فارس محمود

ازمة أخرى... -فقاعة- أخرى! (حول اعتصام -لاممثلوا الشعب-)

من ازمة لازمة، ومن "فقاعة" لاخرى، هذا هو حال ما يسمى بـ"العملية السياسية" في العراق. ولدت من الأساس في رحم التازم، ولانجاة لها من هذا التازم!
رغم كل الضجيج والهياج الاتي من "قبة البرلمان"، رغم التراشق بقناني المياه والمشاجرات، ليس ثمة امر غريب في الحركة الأخيرة التي جرت في البرلمان، حركة اعتصام اغلبية "ممثلي الشعب" واقالة سليم الجبوري والحديث عن اقالة الرئاسات الثلاثة!
لا ربط لهذه الحركات بما يسموه كذبا ورياءا بـ"اصلاح". والادهى من هذا ان تأتي كتلة "دولة اللاقانون" لتصف كل من لم يصوت على اقالة الجبوري ولم يشترك باعتصام نواب البرلمان بانه "مدافع عن الفساد والمحاصصة"!!! دولة القانون، دولة اللاقانون، دولة الفساد باقبح اشكاله، دولة الجريمة المنظمة والسرقة والنهب، دولة الطائفية والبشاعات الطائفية تتهم الاخرين بـ"الدفاع عن الفساد والمحاصصة"؟؟! يمكن ان يجد هذا الادعاء من يسمعه ان يقول هذا طرف اخر، ولكن ان تقوله دولة القانون، فهذا الابتذال والضحك على الذقون بعينه، الصلافة والوقاحة بعينها.
مضى كل طرف يفسر الأمور وفق مصالحه وصلاته و"معادلاته" وحساباته السياسية، فها هو اياد علاوي التائه منذ سنين، ولم يسمع له احد صوتاً من سنين، وارتضى لنفسه مكان "احد نواب الرئيس" يقف الان مع اقالة الرئاسات ولكن ينبغي ان لا يشمل هذا "رئاسة الجمهورية"!!! لان "رئيس الجمهورية" "ممثل ورمز للدولة" امام العالم و"حامي الدستور" والخ من ترهات عديمة اللون والطعم! أي قل مساومة للقوميين الكرد وتملقا لهم لا اكثر، ارتباطا بمصالحه وحساباته الضيقة! فهو اكثر من غيره يعرف ماهية هذا المنصب، ولماذا تسلمه الطالباني من قبل، وفؤاد معصوم اليوم. المسالة لا تتعدى المحاصصاتية التي يتشدق صاحبنا بان هذه الإجراءات هي بهدف "القضاء على الفساد والمحاصصاتية"!
ليس هدف الجماهير "انهاء المحاصصاتية"، ولا "حكومة انقاذ وطني"، ولا "حكومة تكنوقراط" ولا.. ولا ولا من ادعاءات كاذبة وفارغة وعديمة المحتوى. ان هدفهم هو "الخدمات"، "العمل او ضمان البطالة"، "الأمان الاقتصادي"، والحرية والمساواة اجمالاً!
ان بحر ازماتهم ليس له شاطيء ولا ساحل. انها سلطة بنيت بايدي الاحتلال على أساس التازم وإعادة انتاج الازمات. انها بنيت على أسس تقسيم المجتمع الى طوائف واعراق وقوميات و"الفسيفساء الجميل"، قل اقبح "فسيفساء"، فيسفاء التنكر لحق الانسان كانسان، كمواطن يعيش في القرن الحادي والعشرين، حقه في الرفاه والسعادة والحرية والمساواة والتنعم بخيرات هذا البلد.
وهل يريد هؤلاء السادة "ممثلوا الشعب" فعلاً انهاء المحاصصة؟ّ! ليس ثمة كذبة اكبر من "انهاء المحاصصة والفساد". لم ياتوا الى السلطة الا عبر لواء المحاصصة، لم ينهبوا خيرات وثروات هذه البلد، وبمئات المليارات، الا عبر المحاصصة، لم يبقي "تنورهم حامي" في المجتمع وأفكار المجتمع الا المحاصصة، لم يكن لهم سوق لاستغفال الناس وتصويت الناس لهم الا المحاصصة، انا اتي لاني ممثل الشيعة، وانت تاتي لانك ممثل السنة، واخر يأتي لانه ممثل الكرد والتركمان والخ. لم ياتوا عبر برنامجهم السياسي والاجتماعي، لم ياتوا عبر أي شيء له صلة بارساء مجتمع مرفه ومتعارف عليه في القرن 21. القومية والطائفة وفرت لحثالة حثالة المجتمع الفرصة ان ياتوا للسلطة ويقوموا بما قاموا به لحد الان. ان "انهاء المحاصصة" يعني انهاء عمرهم وعمر سلطتهم ونهبهم!
دع التشدق المرائي امام شاشات التلفاز بمناهضة "المحاصصة" جانباً، لن يبقوا هؤلاء يوميا في السلطة ان وضع المجتمع "المحاصصة" جانباً، ولن يدوم نهبهم يوما في وضع مثل ذاك. ان من يبقيهم في السلطة ونهبهم اللامحدود هي هذه الوضعية. ينهون الفساد؟ انها عملية ارسيت أركانها على أساس الفساد والنهب المنفلت العقال، قل "الفرهود"! انهم ليسوا من الحماقة بحيث يطلقون النار على اقدامهم!
ان هذه الازمات، وفورات الحمى الازماتية هذه، هي ليست وليد اليوم ولا الصدفة. انها باقية مادامت هذه القوى جاثمة على قلوب الجماهير وكل مايسمى بالعملية السياسية المخضبة بدماء الأبرياء والعزل. انها أزمات تصفية الحسابات. انها ازمات وافتعال أزمات تنتهي دوما بحل وقتي و"إعادة الأمور الى نصابها"! منذ نيسان 2003 ولحد الان لم يستطيع احد من هذه القوى البرجوازية المعادية للجماهير ان تحسم مصير السلطة. ولهذا، فان كل منهم في صراع ضاري يومي من اجل حسم مصير السلطة لصالحه، او دفع ميزان القوى لصالحه! عجزوا عن هذا! في وقت يشهد المجتمع غياب جبهة وصف راديكالي تحرري وثوري على صعيد اجتماعي واسع لتحطيم هذه العملية وكنسها من حياة المجتمع.
ان سلطتهم، سلطة الطبقة البرجوازية الحاكمة، وباختلاف تلاوينها ومشاربها، لهي في نفق مظلم. ليس امام هذه السلطة كوة ضوء، منقذ! انها عمليتهم. بيد ان بالوسع ان تكون هناك عملية أخرى خارج كل هذه الحلقة المتقيحة للطبقة الحاكمة. انها عملية تنظيم الجماهير لنفسها في الاحياء والمحلات، في المصانع والمعامل، في الجامعات ومراكز العمل وفي كل مكان اجتماعي، تضع على عاتقها مسؤولية سحب المسؤولية عن هذه القوى التي اثبتت للمرة المليون عدم احقيتها وانعدام الاهلية التام، تضع على عاتقها مسؤولية إدارة المجتمع وإرساء الرفاه والحرية والمساواة! ان هذا يأتي على ايدي الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والداعية للتحرر والمساواة..

 

مقالات

فارس محمود

23/11/2015