا ولم ينجح. ان هذا المفهوم المجرد للشيوعية هو مفهوم برجوازي والغرض منه ابعاد ذهن الجماهير وخاصة الطبقة العاملة عن الشيوعية العمالية وحركتها كنقد اجتماعي لنظام الرأسمالي.
ان الشيوعية تعيش بيننا في كل لحظة وننطق بها في كل لحظة وتخرج من اعماق صدورنا مع كل شهيق وزفير سواء كنا نعرف شيئا عن الماركسية ام لا، او نعرف شيئا عن الرأسمالية ام لا. ان النطق بالشيوعية ليست فقط بالمصطلحات السياسية والفلسفية والاقتصادية، وانما كل نقد يوجهه العامل لوضعه مرتبط بالحياة ونمط العيش في زمننا يعبر بشيء او بأخر عن الشيوعية. اي ان الشيوعية تأتي بمعني اي شيء مرتبط بالحياة والمعيشة. اذا أوقفت اي عامل في الشارع وسالته عن معاناته او همومه, فكل كلمة يطرحها تعبر بطريقة ما عن مفهوم الشيوعية ونقد النظام الرأسمالي. فسيتحدث لك عن شروط العمل القاسية او قلة الأجور والتي لا تكفي لسد ابسط حاجيات الحياة حتى في الدول الصناعية الكبرى. وعندما يتحدث عن العمل والاستراحة والسفر فييتحدث عن مفهوم الشيوعية بدون أن يعرف من هو ماركس وهل هو نوع من أنواع الطعام ام علامة تدل عن شركة موضة للملابس، ولكن يشكو من معاناته مع الشركة التي تعمل فيها مثلما يعبر عنها في الادبيات الماركسية ولكن بلغة بسيطة وبتعابير يومية بسيطة. عندما يتحدث العامل البسيط عن العمل والمساواة في الاجر او ساعات العمل الضرورية لانتاج سلعة ما، فيعبر بلغته البسيطة عن هذه العلاقة الاقتصادية ويشتكي من هذه العلاقة عن طريق طرح موضوع ساعات العمل الطويلة وتشديد العمل وسعر البضاعة التي انتجها في الاسواق والربح الناتج عن هذه البضاعة الى جيوب صاحب العمل. يشرح كل المعادلة الاقتصادية بلغته البسيطة كما عبر عنها ماركس في الرأسمال. وعندما تسأل اي عامل عن كيفية ايجاد طريقة ما لزيادة الرواتب ومستوى المعيشة، فلا تجد في كلامه غير اتحاد العمال وتجمعهم مع بعضهم البعض وتشكيل قوة لكي تضغط على ارباب العمل، من اجل الرضوخ لمطالبهم وانتزاع حقهم من الرأسمالي. ويعبر عن هذا الاتحاد والقوة باللغة البسيطة ولكن بنفس مفهوم الشيوعية عن حركة العمال.
عندما يشكي اي كادح عن معاناته وعدم المساواة بين الفقراء والاغنياء والفجوة بينهما وعدم تأمين المعيشة او العمل او حتى عدم تأمين بقاء حرفته نتيجة المزاحمة واحتكار كبار الرأسماليين كل الاسواق. فيعبر عنها بالشكل البسيط ويعبر عن معاناته ومظلوميته وسحقها من قبل الاغنياء والبنوك مثل ما يعبر عنها في الادبيات الشيوعية ولكن باللغة البسيطة المتداولة يوميا في حياتنا. وعندما يتحدث عن الفساد الاداري والاقتصادي والرشاوي من قبل الاغنياء للمؤسسات الاقتصادية والمالية وحتى المؤسسات السياسية حيث يعبر عنها كما تعبر عنها الشيوعية الاقتصادية.
واذا ناقشت اي امرأة في البيت او العمل او في الشارع فتطرح قضيتها ومعاناتها وعدم مساواتها مع الرجل في جميع نواحي الحياة بالرغم من وجود قوانين لصالح المرأة في الدول الغربية. عندما تتحدث عن عدم مساواتها فتربطها بالحالة الاقتصادية للمجتمع بلغة بسيطة جدا بأنها تعمل اكثر من الرجال وتتعب اكثر من الرجال وفي الاخير تأخذ أجور اقل من الرجال، هذا بالاضافة الى عملها المنزلي وتربية الاطفال وهمومها فتعبر عنها باللغة المفهومة البسيطة عن الشيوعية. في الحقيقة تعبر المراة العاملة عن الشيوعية عشرات المرات اكثر من الرجال بسبب الثقل الكبير لحركة الرأسمال على معيشتها ومعاناتها مع عدم المساواة منذ ان تأتي الى الحياة ومنذ أول يوم لولادتها، مع وجود التقاليد الذكورية التي تساند استغلالها من قبل الرأسماليين ونظامهم.
عندما تغازل اي طفل بأمكانه التحدث بشكل بسيط وباللغة البسيطة عن عدم وجود عدل في الحياة. الطفل الفقير يشتكي من عدم وجود اغراض وألعاب وملابس انيقة والاكل المفضل، ويشتكي دائما عن رغبته في لعبة ما ولكن والديه لم يستطيعا توفيرها له. والاطفال الاغنياء بالرغم من وجود كل شيء لكن يحس بأن هذا ليس كل شيء فيريد ان يكون مع بقية الاطفال وعدم رضا والديه بالاختلاط مع اطفال الفقراء. فكل طفل من موقعيته ينتقد هذا العالم وعدم مساواته ولكن بالشكل البدائي والبسيط وباللغة الطفولية. يعبر عن الشيوعية بأبسط صورها وهي عندما تأتي للحياة فليس هنالك لغة، لون، قومية، ديانة عائق امام اختلاط بعضهم مع البعض وجميعهم يفهمون البعض بلغة الحركة ويحبون البعض بغض النظر عن مستوى معيشتهم وباي لغة يتحدث ابائهم او من اين جاء الى الحياة واين نشأ. ان النظرة الطفولية للحياة تعبر عن المفهوم الانساني للشيوعية.
صحيح بأن ليس كل نقد بشكل عام يعبر عن الشيوعية ولكن كل نقد توجهه الطبقة العاملة لوضعها في الانتاج يعبر بشكل ما ويرتبط بالشيوعية (اي مشاعة وسائل الانتاج الاجتماعي). لا يوجد عامل لا يحلم برفع مستوى المعيشة والحياة المرفهة! لا يوجد عامل لا يتمنى بأن يكون هو صاحب عمله ويعيش من كدحه وعرق جبينه نحو حياة كريمة وافضل. لا يوجد عامل لا يتمنى بأن يعيش بكرامه وبفضل عمله احسن العيش وان يكون سعيدا ويقضي على الفقر وعدم المساواة ويبني عالم خالي من الاضطهاد. ان الشيوعية ماهي الا هذا الحلم وهذا التمني وهذا الهدف.

مقالات