سمير عادل

في ذكرى سقوط بغداد

الفارق بين سقوط بغداد في 9 نيسان -2003وبين سقوط الموصل في 1حزيران 2014هو ان بغداد سقطت على يد قوات جاءت تحت أحد العناوين البارزة وهي نشر الديمقراطية، اما الموصل سقطت على يد الهمجيين الجدد للتبشير بدولة الخلافة الاسلامية. الا ان العامل المشترك في كلا السقوطين، هو تبوء الاسلام السياسي المشهد السياسي ليس على صعيد العراق بل على صعيد المنطقة والعالم.
ويمكن ان يستفز القارئ عنوان المقال، في حين يقرا عن سقوط مدينة اخرى وهي الموصل، وسر الترابط بينهما. فنقول لو لا سقوط بغداد على يد البرابرة الجدد في نيسان -2003-، واسمهم الحركي المحافظين الجدد وكما تسميهم الصحفية الكندية "نعوم كلاين" طلبة مدرسة شيكاغو في كتابها "عقيدة الصدمة"، لما سقطت مدينة الموصل بيد الهمجيين الجدد في حزيران2014
في ذكرى سقوط بغداد، والذي ٌطبّلَ وزٌمّرَ له، وصورت قوات الاحتلال الامريكية، أنها جاءت لتفجر براكين شمس الديمقراطية على العراق، نقول ان التاريخ لم يتأخر هذه المرة مئات السنين، كي يكشف عن بعد الجريمة الانسانية التي ارتكبت بحق جماهير العراق، حيث اكثر من 7- مليون عاطل، وما يقارب ثلاثة مليون من المهجرين والمشردين في اصقاع العراق والعالم، وارتفاع نسبة الامية بشكل مطرد، وانتشار اكثر الامراض منقرضة في العالم مثل الكوليرا وشلل الاطفال، وتحولت عشرات من المدن العراقية اما الى خراب تحت اقدام داعش او بيد قوات الجيش والحشد الشعبي، وتحولت حسرات العراقيين في صدورهم من غياب الكهرباء والخدمات الاجتماعية الى امراض الربو وضيق التنفس، وتصاعدت حالات الانتحار في صفوف الشباب بسبب فقدن الامل وغياب الافق، واخيرا وليس اخرا بعد افراغ خزان الدولة، مدت حكومة العبادي يدها بكل صفاقة ودون اي خجل الى جيوب العمال والموظفين والمتقاعدين، لإفراغ ما تبقى منها، من اجل التغطية على مافيات الفساد والكلاب المسعورة التي تنهش بجسد جماهير العراق منذ سقوط بغداد في 2003اكثر مما كان يفعله النظام البعثي الدموي.
في ذكرى سقوط بغداد، نستذكر بان جميع السياسات الامريكية والغربية في المنطقة، هي التي سلبت العراق والمنطقة وحتى العالم، عنصر الامن والامان. فالسياسة العنصرية التي يمتهنها الغرب بكل براعة اليوم ضد اللاجئين، اسقطت جميع قيم حقوق الانسان التي سوقوها وتبجحوا بها كثيرا في الشرق الاوسط. فلقد غضوا الطرف عن كل ما جرا من جرائم امريكا في العراق. وبعد ذلك محاولة الاقتداء بالنموذج العراقي، لإسقاط الحكومات التي لم تكن لها ان تستمر يوم لولا الدعم الغربي لها، مثل ما حدث في مصر وليبيا واليمن، للالتفاف على الثورتين المصرية والتونسية وهبوب نسيمها على المنطقة، ضد الفساد والفقر وقمع الحريات. والغرب نفسه هو الذي فتح ابواب بلدانه لهجرة المئات من الشباب للانخراط في القتال في سورية ضمن المجاميع الاسلامية الارهابية، لتلقين جماهير المنطقة درسا في الاذعان والخنوع وعدم التفكير او الحلم بالحرية والرفاه وعالم أفضل، ومن ثم الثورة بالتغيير من جهة، ولإعادة صياغة المعادلة السياسية في المنطقة من جهة اخرى.
اي بلغة اخرى، فأن الغرب المذعور اليوم من الارهاب والهجرة، لم يحرك ساكنا عن كل ما دار في العراق بعد سقوط بغداد، ولم يقل شيئا عن سقوط المئات من القتلى بشكل يومي في سورية، على يد الجماعات الاسلامية الممولة بالأسلحة والعتاد والمال السعودي القطري - التركي تحت المظلة الغربية. ان سياسة حقوق الانسان، سقطت، عندما بدا الارهاب والهجرة تزحف نحو ابوابها.
في ذكرى سقوط بغداد، نقول أن بزوغ فجر دولة الخلافة الاسلامية المعروف بداعش، هو نتاج سياسة احتلال العراق، وهي نفس السياسة التي استخدمت في المنطقة والعالم، لتفرغ صراصير وفئران وجرابيع الاسلام السياسي، وتهدد امن الابرياء في كل مكان من بلدان العالم.
في ذكرى سقوط بغداد، لٌتعًلًمْ التجربة اولئك الذين عولوا على الماكنة العسكرية والاعلامية للغرب، ان الغرب لم ولن يدعم العلمانية، ولا دولة المواطنة، ولا حقوق الانسان، ولا حتى "الديمقراطية" باسط معاييرها الليبرالية، لا في العراق ولا في دول المنطقة. فالتقسيم الاثني والطائفي والقومي هو السياسة الرئيسة للغرب بعد اسقاط بغداد، لإعادة ترسيم المنطقة وترتيب نفوذها على حساب امن وسلامة الجماهير.
وفي ذكرى سقوط بغداد، نقول للذين نفثوا في ابواق الاحتلال، وعولوا على قتلة- 2مليون طفل جراء الحصار الاقتصادي الوحشي على العراق، واتهمونا نحن في الحزب الشيوعي العمالي بأننا عملاء نظام صدام حسين، ومتطرفين، لأننا وقفنا ضد الحرب والاحتلال، منذ مؤتمر لندن في 2002وتنبئنا بخراب العراق ودمار جماهيره وسلب انسانيته، واحلال الترهات والسخافات والزبالات الطائفية والقومية محلها، نقول لهم: تعلموا من اوهامكم، ولا تستبدلوا حراب الاحتلال، بحراب رجال الدين مثلما عولتم على احتجاجات الصدر، فسبب خراب العراق اليوم هو الاسلام السياسي.
في ذكرى سقوط بغداد، نؤكد بأن ما يدور اليوم في العراق هو جراء تبوء الاسلام السياسي السلطة بدعم وقوة الاحتلال، وان كل اصلاحات العبادي وغيره، لن تنقل العراق الى بر الامان، وستظل دائرة الفقر تتسع أكثر وأكثر، ودائرة تحميق الجماهير بالخرافات الدينية تكبر، ودائرة قمع الحريات الشخصية تأخذ مديات أكبر، إذا ما لم نضع نصب أعيينا وهدفنا ونصال نضالنا ضد الاسلام السياسي واعادته الى الجحور التي قدم منها.

 

مقالات