نادية محمود

مشكلتهم ومشكلتنا! الحكومة لا تصلح، فماذا نحن فاعلون؟

منذ ثلاثة عشر عاما والتظاهرات تتواصل بين فترة واخرى مطالبة بالقضاء على البطالة، الكهرباء، انهاء الفساد، قضاء لمحاسبة الفاسدين، ضد المحاصصة، المطالبة بالاصلاح.

تظاهر الناس وارتفعت هتافاتهم: في عام 2008 هتفوا: "قشمرتنا المرجعية وانتخبنا السرسرية"! في عام 2011 مع نسائم "الربيع العربي" هتفوا: الشعب يريد اصلاح النظام. في عام 2015 تظاهروا مرة اخرى "باسم الدين باكونا الحرامية". والمطاليب هي ذاتها!
وفي كل في فترة، كان هنالك رشات ماء بوجه المتظاهرين لتخفيض حرارة مطالبهم عبر الوعد "بالاصلاح"! في عام 2011 قال المالكي اعطوني 100 يوم. وفي عامي 2015 والى الان، يقول العبادي ان سبيل الحل لتحقيق الاصلاح هو: "تأسيس حكومة تكنوقراط". والصدر لا يقبل باقل من الاصلاح "الجذري"!
من الطبيعي ان تتظاهر الناس ضد الحكومة من اجل نيل المطاليب، ولكن بما انه ليس هنالك حكومة واحدة في العراق، فهي مقسمة على اربعة او ستة اقسام تتصارع فيما بينها. وهي لا تملك، من ضمنها التيار الصدري، لا برنامج اقتصادي ولا اجتماعي ولا خدمي لا لتوفير الكهرباء، ولا لتوفير فرص العمل، ولا للقضاء على الفساد الذي يستشري كالسرطان في كل جسدها. ولولا التظاهرات التي شاركت فيها عشرات الالاف من العام الماضي ولحد الان، لما خطر على بال الحكومة الحديث عن اية اصلاحات: لا ترقيعية ولا جذرية.
لقد تأكدنا عاما بعد عام بان هذه الحكومة غير قادرة، عاجزة، فاشلة، فاسدة، نهبت الثروات، اغتنت وهربت الاموال لحسابات افرادهم، غير معنية بهموم الناس..والخ وتطول القائمة. ونحن نعرف انهم يعيثون في الارض فسادا، وانهم سراقا. انهم لا يخبأون الامر. ويخاطبون ناخبيهم وبكل صراحة: "حتى وان كنا لصوصا الافضل ان تنتخبوا لصا شيعيا من ان تختاروا لصا من غير طائفة. اللص الشيعي لن يمنعكم من ممارسة طقوسكم!". نحن نعرف انهم لن يتخلوا عن الطائفية، انها ايديولوجيتهم، انها تعطيهم الشرعية للتحدث باسم" الشيعة". ونحن نعرف انهم لن يتخلوا عن المحاصصة. والا لمن ستذهب مداخيل النفط اذن؟ ولماذ يتركوا الثروات لغيرهم؟ لا تنقصهم لا ميلشيات ولامواقع حكومية، ولا "شرعية دينية"، فمسؤولي الاحزاب الشيعية انفسهم رجال دين بعمائم. نحن نعرف انهم يبحثون عن حلولا لارضائهم وتحقيق ما يطلقون عليه بـ"استحقاقاتهم". انهم يقومون بعملهم لحماية مصالحهم ولحماية انفسهم. يفعلون كل ما اوتي لهم من اجل ان لا يتراجع احد منهم عن مكانته او تقلل حصته، مهما كانت.
وكما هو واضح فان التظاهرات، رغم استمراريتها ودأبها، قد تكون اصابت الحكومة بدوار، وكشفت الضعف الحقيقي للحكومة الذي رأيناه هذه الايام. الا ان الحكومة المنشطرة على ذاتها، تمكنت من ان تخرج من بين صفوفها ذاتها، التيار الصدري، و كأنه الامل المرتجى الذي تعقد عليه الامال. كأنه المتصدي للاصلاحات، والحال التيار لا هم له غير تبوأ مكانا اوسع أمام وبمواجهة الاحزاب الحكومية الاخرى. بركلة قدم دفعت مطالب المتظاهرين الى مدى غير معلوم. واصبحت القضية الان قضية الصدر مع الحكومة.
هذا يعطينا درسا، مرة اخرى واخرى، على دهاء البرجوازية في الهاء واشغال الناس وتحويل انظارهم من قضاياهم الاساسية والملحة الى مسائل لم تكن في حسبانها ولا تعنيها. جاعلة من مشاكلها هي وكأنها مشاكل الناس. ان هذا يوصلنا الى نقطة واحدة وهي ان كانوا هم معنيين بترتيب امورهم، يخدعون ويكذبون ويساومون ويتفاوضون، يروحون ويجيئون، ينقلبون ضد بعضهم ويتصالحون، يتقاتلون ثم يعودوا على اعقابهم ويتفاضون، يفقدون الامل، ثم يقولون عاد الامل! مالذي يتوجب علينا ان نفعله لتدبير امرنا نحن؟.
ان كانوا هم مشغولين بتدبر امورهم لادامة بقاءهم على وجه البسيطة، مالذي يتوجب علينا نحن سواء في داخل العراق او خارجه، لنتدبر امرنا نحن للدفاع عن حياتنا وحياة وامان الملايين في العراق. مالذي يمكن لنا عمله لنخرج من مجال الكلمة الى مجال الفعل. لن يكفينا، وعلمتنا السنوات الثلاثة عشر الماضية ان انتظار الحكومة ان تقوم باصلاح هو تعلق في حبال ذائبة كما يقول المصريون، او عشم ابليس في الجنة.
من هو/ي صاحب/ة المصلحة الحقيقية في التغيير؟ وعلى اية فئات يجب التعويل؟ اية فئات يجب ان تنظر في امر تنظيمها بشكل جاد، ولماذا تلك الفئات دون غيرها؟ اين تكمن قوتنا الحقيقية. من الواضح ان ما عملناه لحد الان لم يجلب نذر للتغيير، بل ادى الى ابقاء الكرة في ملعب البرجوازية، يتراشقونها فيما بينهم، وكأن ما ترك لنا هو دور المتفرج او دور المعلق على الاحداث. وهذا ما لايجب ان يكون.
لقد اوضحت لنا تجربة التظاهرات ان التعويل على خطاب "نحن" و"هم" هو خطاب شعبوي يحتاج الى نقد جاد. وتفسير الامور وتحليلها بوضع "الشعب" مقابل "الحكومة"، او من هو مناهض للحكومة وكأنهم بشكل ميكانيكي يقف بصف المطالب العادلة لهو امر خاطيء. ليس كل فقير وعاطل عن العمل هو "معنا". لقد ساق الصدر الالاف من الفقراء والعاطلين عن العمل الى جبهته، الجبهة البرجوازية الرجعية المناهضة لحقوق وحياة العمال والفقراء ذاتهم الذين تمكن الصدر من سوقهم الى صفوفه. فتياره، كما التيارات البرجوازية الاخرى، تقوم بابتزاز وشراء الولاءات في مجتمع لا يوفر الامان الاقتصادي ولا يترك للمرء في ظل التضييق الاقتصادي والسياسي والضغط الديني والاجتماعي لا حرية الاختيار السياسي ولا الشخصي.
ان قوتنا الحقيقية تكمن في التنظيم والتنظيم وحده، ولكن اية قوى بامكانها وبمقدورها وتسعى للتنظيم؟ هذا ما ساسعى للاجابة عليه في المقالة القادمة.

 

مقالات