سمير عادل

رائحة نتنة تفوح من اعتصام مجلس النواب

مجلس النواب، الذي لا ينوب الا عن الاحزاب والقوى القومية والطائفية، الاطراف التي سيطرت على مقدرات المجتمع وثرواته الطبيعية، وشرع لأكبر لصوص وفاسدين عرفهم التاريخ لتمثيل الحكومة في العراق منذ انتخابات 2005 ولحد الان، يدخل اعضائه في اعتصام مفتوح كجزء من لعبة، لا تنطلي الا على الذين قرروا ان يكوا حمقى في حياتهم السياسية.
ان من اسس لكل الترهات والخرافات الطائفية والقومية وكل مزابل التاريخ هو مجلس النواب العراقي. ان كل عضو في مجلس النواب يستلم ما لا يقل عن 40 مليون دينار عراقي شهريا، وشرع لعلاوات وزيادات في معاشاته ورواتبه، ولم يجلب قرار واحد في يمس امتيازاته تضامنا مع العمال والموظفين والمتقاعدين الذين استقطعوا من رواتبهم، اسوة على سبيل المثال ما فعله البرلمان النيوزلندي بعد ازمة عام 2008 حيث قرر عدم استلام اعضائه الرواتب، لمدة ستة اشهر تضامنا مع الازمة التي ضربت البلاد. بينما نجد اعضاء مجلس النواب غير الموقرين، لم يحركوا ساكنا تجاه ما يدور من ازمة اقتصادية عاصفة تقصم ظهر الاغلبية المطلقة من جماهير العراق.
لنعود الى اعتصام مجلس النواب، الذي هو محاولة من قبل دولة القانون التي يقودها حزب الدعوة بزعامة نوري المالكي، لخلط الاوراق، وتحريف انظار المجتمع عما يدور في كواليس الرئاسات الثلاثة، وهو مسالة الصراع على السلطة السياسية. وقالها المالكي بالفم المليان في يوم ٩-;- نيسان في محافظة بابل في مؤتمر عشائري في ذكرى قتل الصدر الاول، بأن الاصلاح هو مؤامرة على المشروع الاسلامي. والاصلاح المقصود منه ليس انهاء نظام المحافظة والفساد، بل الاصلاح الذي يريده جناح العبادي ومن ورائه الادارة الامريكية، وهو تقليل نفوذ الحشد الشعبي ومشروع الجمهورية الاسلامية الايرانية الذي يقوده المالكي.
وإذا ما تمعنا في قصة اعتصام اعضاء مجلس النواب، فلا يحتاج المرء الكثير من الحصافة، كي يكتشف بكل سهولة اللعبة المفضوحة التي لعبتها دولة القانون. فالمسالة انحصرت في التصويت على الكابينة او التشكيلة الوزارية التي قدمها العبادي، لكن سرعان ما تحول الى اعتصام، واقالة رئيس مجلس النواب، والصراع عن اختيار شخص من الاربعة لرئاسة المجلس وهم احمد الجبوري وقتيبة الجبوري ومشعان الجبوري وعدنان الجنابي. ونجد ان الجبوريين الاخيريين، وهما قتيبة الذي كان احد فدائيي صدام، واشتهر بقطع آذان العديد من الهاربين من الخدمة العسكرية في محافظة صلاح الدين. اما الجبوري الاخر، فهو مشعان، فأسس شركة امنية في بداية الاحتلال، واستلم رواتب المئات من الفضائيين او الوهميين عن طريق شركته وسرعان ما كشف امره وحلت شركته، وبعد ذلك اسس قناة الزوراء الفضائية، ليعرض لنا جرائم القاعدة والمنظمات الارهابية الاخرى المؤتلفة معها تحت عنوان مقاومة الاحتلال. ودولة القانون تريد واحد من الجبوريين ان يحل محل الجبوري سليم، بينما التيار الصدري وأئتلاف علاوي يريدان الجنابي ان يكون رئيس مجلس النواب. فاذا كان المعتصمون يريدون تنصيب أحد المجرمين واللصوص في رئاسة مجلس النواب، فما بال ان يكون فحوى هذا الاعتصام.
بيد ان المشهد السياسي للصراع على السلطة لا تنته عند هذا الحد، فمقتدى الصدر، تحول من خطاب "شلع قلع" الى دعوة الرئاسات الثلاثة في عقد اجتماعاتها وتشكيل حكومة جديدة خلال 45 يوم. وجاء هذا التحول في موقف الصدر المعروف عنه بتغيير مواقفه بسرعة كبيرة، بعد جرة اذن من حسن نصراللـه الامين العام لحزب اللـه اللبناني، وهو الوكيل الفعلي والحصري للجمهورية الاسلامية الايرانية في المنطقة، اثناء لقاء جمع الاثنان، وتحذيره، بأن احتجاجاته اي الصدر وصراعه على السلطة يهدد مصالح "الشيعة" في العراق.
ما يدور اليوم في مجلس النواب، هو نتيجة طبيعية، للعملية السياسية التي ولدت مأزومة، عندما ارست على اسس المحاصصة الطائفية والقومية. وما نشهده اليوم ايضا هو نتاج للتراكمات التي حدثت خلال السنوات الفائتة منذ تدمير الدولة بالماكنة العسكرية للاحتلال، وتمزيق هويتها. ان أصل المسالة هو الصراع على حسم السلطة السياسية في العراق، وبناء دولة ذات هوية سياسية. وخلال كل تلك لسنوات، كما قلنا في مناسبات عديدة بأن الازمة السياسية، كانت ملازمة للعملية السياسية ولكنها، كانت تدار بكل حذر.
ان العملية السياسية، هي عملية فاسدة، ولا ينفعها اي اصلاح. وان من يعول على اصلاح العملية السياسية على شخوص، كانوا يوما ما احد اعمدتها الفاسدة، فالأفضل له ان يختار مقعد في نادي او جمعية المحاربين القدماء. ان البديل لهذه العملية، هو ردمها، وتأسيس السلطة الثورية المباشرة للجماهير. وعلى الجماهير من العمال والموظفين والشباب والنساء، التعلم، الثقة بالنفس والاعداد لتشكيل سلطتها المباشرة، وهي الطريق نحو الامن والرفاه والحرية.. واقامة دولة ومجتمع يعرف الانسان على اساس الهوية الانسانية وبعيدة عن كل الترهات الطائفية والقومية. وبغير ذلك سنشهد المزيد من المسرحيات والمهازل والاستعراضات، ومحاولات لإعادة انتاج الاوهام كي تستمر هذه القوى في السلطة السياسية.

 

مقالات