سامان كريم

الاحتجاجات العمالية والجماهيرية النضالية يجب ان تفصل ذاتها عن اعتصامات المنطقة الخضراء

سؤال: تحولت التظاهرات الأسبوعية في ساحة التحرير وبقية ساحات محافظات الوسط والجنوب الى أعتصام قرب بوابات المنطقة الخضراء بقيادة مقتدى الصدر، وبفعله تحولت المطالب من توفير الخدمات والقضاء على الفساد الى المطالبة بتشكيل حكومة "تكنوقراط" والتي كانت أحد مشاريع العبادي "الأصلاحية" في رده على بداية التظاهرات.. التيار الصدري كان أكبر المتضررين من التظاهرات ضد الفساد والتي أطاحت بأكبر منصب لدى التيار الصدري في الحكومة، حيث تمت ألغاء حصة التيار الصدري في الحكومة باقالة نائب رئيس الوزاء بهاء الأعرجي من منصبه، عكس بقية تيارات الأسلام السياسي الشيعي التي بقيت مناصبهم في السلطة محفوظة كالمجلس الأعلى وحزب الدعوة الخ.. لا نأتي بجديد حين نقول أن أهداف هذا الأعتصام هو محاولة لأصلاح ما تسمى بـ "العملية السياسية" من منظور التيار الصدري، باستغلال النقمة الجماهيرية وتحويل الأعتراض والحركة الأحتجاجية الى صف التيار الصدري لأعادة توازن القوى "الشيعية" داخل "العملية السياسية".. تأييد الأعتصام معناه الوقوف بصف التيار الصدري أحد الأركان الرئيسية في سلطة الفساد، رفض الأعتصام معناه الوقوف بصف بقية تيارات الأسلام السياسي الشيعي الرافضة له كحزب الدعوة.. الأنسحاب يعني ترك مصير الجماهير بيد أحزاب وتيارات الفساد المسيطرة على الحكم.. برايك مالعمل؟؟.
سامان كريم: سؤال حواري مهم. مهم في طرحه مفاصل مختلفة ورؤيا سياسية مختلفة ايضا. الاحتجاجات هي احتجاجات جماهيرية بمعنى الجماهير تشارك فيها وهي قضية مسلم بها. مشاركة الجماهير في اي حركة او احتجاج لا يعني انها حركة نضالية, أو ثورية او حتى إصلاحية بالمعنى الكلاسيكي للاصلاحات وليس بمعناه الليبرالي وفق نهج البنك الدولي.
هذه الاحتجاجات التي انتقلت وتحولت الى اعتصام امام بوابات منطقة الخضراء, هي استمرار لاحتجاجات الصيف التي بدأت في شهر تموز الماضي. البنية السياسية كما هي. الاختلاف في الاوضاع السياسية والتغيرات في توازن القوى بين مختلف الحركات والتيارات السياسية المشكلة لتحالف الاسلام السياسي الشيعي. هذه الاحتجاجات في البداية كان يقودها الدكتور العبادي والسيد السيستاني, وبعد تراجع السيستاني في بداية شباط الماضي يقودها اليوم مقتدى الصدر والعبادي بمعنى ان تيار العبادي والتيار الصدري وجدا تحالفهما عبر رؤية سياسية مشتركة, الخصه برؤية "الوطنية" او "العروبية العراقية" عابرة للطائفية.
لماذا التيار الصدري او لماذا حل الصدر محل السيستاني في هذه الاحتجاجات؟! القضية سياسية بحتة, حيث ان التيار الصدري, تراجع نفوذه وسطوته وتقلص دوره وموقعه خصوصا بعد تشكيل الحشد الشعبي وبعد التيار الصدري عنه او بعد الحشد عن التيار الصدري خصوصا في المراتب القيادية للحشد الشعبي, الحشد الذي يسيطر عليه حزب الدعوة عبر تيار المالكي ومنظمة بدر وعصائب اهل الحق بصورة رئيسية.. هذا جانب من القضية والجانب الاخر ان فصل الوزراء وطرد الفاسدين في الحكومة لم يشمل احداً الا التيار الصدري حيث طرد الاعرجي من نيابة رئيس مجلس الوزراء, وهذا يعطي للرأي العام تلويحا سياسيا بان هذا التيار وقياداته تعج بالمفسدين على الرغم من الدعاية المتواصلة بعكس ذلك من قبلهم. وقضية اخرى وهي سياسية هي محاولة تيار الصدر وضع فاصل واضح بينه وبين النظام الايراني لادارة شؤون العراق, وربما هذا الامر ادى بالمالكي والمتحالفين معه الى ابعاده عن التشكيلة الاولية للحشد الشعبي وشمول هذا التيار باول طرد من الحكومة عبر بهاء الاعرجي..
بعد كل هذا الامور والتغيرات السياسية التي حصلت بعد الاتفاق النووي مع ايران والتغيرات الكبيرة بعد التدخل الروسي في سوريا وانعكاساته على الساحة السياسية في العراق, وعلى التحالف الوطني العراقي وقواها المختلفة.. كل هذا الامور ادت الى ان تلعب قوى الاسلام السياسي الشيعي داخل التحالف بصورة اكثر مرونة.. حيث ادى في نهاية الامر الى تشديد وتعميق الخلافات بين تلك الاطراف المكونة للتحالف الوطني.
عليه وفي هذا الاطار يلعب الصدر لعبته السياسية لاعادة الهيبة الى تياره وتقوية نفوذه وسلطته سواء عبر تحالف اكثر عمقا مع المجلس الاعلي من جانب، وقربه من التيارات العابرة للطائفية مثل الحزب الشيوعي العراقي والوفاق الوطني, ناهيك عن تيارات ومحافل مختلفة في صفوف القوى العراقية الاخرى وتقاربه مع تيار العبادي داخل كتلة دولة القانون وحزب الدعوة.. بكل هذه الامور تمكن من استلام قيادة الاحتجاجات من السيستاني ومرجعيته وتحويلها الى اعتصامات دائمة امام بوابات منطقة الخضراء، وذلك لتعديل توازن القوى لصالحه ومعه الحزب الشيوعي العراقي وقوى مختلفة من صفوف تحالف القوى العراقية "ما تسمى بالسنية" أيضا, يضاف الى ذلك بات يهدد منافسيه في التحالف حيث هدد بالـ"شلع قلع".
هذه الاحتجاجات والاعتصامات هي احتجاجهم اي حركتهم وقواهم وهذا يظهر جليا في قيادة هذه الاحتجاجات والاعتصامات وشعاراتها وحتى ملابس المشاركين فيها.. والقوى التي تحافظ على مسيرة الاعتصامات.. اذن القضية ليس أؤيد او لا أؤيد.. القضية اما الوقوف معه وبجانبه مثل الحزب الشيوعي و"تياره المدني" او تدعوا الى احتجاجات مختلفة ومخالفة معه ومنفصلة عن تيار الصدر وكل قوى الاسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني والطائفيين والقوميين, ومنفصل عنهم حتى من ناحية المكان اي مكان الاحتجاجات، براي الاحتجاجات العمالية والجماهيرية النضالية يجب ان تفصل ذاتها عن اعتصامات المنطقة الخضراء وذلك عبر احتجاجها في اماكن العمل او في الاحياء السكنية او في ميادين وساحات مختلفة ولو براي ان مستوى الاحتجاجات من الناحية التنظمية لم يصل الى مستوى الشوارع والساحات..
ولكن رفض هذه الاعتصامات ليس بمعنى الوقوف مع المالكي.. والمالكي ليس ضد هذه الاعتصامات بصورة عامة، بل ضدها حين تمر عبر خطوطه الحمراء ومنها "محاكمة الفاسدين" ولكن القضية اعمق من هذا بكثير, وليس هناك مجال للغور فيها بسبب ضيق عمودنا الاسبوعي. بامكاني ان اكون ضد هذه الاعتصامات واقول للجماهير والعمال افصلوا صفكم عن هذه الاعتصامات وهذه ليست ميدانكم وليست ساحة نضالكم، بل توجهوا الى تنظيم انفسكم وركزوا على مطالبكم اليومية والمعاشية والحياتية.. بامكاني ان اقول هذا دون ان اكون بصف المالكي بل بالعكس ساكون ضده ايضا.
واخيرا ان دعوتي الى انفصال نضالنا العمالي والجماهيري والنسوي عن هذه الاعتصامات، بمعناه المباشر والصريح هو تقوية وتنظيم صفنا النضالي وتوحيد شعاراتنا وتوحيد الصف النضالي وتوحيد قياداته, وهذا ليس انسحابا بل امتدادا للعمل والاسلوب النضالي الذي تربطنا به الشيوعية والماركسية.. ومفهوم الانسحاب لا يشملنا اصلا لاننا لسنا جزءا من هذه الحركة، وهي حركة مغايرة تماما عن الحركة العمالية والجماهيرية النضالية.. وهذا هو ما عملنا؟! وفق رؤية سياسة واستراتيجية مختلفة عن كل تلك التيارات البرجوازية. ما العمل في هذه المرحلة وفيما يخص التذمر والاستياء والاحتجاج، هو تنظيم الصف العمالي والجماهيري في اطار حركة جماهيرية مليونية واسعة، لفرض مطالبها الحياتية والمعاشية والاجتماعية على الحكومة سواء كان العبادي او غيره.

 

مقالات