نادية محمود

هي السياسة ذاتها: المحاصصة!

من المعلوم ان تحديد واختيار اشخاص لاداء مهام معينة على مستوى دولة ومجتمع يأتي تلبية لاهداف واستراتيجية وسياسة واضحة ومعلومة. لقد قال لنا كل من العبادي، ومثله الصدر، بان التغيير الذي يريدانه هو "التغيير الوزاري" او "التعديل الوزاري". ودار جل النقاش حول فيما اذا كان التغيير "شامل وكلي" ام "جزئي"، واذا كان جزئيا، هل سيكون حول تغيير خمس ام تسع وزارات؟ وفي النهاية ترك العبادي الامر برمته الى عناية البرلمان للقرار على الوزراء.
لم يقل لنا لا العبادي، الشخص المنتظر منه مشروع "الاصلاح" ولا "قائد" مطلب الاصلاح الصدر، باي تجاه ينشدان التغيير بالضبط؟ ما الذي يريدان تغييره على وجه الدقة؟ اية سياسة يريدان الانقضاض عليها، واية سياسة يريدان تبنيها لتحقيق مطالب المتظاهرين والتي تمحورت حول توفير فرص عمل، توفير الخدمات، توفير الكهرباء، انهاء الفساد وغيره.
الا انه وبعد طول مماطلات، واستهلاك الكثير من الوقت فأن كل "التغيير" او التعديل الوزاري المزعوم جاء ليؤكد شيء واحد لا غير، السياسة القديمة ذاتها: "المحاصصة"! السياسة ذاتها، لا اكثر ولا اقل. والتي لم يتجرأ العبادي نفسه على ان يطرح قائمة مرشحيه للوزراء بنفسه وبلسانه، ويقف مدافعا عنها امام اعين الموافقين والمعارضين من ممثلي البرلمان، خوفا من شركائه ذاتهم. لانه يعرف انهم ذئابا في الدفاع عن "وزاراتهم"، ولا شيء يقلقهم غير حصصهم في توزيع الوزارات، والمناصب الحكومية ومايترتب عليها.
لقد بنيت سياسة وفلسفة الدولة في العراق مابعد 2003 على اساس واحد ومبدأ واحد وهو "المحاصصة". هذا هو هاجس "ساسة الدولة" في العراق الاول الاخير، حلمهم وكابوسهم، هذا ما يجعلهم، كما يقول الانكليز، يتركون فراشهم في الصباح من اجله.
وكل ما يجري من انتخابات، وتغييرات حكومية، وتعديلات وزارية، وتشكيل ائتلافات، وتغيير ائتلافات يتمحور حول هدف واحد لا غير: المحاصصة، حصتي وحصتك! والسبب هو ان الوصول الى وزارات الحكومة، يعني الوصول الى منابع النفط! يعني الوصول الى الثروات، يعني الكومشينات، يعني الفساد والسرقات.
ان كل وزارة بالنسبة لاي حزب هي "رأسمال" هي "استثمار" هي مصدر ثروة ومال، يستطيع من خلاله ان يوسع من دائرة نفوذه داخل المجتمع، يبني بواسطتها شبكات من العلاقات، مع تجار ورجال اعمال، وشركات اجنبية وكومشينات. فمن ذا الذي يفرط برساميله واستثماراته؟ انهم يقاتلون من اجلها وللنهاية!
انها طبيعة العلاقات الرأسمالية في اقتصاد رأسمالية الدولة وما يوفره للطبقة الحاكمة في العراق، فالسيطرة على اقتصاد الدولة يوفر لهم ويضعه تحت اياديهم وتصرفهم دخل الدولة من النفط، والاستفادة من هذا الموقع الحكومي لبناء مصالحهم الاقتصادية الخاصة يجعلهم بين ليلة وضحاها يتحولون الى اصحاب ملايين. والامثلة كثيرة. فكلنا نقرأ هذه الايام عن ملايين الدولارات التي جناها حسين الشهرستاني جراء موقعه كوزير للنفط في العراق. لو لم يكن في هذا الموقع الحكومي، كيف كان سيتسنى له ان يضع ملايين الدولارات في حسابه؟ وهكذا ينطبق الامر على كافة الوزارات، والا من اين اكتسب العراق سمعة وموقع الدول الاكثر فسادا في العالم؟ ان نهب المال العام اصبح "مهنة"، اختصاص،"مهارات" هائلة بنيت في الثلاثة عشر سنة الاخيرة.
لكننا نعرف هذا كله. الا ان ما يجب التوقف عنده حقا وفعلا هو ان يردد المتظاهرون الان بانهم يريدون "التغيير الوزاري" و"التعديل الوزاري"، بل وانهم يمضون الى الطلب من العبادي ان يصر على تعديلاته الوزارية؟.
المتظاهرون الذين خرجوا من اجل فرص العمل والكهرباء والقضاء على الفساد، وقعوا في الفخ، وابتلعوا الطعم. اصبحت هموم الاحزاب الحاكمة وهمومها هي همومهم! واصبحت حلول الطبقة الحاكمة لمشاكلها ذاتها، وكأنها تحمل حلا للجماهير ومطاليبها. وشتان ما بين الاثنين. لقد نجحت الاحزاب الحكومية والتها الاعلامية المخادعة في تسويق الاوهام وكأنها حلول!
سواء تغيرت الوجوه او لم تتغير، فباخر المطاف، من اين سيأتي العبادي باناس غير تلك التي تقدمها الاحزاب الشريكة، انه لم يجرؤ على ان يطرح وبشكل شفهي ما كان كتبه في مظروفه! فهل يجرؤ على ان يجلب "غريبا" الى حلبة المتصارعين على المال والسلطة.
ان المطاليب باقية في مكانها. رفعت في تظاهرات 2008، وفي 2011، والتي لازالت ترفع لحد الان، وستظل ترفع من جديد. انها مطاليب الناس، انها حاجاتهم، وحياتهم تلك التي هي تحت السؤال في ظل حكومات دولة مابعد 2003 وسياساتها المحاصصاتية.
ولكن لنقلها مرة اخرى، ان لم تشعر الحكومة بالضغط من الجماهير الى الحد الذي يجبرها على الادراك بان سياستها "المحاصصاتية" ستنقلب عليها وبالا، وان خسائرها ستكون جراء اتباع هذه السياسة، هي اكثر من منافعها، فانها لن تكف عن سياساتها المحاصصاتية ابدا.
ان حكمة وهدف تأسيس دولة الرفاه او دولة الخدمات في اوربا منذ اواسط الاربعينات القرن الماضي ولحد الان كان ببساطة هو الحفاظ على النظام الرأسمالي عبر اعطاء حصة للجماهير. من هناك جاءت السياسات الاجتماعية المتعلقة بتوفير الصحة المجانية والتعليم المجاني، والضمان الاجتماعي والخ، لان الطبقة الرأسمالية الحاكمة في تلك البلدان ادركت بانها ان لم تتنازل عن بعض من مصالحها، فانها ستخسر كل شيء، ستقلب الجماهير الطاولة في وجهها! وقالوا بصريح العبارة: ان لم نعطيهم الاصلاح، سيعطونا الثورة!
وهذا هو قلب فكرة مطلب الاصلاح، التغيير في سياسات الدولة الاجتماعية وليس النكتة السمجة "التغيير الوزاري" و" التعديل الوزاري" دون ان نعرف: تغيير باي اتجاه وتغيير باي شيء..

 

مقالات