سمير عادل

الصدر يورط مؤيديه في قلب الفوضى

اعتكاف مقتدى الصدر واعتزاله عن العمل السياسي لمدة شهرين، يوضح بشكل ليس فيه اي شك، بأنه لم يكن ينوي دفع المتظاهرين الى اختراق المنطقة الخضراء، وانه يتحكم بجهاز السيطرة "ريموت كونترول" على الجماهير ويمتلك زمام المبادرة. الا انه نسى شيئا واحد ان الحرمان والجوع والفقر منذ احتلال العراق، وتشكيل اربعة حكومات فاسدة اضافة الى مجلس الحكم والحكومة المؤقتة، أنتج الم وغصة كبيرة في صدور جموع الملايين من جماهير العراق، بما فيهم المتظاهرين الذين يؤيدون الصدر، وقد طفح بهم الكيل، وليس هناك من اية قوة تسيطر عليهم عندما يجدون اية فرصة للانتقام من سنوات الحط من قيمتهم الانسانية. وهذا ما كان يخشاه التحالف الشيعي ويحسب له ألف حساب، بأن دعوة التظاهر امام المنطقة الخضراء هي خطيرة، وستسبب فوضى وتضرب هيبة الحكومة بعرض الحائط وبغض النظر عما ستؤول اليها الاوضاع.
ليس هي المرة الاولى، يزعل فيه الصدر، او يأخذ على خاطره مثلما يقولون في المثل العراقي، او كما يسميه هو اعتزاله للعمل السياسي لمدة شهرين احتجاجا على المحاصصة والفساد. فقبل ذلك زعل على المالكي ايضا الذي وصفه بانه لا يفهم في السياسة ولا بأي شيء، ليعود بعد ذلك اي الصدر بخفي حنين. لكن هذه المره زعل الصدر له معنى سياسي اخر. ان الصدر ورط مريديه ومؤيديه في التظاهرة التي دعى لها. واراد من مؤيديه ان يكون وقوده في لعبته "جر الحبل" بينه وبين اخوته الاعداء في التحالف الشيعي. لقد اراد الصدر ان يسوق جماهيره والمجتمع برمته ويدفع بهما الى حرب الصراع على السلطة. وما ان فلتت الامور التي لم يتوقعها الصدر من يديه، أعلن اعتزاله لمدة شهرين الذي لا يوصف بأقل من مهزلة. ولا يعني اعتزاله غير التملص من المسؤولية والمحاسبة من قبل حلفائه المحليين في التحالف الاسلامي الشيعي وكذلك حلفائه الاقليميين. ان اعتزاله هو رسالة هروب من وعوده التي تورط بها، التي انطلت حتى على الذين يدعون أنفسهم بالنخبة الديمقراطية او الليبرالية او كما يسمون انفسهم بالتيار المدني. اي بشكل اخر نقولها ان اعتزاله هو براءة ذمة من المتظاهرين الذين اقتحموا المنطقة الخضراء.
لقد قلنا منذ بداية دخول الصدر على خط مطالب الجماهير، ان حركته هي حركة رجعية ولا تمت بأية صلة بمصالح الجماهير، ليست لها اية صلة باجتثاث سياسة التقشف التي اعلنتها حكومة العبادي ضد العمال والموظفين، وليس لها اية علاقة باجتثاث الفساد، ولا علاقة باجتثاث المحاصصة وغيرها. ان وجود الصدر نفسه في العملية السياسية هو بفضل المحاصصة. ان الصدر وتياره السياسي لا يمكنهم التنفس خارج عباءة تحالف الاسلام السياسي الشيعي، او في أفضل الاحوال خارج عباءة الاسلام السياسي الشيعي. ان فلسفة وجوده وعقيدته وبرنامجه السياسي لا ينفصم قيد شعرة عن وجود وعقيدة وبرنامج الاسلام السياسي الشيعي الحاكم. ان كل عمله خلال الفترة الفائته، هو الحيلولة بالحد من تهميشه السياسي، واعادة انتاج تياره من جديد، بعد صعود نجم الحشد الشعبي الذي هو ذراع عسكري محلي واقليمي، اوجد بعد سيطرة داعش على ثلث مساحة العراق، ويراد منها بعد طرد داعش، في اعادة هيكلة السلطة السياسية في العراق والقضاء على التشرذم السياسي في صفوف الطبقة الحاكمة. وما نراه هذه الايام في مدينة طوز خورماتو من مجازر دموية بين الحشد والبشمركة، او التصفيات الجسدية في ديالى، او اقحام الحشد في معركة الموصل، كلها دلالات واضحة على المهام الملقاة على عاتق الحشد الشعبي والمراد تنفيذها. وهذا ما أرعب ويرعب مقتدى الصدر وتياره، وما أكدناه في اكثر من مناسبة. ومن يتذكر مسيرة الصدر السياسية، بدء من تورطه في قتل مجيد الخوئي في الايام الاولى من الاحتلال، ليحسم الصراع السياسي في قلعة الاسلام السياسي الشيعي في النجف لصالحه، ومرورا بتأسيس جيش المهدي الذي استخدم المدنيين في مناطق سكنهم ومعيشتهم كدروع بشرية تحت عنوان "مقاومة القوات الامريكية"، ووصولا الى الحرب الطائفية التي كانت عصابات الصدر احد اطرافها، لتنتهي بصولة الفرسان وبشائر الخير، وانتهاء الى ما وصلنا اليه اليوم من دعوته للتظاهرات والاعتصامات واقتحام المنطقة الخضراء، هي محاولة حثيثة من قبل الصدر في قيادة تحالف الاسلام السياسي الشيعي، والحصول على اكبر قدر ممكن من النفوذ والامتيازات.
ان الصدر يدرك أفضل من غيره، بأن افق حركته لا تتجاوز تحسين مكاسبه السياسية. ان التلويح في اقتحام المنطقة الخضراء منذ خطابه "شلع قلع"، لم يكن أكثر من تهديد، ولذلك سرعان ما تراجع امام المنطقة الخضراء بعد تحذير مباشر وغير مباشر من قبل حزب الله، وخاصة اثناء زيارته الاخيرة الى لبنان. واستبدل اعتصام الجماهير امام المنطقة الخضراء باعتصام كتلته في البرلمان، الا ان كتلة المالكي المتمثلة بدولة القانون، وجه ضربة استباقية، واختطف المبادرة، واصبحت هي تقود الاعتصام والتي نجحت من تفريغ حركة معتصمي الصدر من زخمها ومحتواها.
ان حركة الصدر منذ البداية خلطت الاوراق، وتداعياتها وهي خلق المزيد من الفوضى في الوضع السياسي والعمل على تدهور الاوضاع الامنية، وعلى الجماهير ان تفصل نفسها وتبتعد عن هذه الحركة الرجعية حد النخاع.

 

مقالات