سمير عادل

موسم قطف ثمار الاوهام

حركة العبادي الاخيرة في رمي قائمة التشكيلة الوزارية على طاولة البرلمان، هي مناورة ذكية، في انقاذ سفينته، وسفينة التحالف الشيعي. وكأن مقتدى الصدر لم يصدق، بأن العبادي قدم تشكيلة وزارية الى البرلمان، حتى أنهي اعتصامه وامر جماعته بالانسحاب من امام بوابة المنطقة الخضراء، واعلانه بأنه حقق انتصار كبير، دون ان ينطق بكلمة واحدة او يسال حول مصير قائمته التي قدمها للعبادي من عشرات الاسماء.
العبادي راض على اداء الصدر، بالرغم انه من اقترح تشكيل حكومة تكنوقراط، لكن سرعان ما تلقفه الصدر، ليكون أحد شعاراته الرئيسية، للالتفاف على الاحتجاجات والمطالب الجماهيرية التي خرجت في تموز المنصرم ضد انقطاع الكهرباء والفساد ونقص الخدمات.
المثير للسخرية، وفي نفس الوقت افتضاح امر الضحك على الذقون، هو بأن وزيري الدفاع والداخلية لم يطرا عليهما التغيير، بالرغم ان الاول من قائمة المتحدون "السنية" والثاني من قائمة بدر "الشيعية". ويمكن له ما يبرره العبادي بأنه في حرب مع داعش وليس هناك وقت لتغييرهما. ولكن الا يشمل التكنوقراط اولئك الوزيرين الذي اثير اللغط حولهما، تارة من انفلات عقال المليشيات في بغداد، وازدياد حالات الخطف والسرقة والقتل على الهوية، وتارة من الانفجارات التي ضربت مدن بغداد وبابل وديالى!
الجميع في التحالف الشيعي، خرج فائز في لعبة احتجاجات الصدر - حكومة تكنوقراط. ومرة اخرى تجد ازمة العملية السياسية مخرج لها نحو ازمة لن تطيل انتظارها. فالصدر اعادة انتاج نفسه، وظهر كجزء من المعادلة الشيعية، وبعث برسالة واضحة بأن لا أحد يمكن اخراجه او تهميشه في المعادلة السياسية، حتى بعد تشكيل الحشد الشعبي، وانه قوة لا يمكن الاستهانة بها. وأكثرمن ذلك استطاع ان يبعد جميع ازلامه وزرائه الفاسدين بامتياز، بدء من بهاء الاعرجي، من دائرة المحاكمة والقضاء. والعبادي برأ ذمته امام "التأريخ" و"الشعب"، فأنه رجل يريد الاصلاح، لكن لا يريد ان يشمله الاصلاح من جهة. ومن جهة اخرى، انه هكذا يفهم الاصلاح من خلال الالتفاف على مطالب الجماهير، بدعم واسناد احتجاجات الصدر، واللعب على عامل الوقت، حتى تحقيق انتصارات في جبهة المعركة على داعش، عسى ولعل تكون حقنة جديدة في اطالة عمر ادارته للازمة السياسية بحنكة مثل سلفه المالكي. اما الاطراف الاخرى في التحالف الشيعي، فتنفست الصعداء ولو لفترة اخرى. فعلى الاقل نجحت بالحفاظ على وحدة صفها، وعدم الانحناء امام زوبعة فنجان العبادي - الصدر، والتي اطرت بعنوان الحرب على الفساد واعلان الاصلاح.
الخاسر الاكبر في كل هذه الزوبعة هو من أطلق على نفسه بالتيار المدني، فلقد خرج كما توقعنا بخفي حنين. فلقد اضاف مشاركته مع الاحتجاجات الاخيرة، اوهام على حركة الصدر، والتي كانت حركة سياسية ولها افاق ومطالب واهداف غير التي كانت موجودة في احتجاجات تموز 2015ليس جديد على الذين توهموا بالعبادي، واليوم يغسلون ايديهم منه، كما توهموا بالمالكي، ثم عضوا اصابع الندم على تأييدهم لهم، ليصل بهم بعد ذلك الى حركة الصدر الرجعية، ليتوجوا من زعيمها، منقذ الجماهير، في الوقت الذي لم تكن مكانته في تخريب العراق اقل من المالكي والحكيم والجبوري وعلاوي. فهم اي المتوهمين وما اكثرهم، مثل الضائع في الصحراء، وحر الشمس أطار الصواب من راسه، فيلهث وراء السراب ليصل اليه، ثم يكتشف انه سراب، وبعد ذلك ينظر الى سراب اخر، ويركض ورائه، ليكتشف بعد ذلك انه سراب ايضا، حتى يصل الدوران به في تلك الصحراء الى حد الاعياء ثم الموت.
في هذا العمود، كما في الاعمدة الاخرى على صفحات هذه الجريدة، قلنا وأكدنا وبينا، بأن حركة الصدر، حركة ليس لها اية علاقة بالاحتجاجات الجماهيرية التي خرجت ضد سياسة التقشف، وضد نقص الخدمات، وضد انقطاع التيار الكهربائي، وضد الفساد والفاسدين. كما قلنا ان حكومة تكنوقراط ليس الا ذر الرماد في العيون، فالعبادي يريدها من اجل تحسين ادائه الحكومي، وتحقيق برنامجه الاصلاحي الذي هو معاد لمصالح الجماهير حد النخاع. وقد رأيناه سواء باستقطاع رواتب العمال والموظفين والمتقاعدين، او بفرض الرسوم على الطلبة في المدارس او المستشفيات الحكومية، او على المولدات الاهلية، والحبل على الجرار كما يقولون. واخيرا تريد حكومة العبادي، تشريع قانون التجنيد الاجباري لإعادة العمل العبودي والسخرة على الشباب.
لقد استطاعت حركة الصدر - العبادي في فرض التراجع على الاحتجاجات الجماهيرية، وهي تتنفس الصعداء الان، وتستمتع بأجمل اوقاتها، وتحتفل بموسم قطف ثمار الاوهام التي نشروها في المجتمع.

 

مقالات