نادية محمود

التظاهرات في مفترق طرق، ومهامنا!

شهدت التظاهرات التي بدأت منذ اواخر تموز من السنة الماضية ولحد اليوم تطورين مهمين: الاول ربطت الجماهير وعبرت بشكل واضح وبصوت مسموع عن الصلة بين الاقتصاد والايديولوجيا والسياسة وذلك بفضحها منهج السلب والنهب والسرقات من دخل الدولة النفطي، وكشفت استخدام الطبقة الحاكمة لاساليب الديماغوغية والخداع الديني للجماهير. معبرة عن هذا الوعي بهتافاتها "باسم الدين باكونا الحرامية".
الا ان التطور الجديد والخطير هو دخول احد الاحزاب الحكومية في هذه التظاهرات، لترفع صوتها "بالاصلاحات". واقصد التيار الصدري. فمن جهة أنزل للشارع مؤيديه ينادون بالاصلاح منظما استعراضات "جماهيرية"، مظاهرة بلغت الالاف وبشكل مفاجيء، ثم نصب خيم اعتصام واعلان صلاة جمعة موحدة، جالبا الطيف الاسلامي ذاته ليكون مناصرا وداعما له. مقدما صورة واضحة ولا تخطئها العين عن نمط من سياسة اسلامية يوجهها تيار اسلامي لتكون هي الصورة السائدة لحكم وتوجيه المجتمع. من جهة ثانية يرسل التيار الصدري قائمته الى حكومة العبادي من المرشحين التكنوقراط محذرا من ان لم يجري التصويت للاصلاحات (اي تغيير الوجوه) فان "النواب الذين يمتنعون عن التصويت، سيكونون بالأسماء والخط العريض عبرة لمن اعتبر"!. واذن تمحورت كل مطالب الصدر ونداءه للاصلاحات "الجذرية وليس الترقيعية" و الـ" شلع قلع" حول تغيير الوجوه لا اكثر ولا اقل..
الا ان ما هو جدير بالتوقف عنده، هو ظهور طيف من المتظاهرين "المدنيين" مرحبين بـ"دور" التيار الصدري في هذه التظاهرات، عاقدين عليه الامال في ايجاد كتلة تجمع الصدري (وليس الاسلامي او الديني!!) مع المدني، دون الالتفات ولو لحظة الى ماهية الاسباب الحقيقية والاهداف التي يتعقبها هذا التيار من "دخوله" التظاهرات، او تنظيم الاعتصامات!
ان ما يجري يضعنا امام تحدي سياسي كبير، ومهمتنا الاجابة عليه. انه لمن المعلوم ان الاصلاحات عمل مطلوب دائما وعلى طول الخط حيث هنالك نظام طبقي رأسمالي سائد، وحيث ان توازن القوى لا يسمح للجماهير وللطبقة العاملة من ان تقيم نظام حكم يعبر عن مصالحها ومن اجلها، فان الجماهير ستسعى بكل الطرق المؤاتية الى تحسين احوالها ضمن نظام الحكم الراسمالي ذاته. لذلك يمكن وضع مهامنا في المرحلة الراهنة في نقطتين:
أولا: هو كشف، وباكثر ما يمكن المساعي الحقيقية للتيار الصدري، كتيار يبحث عن مكانه له بعد انحسار دوره وتأثيره داخل ائتلافه الشيعي، وسعيه الى اعادة مكانته مرة اخرى.
ثانيا: تبيان خطل التصورات التي ينشرها بعض المتظاهرين من التيار المدني ببناء الامنيات على تحقيق الاصلاح عبر التحالف او تشكيل كتل مع هذا التيار الرجعي.
يجب عدم فصل التيار الصدري، واعطائه امتيازا عن الاحزاب الاسلامية الاخرى. فمصالح التيار الصدري والطبقة الحاكمة في العراق هي مصالح واحدة ومشتركة، وهم طبقة حاكمة واحدة، وجوه متعددة لكيان واحد، لمصالح واحدة ولسياسات واضحة. ليس الالتفات الى حاجات الجماهير يشكل امرا مقلقا بالنسبة لها. واي مسعى لتضليل الجماهير بتبييض وجه التيار الصدري، يعني تقوية تيار برجوازي اسلامي رجعي على حساب تيار برجوازي اسلامي رجعي اخر. ان التيار الصدري على غاية من الخطورة بحيث انه يذهب الى استغلال البعض من الفقراء والمعوزين لتجنيدهم لصالحه، مستخدما الناس وتطلعاتهم كسلاح في خضم معركته مع اقرانه في التحالف الوطني.
النقطة الثانية التي يجب ان نضعها نصب اعيننا هي.. تنظيم القوة الطبقية للطبقة العاملة التي بامكانها احداث تأثير حقيقي وجدي في المجتمع. ان التظاهر في ساحات التحرير، لم يقلل ارباح الحكومة، ولم ينقص دولارا واحدا من رواتبها ولا من منافعها. لم يوقف عملية انتاج، ولم يرهق احدا. يمكن وبنظرة سريعة معرفة ان القوى المادية البشرية المدنية التي انخرطت في التظاهرات تمثل في الاعم الاشمل اوساط البرجوازية الصغيرة، المثقفين، واعضاء منظمات المجتمع المدني والعاطلين عن العمل. انهم ليسوا قوة مادية حقيقية تخيف الدولة. ان اضراب يوم واحد من عمال القطارات داخل مدينة مثل لندن يكلف الاقتصاد البريطاني ما يقارب 70 مليون دولار. ان هذه الخسائر هي التي تجعل الدولة تأخذ الاضراب او التظاهر بشكل جدي، وتحاول التوصل الى حل بشأنه باسرع وقت منعا للمزيد من الخسائر.
ان تنظيم قوة مادية طبقية حقيقية لاحداث تغيير يجب ان تجري في ميادين قادرة على ان ترغم الحكومة على الانصات وعلى الاستجابة. حين تصبح خسارتها اكثر فداحة من امكانية ربحها عندها ستصغي! ان قوة الاقتصاد في العراق تكمن في ذلك القطاع الذي يوفر 90 بالمئة من دخل الدولة وبشهادة القاصي والداني. اي القطاع النفطي. ان هذا هو اهم قطاع اقتصادي في العراق. هو القطاع الذي يمكنه ان يلوي ذراع الحكومة العراقية ويجعلها تسمع. بدون تنظيم هذا القطاع الذي يتوزع على اكثر من مدينة في العراق، لن تزعج الحكومة تظاهرات ساحة التحرير او ساحة الفردوس.
اننا، كشيوعيين، لن نتوقع قيام رأسمالية ذات "وجه أنساني" أو رأسمالية "منصفة "، ان هذا ليس من خصالها. ولكن بامكان الضغط عليها من اليد التي توجعها كما يقول المثل العراقي، يمكن ان يؤدي بها الى الاصغاء. والاكثر من هذا، تنظيم قوة مادية طبقية حقيقية قادرة ولديها القوة الاقتصادي القادرة على ارغام الحكومة للاصغاء. يجب ابقاء الوهج الاول لتلك الهتافات التي رفعت "باسم الدين باكونا الحرامية"، وترجمتها الى برنامج عمل لتحديد من هم اولئك الذين سرقوا، وكيف يمكن ابطال مفعول استخدام سلاح الدين كسلاح في المعركة. وهذا هو التحدي الذي امامنا لارغام الحكومة على القيام باصلاح بفعل قوة الجماهير المادية والواقعية المنفصلة عن الحكومة واحزابها.

.

مقالات