عادل احمد

حكومة تكنوقراط ام حكومة محاصصة؟

ان ما جري في البرلمان العراقي في الاونة الاخيرة بين كتل الأحزاب والتيارات الطائفية والقومية بصدد ازمة التغيير الوزاري، وتعمق الخلافات والتكتلات السياسية يوما بعد يوم يبرز انعدام الافاق الى حد عدم التوافق حتى على المسائل المشتركة بينهما، لهو دليل على فشل الارضية التي نشأت منها هذه الكتل السياسية وسلطتها. ان عدم تجانس وتوافق جميع الكتل القومية والطائفية بالرغم من عواملها الذاتية المتنوعة التي تشترك في عوامل خارجية واحدة واساسية وهي بناء سلطتهم بواسطة الدبابات والطائرات الامريكية.. ومن الطبيعي أن تتأثر جميعها بصعود وهبوط العسكرتارية الأمريكية في المنطقة والعالم.
ان الصراعات والتناقضات بصدد انشاء حكومة التكنوقراط لتيار العبادي والصدر هي ليس من اجل التخلص من المحاصصة كما يدعي أصحابها، وليس من اجل سد الطرق امام الفساد المالي والاداري، وكذلك ليس من اجل التخلص من التفرقة والتباعد بين مصالح هذه الفئات، بل هو في الجوهر انعكاس لتقسيم السلطة من جديد وفق اخر التطورات في توازن القوى في المنطقة. ان التغير الذي حصل في يوم البارحة يجب ان يتغيير اليوم ايضا، ان منطق القوة يتغير مع المعطيات والعوامل وتتغير مكانته وفق هذه التغيرات. هناك اشياء كثيرة تغيرت وهناك ظروف ومناسبات سياسية تغيرت بالفعل، فان هذه التغيرات قد تغير الاشياء والظروف في الماضي ايضا. ان مكانة قوة الدبابات والطائرات والسياسات الامريكية قد منيت بالفشل الذريع في افغانستان وسورية وليبيا والعراق. وفشل السياسات الامريكية امام بروز الدور الروسي والايراني في منطقة الشرق الاوسط، وبروز الدور الاقتصادي والسياسي للصين في شرق اسيا، وتضارب المصالح نسبيا بين امريكا واوروبا وامريكا اللاتينية. اي ان افول دور وهيمنة امريكا في العالم سيغير توازن جميع القوى المستند وجودها على امريكا. ويغير مكانة ترتيبها السياسي والاقتصادي ايضا.
وهناك شيئا اخر قد تغيرت ايضا وهو نمو الاعتراضات والاحتجاجات الجماهيرية في كل مكان في العراق من كردستان الى الوسط والجنوب، بوجه الفقر والجوع والفساد والاقتتال والتفرقة الطائفية والقومية وبوجه جميع القوى السياسية في كردستان والعراق بلا استثناء، تلك القوى التي لم تجلب غير عدم الاستقرار والفقر وانعدام الامان. ان توسيع الاحتجاجات الجماهيرية عمقت الهوة بين هذه الكتل وأدت الى تعميق الخلافات السياسية واتهام بعضهم البعض بالتقصير والقاء كل الخطايا على الاخر. ان 13 عاما من وصول جميع هذه القوى الى السلطة بواسطة امريكا، لم تجلب شيئا تفتخر به لنفسها غير ازدياد المعانات وآلام للجماهير المحرومة وتعمق التفرقة بين افراد المجتمع، وتحويل المجتمع الى مجتمع طائفي وقومي وتجريده من الانسانية.
ان ما يجري اليوم في البرلمان هو انعكاس لفشل التجربة لمجمل العملية السياسية من بدايتها والى الآن، وهي تمثل فشل الاحتلال الامريكي والسياسات الامريكية في المنطقة وفشلها الذريع في اقامة "النظام العالمي الجديد" على اعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق واوروبا الشرقية. وفشل امريكا بالاعتماد على منطق القوة لحسم الصراعات وتوازنات القوى لصالحها. فشل امريكا خلق كل هذه الارضية التي بنوا التيارات والاحزاب القومية والاسلامية سلطتهم عليها، فأن بفشل هذه الارضية تفشل امال كل العملية بالاضافة الى العامل الاهم وهي ازدياد الاحتجاجات الجماهيرية بوجه كل هذه السلطات.
ان مسالة حكومة التكنوقراط ما هي الا محاولة اخرى لخداع الجماهير لتأجيل سخطهم الاجتماعي من هذه التيارات. وهي محاولة لادامة سلطتهم الطائفية والقومية تحت تسمية التكنوقراط، والتي هي ليس شيئا جديدا غير تبديل مكان الوزراء من أعضاء هذه الأحزاب والتيارات بأخرين ذوو أختصاص ومن نفس الأحزاب والتيارات.. وتنصيبهم يجري حسب مستحقات كل حزب وتيار من هذه الكتل في العملية السياسية الفاشلة. مثلا تبديل الشهرستاني بفلان مهندس النفط او الخبير النفطي الفلاني لا يغير شيئا من مكانة تقسيم الايداعات النفطية بين الكتل والتيارات، ولا يغير شيئا نحو تحسين حياة ومعيشة عمال النفط والطبقة العاملة والمحرومة. ولا يغير شيئا نحو أزالة التقسيم الطائفي والقومي للمجتمع والذي يردون به بناء الدولة العراقية الحديثة. لهذا فالوزراء أن كانو من المحاصصة الطائفية والقومية او من تكنوقراط التقسيم الطائفي والقومي، لا صلة لهم مع مصالح الجماهير العمالية والكادحة، بل أنها تخص توزيع السلطة من جديد بين كتل وأحزاب العملية السياسية. ان مكانة الكتل تغيرت مع توازنات القوى في المنطقة فلا يرضون بالتقسيم السابق. ان الكتل التي تعلق امالها مع امريكا بدأت تفقد مكانتها ودورها فلا تستحق الاخذ بنصيب الاسد، بينما الكتل التي تعلقت امالها بروسيا وايران فأزداد دورها ومكانتها ومن حقها اخذ نصيب اكبر وهذا صحيح بالنسبة للاحزاب في كردستان ايضا.
هناك بديهية في العلوم الفيزيائية وهي أن التغيير في الأشياء لايحصل من تلقاء نفسه وأنما نتيجة عوامل ذاتية وخارجية تؤثر لحدوث التغييرات الحاصلة.. وهذا صحيح بالنسبة لعلوم الاجتماع ايضا. فأن كل التغيرات التي تحصل في البرلمان العراقي اليوم تأتي نتيجة تأثير العوامل التي ذكرناها سابقا. واذا اردنا ان ننظر الى المجتمع وصراعاته الطبقية فيمكن ان نراه في عيون البرجوازية والطبقات الحاكمة واعمالها وتصرفاتها وسياساتها ونستنتج العوامل الحقيقية لسلوكها وتحركاتها. وان جميع التناقضات الواردة في سلطة الاحزاب والتيارات العراقية الحاكمة هو انعكاس لتناقض مصالح هذه الاحزاب مع مصالح القوة المنتجة الاصلية للمجتمع وهي الطبقة العاملة. مهما تشوهت هذه التناقضات فلا يغير من محتوى الصراع الاصلي بين الفقراء والاغنياء في المجتمع.

 

 

مقالات