سامان كريم

حكومة التكنوقراط أو الأنقاذ الوطني ليس بامكانها ان توفر الأمان والخبز والحرية

سؤال: مقتدى الصدر قدم مقترح للتغيير الوزاري ودعا مريديه والتابعين الى التيار الصدري الى الأعتصام لغاية تنفيذ مقترحه، وبعد أن قدم العبادي لائحته الوزارية في ضرف مغلق الى البرلمان فض مقتدى الصدر أعتصامه وطالب اتباعه بالأبقاء على التظاهرات.. وجاء الدور على عمار الحكيم ليدعو الى تظاهرة مليونية لأتباعه بعد أن قدم مبادرة للتشكيلة الوزارية وافق عليها السفير الأيراني ورفضها العبادي.. أنها محاولات بائسة للضحك على الذقون برمي الفساد وفقدان الأمن والأمان ونقص الخدمات في سلة التشكيلة الوزارية.. أنها محاولات ساذجة لتمييع الأحتجاج الجماهيري في العراق ضد المحاصصة والفساد وماخلفته من مآسي.. هل يمكن لتشكيلة وزارية تنتج مما يسموه بـ "العملية السياسية" أن تعيد الأمن والأمان في العراق وتقضي على الفساد سواء كانت تكنوقراط أو غير ذلك؟؟..

سلمان كريم: نبدأ بالاخير. حكوم تكنوقراط, حكومة محاصصة, حكومة التوافق الوطني في هذه المرحلة كلها لديها الشكل والمحتوى نفسه. اؤكد على هذه المرحلة, هذه المرحلة هي مرحلة بداية النهاية للعملية السياسية الجارية في العراق التي بدأت منذ الاحتلال الامريكي. بمعنى ان العملية السياسية الحالية انتهى مفعولها واستنفذت كافة مقومات وجودها من قبل كل القوى المشاركة فيها, ناهيك عن تناقضها الصارخ مع متطلبات اكثرية الجماهير في العراق, متناقضة مع تطلعات العمال والشباب والمراة. كل القوى المشاركة في الحكم تعترف بصورة مباشرة او غير مباشرة بهذه الحقيقة عبر اطروحاتها. من اطروحة استفتاء كردستان من قبل الحزب الديمقراطي والبارزاني, بغض النظر عن محتواها الدعائي وكعامل ضغط على الاخرين, الى حكومة التكنوقراط واشكالها المختلفة, الى حكومة الانقاذ الوطني, الى حكومة المحاصصة الحالية..
المرحلة السابقة انتهت ولكن المشكلة تكمن في ايجاد سبل المرحلة القادمة. سبل, يتسنى للقوى البرجوازية الحاكمة, ان تبقى العراق موحداً, وان تبقى التحالف الوطني رائداً في السلطة, وايضا تبقى القوى الاخرى بجواره في الحكم او في المعارضة.. هذه المشكلة التي لا يمكن حلها وفق الاطروحات القديمة والراهنة التي طرحت من قبل هذه القوى. لنشرح هذه الامر:
حكومة تكنوقراط: تعني ببساط حكومة المتخصصين وكل وفق تخصخصه في الكابينة الوزارية. اذا ننظر الى هذه القضية من الزاوية الشكلية هي بسيطة جداً. هناك الالاف من التكنوقراطيين في الساحة العراقية. لكن المشكلة تكمن في من تختار هذه الوزارة او هذه الكابينة نرجع الى الصفر. حيث إن العملية السياسية الراهنة هي عملية محاصصاتية توافقية, بالتالي ان تعين وتحديد الوزراء يتم او تتم من قبل القوى السياسية المشاركة وفق الحصص الطائفية والقومية. والحال كهذا يختار التكنوقراطيين من قبل هذه القوى, وبدونه لم ولن يوافق على الكابينة الوزارية المقترحة من قبل رئيس الوزراء وكما راينا لحد الان. برأي هذه الاطروحات في هذه المرحلة كلها عقيمة. ان اطروحة الصدر, وهي اطروحة تمثل حالة من الحالات او الارهاصات القومية العابرة للطائفية لا تتوافق مع الحالة الراهنة لتوازن القوى البرجوازية في الساحة, على رغم وجود تيار واسع يؤيد هذا الخط سواء كان داخل التحالف الوطني او اتحاد القوى والتيار المدني ايضا.. المشكلة في العملية السياسية ذاتها, وفي ذات التيار الصدري كتيار اسلام سياسي وطائفي ايضا.
لكن محتوى حكومة تكنوقراط حتى اذا نفرض انها حكومة تكنوقراط فعلية. هذه الحكومة وهي ارقى من الناحية الشكلية عن الحكومة الحالية, ولكن لديها نفس المحتوى الطبقي البرجوازي. هي حكومة تعمل من اجل تسريع الخصخصة, وخصوصا في القطاعات الخدمية المهمة مثل الكهرباء والتعليم والصحة, وتنفيذ التمويل الذاتي بالكامل.. واجراء سياسة التقشف القاسية. بمعنى ان حكومة التكنوقراط لا تلبي مطالب الناس لا تلبي مطالب العمال والموطفين ولا تلبي مطالب الشباب والنساء.. انها حكومة برجوازية متخصصة لسحب المزيد من الربح وفرض المزيد من المتطلبات الذي يقتضيه هذا الربح, ومنها سياسة القمع وخصوصا قمع التظاهرات والمسيرات والتجمعات وقمع حرية الراي وحرية التنظيم. حكومة التكنوقراط ليس بامكانها ان توفر الخبز والحرية ليس بامكانها توفير العمل ولا توفير ضمان البطالة لكل العاطلين عن العمل, ولا توفير الخدمات مثل توفير الكهرباء الوطنية وبصورة مستمرة, ولا توفير الحريات المدنية والسياسية والاجتماعية وخصوصا توفير الحريات المدنية والفريدة والاجتماعية للشباب والمراة, ولاتوفير الامن والامان والاستقرار.. انها حكومة البرجوازية ذاتها مع فرق في الشكل. في كل احوال ان حكومة التكنوقراط التي تنتج عن العملية والمفاوضات الجارية هي حكومة المحاصصة التكنوقراطية. التكنوقراط بحد ذاته لا يمثل شيئا, ولكن يمثل مفهوما لتحميق الجماهير من قبل القوى البرجوازية الحاكمة وغيرها.
حكومة الانقاذ الوطني: هذه الحكومة ايضا تشرب مياهها في المصدر ذاته. بمعنى تشكل حكومة الانقاذ من من؟! حكومة الانقاذ تشكل من قيادة هذه القوى وفق برنامج مختلف برنامج لانقاذ "الوطن" من من؟! مشكلة "الوطن" هي هذه القوى التي تحكم العراق "الوطن". "الوطن العراق" يتحرر حين تزال هذه القوى من الحكم, حين تزال هذه القوى وعمليتها السياسية وتقالديها ودستورها وقوانينها من الحكم. لكن حكومة الانقاذ تفسر شئ اخر ايضا وهو فشل التحالف الوطني في الحكم. عليه ان القوى الموجودة داخل التحالف وهي الاكثرية لا تميل الى هذه الاطروحة. بالاخير ان هذه الحكومة حتى لو نفترض ان يتم وان تحكم العراق. ليس بامكانها ان تلبي مطالب المواطنيين من توفير الخدمات والاجور المناسبة الى الحريات المدنية والسياسية والفردية ولا توفير الامن والامان.. انها حكومة من القماش ذاتها.
المشكلة في القوى البرجوازية الحالية سواء كان على صعيد العراق او العالم ليس لديها اطروحات نشم منها ذرة من النفس الانساني, ليس لديها اطروحات نحصل منها على المعيشة المناسبة وليس الجيدة او الممتازة, ليس لديها اطروحات تمثل حالة راقية لاكثرية الجماهير.. هذه هي المشكلة مع القوى البرجوازية في العراق ايضا. نرى منهم شكليا يطلب هذا الامر مثلا: نرى الحزب الشيوعي العراقي يطلب حكومة عابرة للطائفية ولكن يركض ويهرول وراء التيار الصدري, اعادة لنموذج التحالف مع البعث في نهاية الستينيات وبشكله المصغر في هذه المرحلة. ولكن حكومة عابرة للطائفية يعني حكومة المواطنة بغض النظر عن حالة كردستان لان الحزب الشيوعي يؤيد الفدرالية القومية ايضا. لكن دولة المواطنة في العراق تعني فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم. ليس بامكان بناء دولة المواطنة بدون هذا الفصل لان العراق اساسا منقسم طائفيا وعرقيا. فكيف بامكان بناء هذه الدولة بدون هذا الفصل. اي قوى تدعى دولة المواطنة في العراق, بدون ان ترفع هذا المطلب اي مطلب "فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم" كمطلب وشعار اساسي, اما انه يكذب بصورة سافرة ويهدف الى تحميق الجماهير, وان الامر ينتج عن عدم الادراك وهذه مصيبة اكبر.
على الجماهير والطبقة العاملة بالتحديد ان تدرك هذا الامر بشكل جيد, وهو ان البرجوازية العراقية ليس بامكانها ان تشكل دولة وحكومة عابرة للطائفية والقومية, البرجوازية العراقية هي التي اوجدت هذه التقسيمات, بفعلها ونضالها قسم العراق الى الطوائف والاقوام. قوى الاسلام السياسي والقومية العربية والكردية هي كلها قوى تفكيكة, تفكك وتقسم المجتمع على اساس القوميات والطوائف الدينية ولا توحدها, هذه هي ميزة هذه القوى.
هذه الاطروحات المختلفة لقوى مختلفة داخل صف التحالف الوطني, او من خارجه, تمثل صراعا سياسيا مكشوفا سواء كان بين الفرقاء داخل صف تحالف الاسلام السياسي الحاكم, او بينهم وبين القوى الاخرى من خارج التحالف. صراعا مكشوفا اوجدته التغيرات والمتجدات السياسية الكبيرة على الساحتين الدولية والاقليمة, خصوصا بعد الاتفاق النووي الايراني مع السداسية من الجانب والتدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا... حيث هذا التدخل اجبر الحكومة الامريكية في اعادة تدخلها في العراق وفتح قواعدها العسكرية فيه, يضاف الى ذلك اعادة الروح والتقاليد والثقافات والافكار التي تنادي بالاتحاد بدل التقسيم, الى الساحة السياسية والصراع السياسي. خصوصا بعد مقاومة الحكومة السورية للبقاء بوجه الهجمة الارهابية العالمية الشرسة, والسقوط المدوي للاخوان المسلمين في مصر, وصمود القومية العربية في الجزائر, وصمود حالة المواطنة في تونس.

 

مقالات