سمير عادل

ما وراء اعتصامات الصدر

كل شعارات مقتدى الصدر "محاربة الفساد، ومحاكمة الفاسدين، حكومة تكنوقراط"، وكل احتجاجاته وتظاهراته واعتصاماته واستعراض ميليشياته العسكرية، ليست بإمكانها اخفاء حقيقة واحدة، وهي السعي في اقصاء مهمشيه، ومحاولته لحسم السلطة لصالحه داخل التحالف الشيعي.
في عام 2004وبعد الحملة العسكرية لحكومة اياد علاوي المؤقتة، على ميليشيات جيش المهدي وبالتنسيق مع القوات الامريكية، اختفى السيستاني عن الساحة السياسية كما يختفي اليوم، بحجة زيارته للندن، من اجل العلاج. وما ان وصلت القوات الامنية في ملاحقة جيش المهدي الى النجف، ومحاصرة قسم منهم في الصحن الحيدري، ظهر السيستاني فجأة ليتدخل، وينهي النزاع، ويحسم امر جيش المهدي، الذي ادى الى استسلامهم، مقابل الاحتفاظ براس الصدر، وعدم محاكمته على جريمة اغتيال مجيد الخوئي، والدخول في العملية السياسية والمشاركة بالسلطة.
المشهد يتكرر هذا اليوم من جديد، ولكن بشعار جديد وهو "محاربة الفساد" بدل من "مقاومة الاحتلال"في عام 2004وهذه المرة يحاول الصدر في تصفية خصومه السياسيين داخل التحالف الشيعي، وتقزيم جميع اجنحته السياسية، والمحاولة في ملئ الفراغ الذي تركه السيستاني.
المرجعية الدينية، او بصحيح العبارة مجلس الخبراء على غرار مجلس الخبراء في إيران، يراقب الوضع السياسي عن كثب، وينتظر ساعة الصفر، لحسم الخلافات، كما فعل مع دخول القوات الامريكية في العراق عندما أفتت بعدم محاربتها، وكما حدث في 2004مع جيش المهدي كما ذكرنا، وكما صارت في اقصاء المالكي، وكما أطلقت فتوى الجهاد الكفائي ضد داعش.
الازمة السياسية التي يعيشها العراق، هي ازمة العملية السياسية، منذ ولادتها على يد قوات الاحتلال. اي بعبارة اخرى هي ازمة السلطة السياسية، التي كانت تدار دون ايجاد اي مخرج لها، وعدم حسم السلطة لأي طرف من أطراف الاخوة الاعداء. وسر الدعم الذي لقاه نوري المالكي، من قبل الولايات المتحدة الامريكية والجمهورية الاسلامية في ايران، بسبب قدرته في ادارة الازمة السياسية في العراق، خلال ثمان سنوات حتى انفراط العقد على يد داعش في ١حزيران من عام 2014
وهكذا دوي سقوط الموصل على يد دولة الخلافة الاسلامية عمق من الازمة السياسية للعملية السياسية بشكل عام والتحالف الشيعي بشكل خاص. وفسحت فتوى الجهاد الكفائي، المجال لاجنحة التحالف الشيعي من تشكيل مليشيات مسلحة بصفة رسمية وشرعية. وهذه المسألة كانت بداية موجعة للتيار الصدري الذي انفرد دون سائر قوات الاسلام السياسي الشيعي، بجناح عسكري يستعرض قواته بين الحين والاخر لترويع وتخويف منافسيه ومخالفيه في التحالف الشيعي. اي ان معضلة الصدر الحقيقية هي مع الحشد الشعبي اكثر مما هي مع خصمه القديم المالكي قائد الظل لذلك الحشد. ولم تأت مصادفة، استخدام كلمة الميليشيات الوقحة على لسان مقتدر الصدر أكثر من مرة وفي اكثر من مناسبة، لانه بات يدرك ان ميزان القوى يتغير، وهناك جهات داخل التحالف الشيعي، لها اجندات مرتبطة بولاية الفقيه، ولها مشروعها السياسي، تتناقض مع المشروع المحلي و"الوطني" للصدر. ويضاف اليه عامل التغيير الاقليمي، وهو التدخل العسكري الروسي في سورية، الذي غير مجمل المعادلة السياسية ليس على صعيد سورية فحسب، بل على صعيد المنطقة برمتها. وكان هذا التغيير من شأنه سيحدث تغيير على الوضع السياسي في العراق. ويعني في أحد جوانبه اعادة تقسيم النفوذ والسلطة، ويعني قضم قسم من كعكة التحالف الشيعي او الاسلام السياسي الشيعي. ويعتبر جناح العبادي أحد الموافقين على القسمة الجديدة، ويعمل كأداة في تنفيذ هذا التغيير في العراق، الذي هو امريكي صرف.
ان الصدر وتياره، يدركان بشكل جيدا حقيقة مكانته الذي اصبحت هامشية داخل التحالف الشيعي بعد كل هذه التغييرات، ويعي ايضا حقيقة ما تؤول اليه التطورات السياسية المقبلة. والحقيقة تقال بأن مقتدى الصدر، اكثر اجنحة التحالف الشيعي، مهارة في انتهاز الفرص. ففي 2003استغل شعار "مقاومة الاحتلال" بشكل جيد، واستطاع الدخول في المعادلة السياسية، واليوم يستغل الاحتجاجات، ويلعب على شعاراته، ليحسن مكانته ونفوذه في السلطة السياسية.
ان احتجاجات الصدر هي حركة رجعية حد النخاع، مثلما كانت حركته "مقاومة الاحتلال" هي الاخرى رجعية. فتحت عنوان "مقاومة الاحتلال" ارتكب مليشيات الصدر، عشرات الجرائم، ضد الحلاقين والنساء والمثليين والايمو وبائعي الكاسيتات والسي دي، وفرضوا القوانين الاسلامية في مدن الثورة والحرية والشعلة في بغداد وفي محافظات البصرة والعمارة وفي الناصرية... واليوم وعن طريق شعاره "محاربة الفساد"، يريد اعادة انتاج ظاهرة التيار الصدري من جديد، على صعيد المجتمع وعلى صعيد السلطة السياسية. وتتعدى حدود رجعية احتجاجات الصدر الى تهديد امن المجتمع وسلامة المواطنيين، مثلما فعل في 2004عندما حول المدنيين الى دروع بشرية ضد القوات الاحتلال الامريكية. لقد نامت اغلبية سكان بغداد، ليلة الخميس وليلة الجمعة الاخيرة، وهي تحبس انفاسها من التداعيات الامنية لاحتجاجات الصدر.
بالنسبة الى ما يسمى بالتيار المدني، فلقد دخل الفخ الذي نصبه الصدر. بيد ان دخوله للفخ، جاء مرغما بعد انحسار الاحتجاجات الجماهيرية في ساحة التحرير وبقية الساحات الكبرى في المدن، وتحولها الى احتجاجات فئوية وفرقوية يحركها التيار المدني، الذي كان يلفظ انفاسه الاخيرة. وكان نزول التيار الصدري الى الاحتجاجات فرصة لإنقاذ ما وصل اليه التيار المدني من انسداد الافاق، ليسلم هذه المرة أفقه للتيار الصدري.
ان احتجاجات الصدر، ليست احتجاجات العمال والموظفين والمرأة والطلبة، الذي خرجوا ضد سياسة التقشف، وبشعار "باسم الدين باكونا الحرامية"، وضد المحاصصة. وبالعكس تماما ان احتجاجات الصدر هي في أحد جوانبها سحق الاحتجاجات الجماهيرية الحقيقية، التي خرجت في تموز من العام الفائت، وما زالت مستمرة في المصانع والمعامل والجامعات والدوائر الحكومية. ان احدى مهامنا العاجلة، اليوم هو في تبديد الاوهام حول احتجاجات الصدر، وتوجيه النقد اللاذع للإسلام السياسي وجميع اجنحته التي اوصلت العراق الى هذا الحال.

 

مقالات