نادية محمود

دولة شيزوفيرنيا!

تبدو ان الحكومة في العراق تعيش حالة "شيزوفيرنيا"! احزاب وبرلمان وحكومة يسرقون ويتحدثون ضد الفساد، ينهبون ويتحدثون عن النزاهة، يعارضون المحاصصة ويتمترسون خلف احزابهم الطائفية والقومية. يتحدثون عن الاصلاح، ويقومون بعملية تدمير شامل للمجتمع! يوقعون مواثيق شرف، ثم يتراجعو عنها قبل ان يجف حبرها. لديهم انتخابات وبرلمان، ويهددون باقالة الوزراء بسفك الدماء! يقدمون استقالاتهم مقدما لرئيس الوزراء، ويرفضون الاذعان له حين يقيلهم! يتحدث الصدرعن دولة مدنية في التظاهرات، ثم يعلن في صلاة الجمعة في نفس الساحة! يعد "قيادي" من حزب الدعوة بتأسيس حكومة تكنوقراط، يجيبه "قيادي" اخر من الحزب نفسه "هذه مؤامرة على الاسلام"! "برلمان" من المفروض ان "يمثل" الشعب، الا انهم يقوموا بتمثيل انفسهم بالـ"اعتصام" امام زملائهم البرلمانيين الاخرين! انهم يستلمون رواتبهم كـ"حكومة" ولكنهم يتحدثون كـ"معارضة"! انهم الشيء ونقيضه في ان واحد. وكأن الواحد فيهم، على قول مظفر النواب، يحمل في الداخل ضده.
الا ان هذه "الشيزوفرينا" لا تنطلي على احد، هم احرار في تصديقها، كما نحن احرار في اماطة اللثام عنها. ان تقلب وتناقض المواقف، وتبديل المواقع احيانا بين ليلة وضحاها، تغيير التصريحات، وتغيير التحالفات، وعقد الاتفاقيات والمساومات، وترتيب الصفقات يعكس ويعبر عن محاولات دؤوبة وجادة تعمل ليل نهار من قبل كل الاطراف المشاركة فيما يسمى بـ" العملية السياسية"، من اجل ان يضمن كل منهم مكانا له في ظل التلاطمات الجديدة التي يعيشها المجتمع، والتي ظهرت التظاهرات معبرة عن احتجاجها ضدها! كل يصارع ويفاوض من اجل "حصته"! وكل من اجل تأمين مصادر دخلة ووجوده. فالتواجد في الحكومة هو احسن رأسمال، وهو احسن استثمار! فلم التفريط به؟ وان اقتضت هذه المصالح، التقلب ليس كل يوم بل كل ساعة، فليكن! اما الحديث عن "الاصلاح" وحكومة "تكنوقراط" ما هو الا ذر الرماد في العيون، وطريقة لتدويخ الناس.
ان توفير الخدمات وايجاد فرص العمل لا يشكل شغلا شاغلا للحكومة. ان مشغلة ومشكلة الحكومة و"مكوناتها" في مكان اخر تماما. انها المحاصصة. والا، هل يشكل توفير الكهرباء، احد المطالب الرئيسية التي خرج المتظاهرون من اجلها، على سبيل المثال، قضية صعبة وشائكة؟ لم تعجز الحكومات في العراق قبل نصف قرن عن مد شبكات الكهرباء! لماذا تعجز الان؟ ان القضية هي ان توفير الكهرباء ليست على اجندة الحكومة العراقية الحكومة.
واذا كانت قضية الكهرباء والخدمات، هذه المسالة الخدمية الروتينية العادية في اكثر بلدان العالم، ليست على اجندة الحكومة العراقية، هل يمكن ان يتخيل المرء فعلا ان تضع هذه الحكومة على اجندتها موضوعة: القضاء على نظام المحاصصة؟ وتأسيس حكومة تكنوقراط، بل وتأسيس دولة مدنية!
ان تأسيس دولة ما بعد حرب امريكا على العراق كان قائما على مبدأ دولة تمثل "الشيعة في الجنوب" و" الكرد في الشمال" باعتبار نظام صدام حسين اضطهد تلك القومية وتلك الطائفة. الوتر الذي عزف عليه الغرب ومنذ حرب الخليج الثانية. انها هوية دولة العراق بعد 2003. فكيف يمكن ان تغير الدولة من هويتها وبارادتها، وبايديها! هل يمكن ان يقلب حزب او فرد نعمته بيده! لا اعرف لماذا، ولاية اسباب يمكن ان يغيروا منهجهم واستراتيجيتهم! لا يوجد انسان عاقل يقوم بهذا. انهم مستعدون لسفك الدماء من اجل المحاصصة. انه اشبه بان تتوقع من نظام صدام حسين ان يكون نظاما يقر بالحريات السياسية. ان اطلاق الحريات السياسية في نظام صدام حسين يعني انهاء جوهر نظامه كنظام ديكتاتوري استبدادي. لذا ان تطلب او تتوقع من الحكومة الحالية ان تكون حكومة غير محاصصاتية، يعني القضاء على جوهر وفلسفة وتبرير تأسيس دولة ما بعد2003.
لا يمكن ان تحسن هذه الدولة من امر نفسها بنفسها، ان تعقلن نفسها بنفسها، ان تتحول من سياسة "المحاصصة" الى " اللامحاصصة"! قد تعطي الحكومة بعض التنازلات تحت ضغط الاعتراضات الجماهيرية، ولكنها لا تستطيع الا ان تكون في اخر المطاف الا نفسها، حكومة يبحث كل حزب فيها عن اكثر ما يمكن باسرع ما يمكن، وباي طريقة ممكنة. والتجربة الاخيرة قد اثبتت لنا، بقدرة هذه الحكومة على التلون كل يوم بالف لون، بالكذب والتسويف والخداع والوعود الكاذبة، والتصريحات المتناقضة، ولا يشكل لها اي قلق ان تتحدث تلك الحكومة كل يوم بلغة وكأنها مصابة بحالة شيزوفيرينيا!
لقد تمتعت هذه الاحزاب وشخوصها وعلى لسانهم وبكلماتهم هم انفسهم بـ"مالا يستحقوه" من مليارات الدولارات. فلماذا لا تفعل كل الموبقات من اجل ادامة سلطتها؟ انها تقوم بكل ما اوتي لها القيام به، الا ان تتغير وتنقلب على مصالحها. هذا هو الثابت. اما الباقي فكله متغير.
لا يمكن ان تغير الحكومة طبيعتها المحاصصاتية ان لم تضمن لها التوليفة الجديدة (اللامحاصصاتية) حماية مصالحها. هم يدافعو عن مصالحهم. وان اردنا الحديث عن مطالبنا بالكهرباء والخدمات وفرص العمل والامان، فليس امامنا، واستعير هنا الجملة الرائجة هذه الايام، غير العمل على ازاحتهم شلع قلع!

 

مقالات