نادية محمود

-برلمان- لومبين وشقاوات!

ان احتلال المصانع والجامعات للضغط على الحكومات للاستجابة الى مطاليب المحتلين ليس بأمر جديد، منذ اوائل القرن الماضي الى القرن الحالي. ففي 1920 احتل العمال المصانع في ايطاليا للضغط على الحكومات لاجبارها على ارغام اصحاب المعامل للاستجابة الى مطالبهم. وفي 2009 قام طلاب جامعة كاليفورنيا باحتلال جامعتهم احتجاجا على تقليص الاساتذة وتقليص الميزانيات، في 2011 قامت حركة واسعة في الولايات المتحدة لاحتلال وول ستريت من اجل العدالة الاقتصادية والاجتماعية.
حركات الاحتلال يقوم بها اناس يتحركون من قواعد المجتمع، من العمال والشباب والطلبة وهي منظمة من الاسفل، من اجل اهداف ومطالب محددة، مستلة من صلب صراعهم اليومي والحياتي، وكرد فعل على الهجمات التي يتعرضون لها من حكوماتهم ومن الطبقات الرأسمالية في مصانعهم. اي ان حركات الاحتلال تنظم لاجل خدمة مصالح الجماهير ومطاليبها الاقتصادية والاجتماعية قصرا.
الا ان قيام حزب برجوازي، مثل التيار الصدري، حزب "برلماني"، يحتل مقاعد عديدة في البرلمان، ومواقعا رئاسيا، ولديه وزارات في الدولة، ويتمتع بامكانيات مالية هائلة، ولديه علاقات دولية يرفل بعزها وبكرمها، ولديه ميلشيات مقسمة حسب الاعمار من صغار الى كبار السن مرورا بالشباب، وتفاخره بـ"جماهيرية" تهب وبالالاف وعند اول صافرة انذار تنطلق منه لتلبية نداءه، قيام هكذا حزب بحركة "احتلال" و"للبرلمان"، انما يعكس امرين رئيسين: اولهما: مدى استهتار هذا الحزب، والاحزاب التي على شاكلته، بهذه الهيئة التي اسسوها بانفسهم، وشكلوا اعضائها بانفسهم، التي اسمها "البرلمان"، وثانيهما، مدى بشاعة هذه الاحزاب في زج الفقراء الذين جاءوا من اجل حفنة من الدنانير لـ"بيع" ولائهم السياسي وتقديمهم لـ"خدمات"، خدمة لمصالحها!
من جهة، اظهرت حركة التيار الصدري، بانفسهم، وبحركتهم "الاحتلالية" تلك وانه قابل للهجوم عليه، وتحطيمه في اية لحظة من قبلهم هم ذاتهم، قبل غيرهم، بان هذا البرلمان لاقيمة ولااهمية له. لقد اعلن التيار الصدري والاحزاب التي على شاكلته، في الحقيقة، بان البرلمان اصبح عن حق وجدارة كما يقول المصريون "دقة قديمة"، فاذا كان هنالك "جماهير" معبئة وحاضرة في اية لحظة للزحف على بطونها -كما رأينا على شاشات التلفزة- للاستجابة لصافرة الاحزاب البرجواية، والمسنودة بالميلشيات، لتلبية نداء الحزب الميلشياوي، فما قيمة البرلمان اذن؟ هذا ناهيك عن ان هذه الحركة، قد بينت مدى تهافت البرلمان، هذه الهيئة السياسية لجمع الاحزاب البرجوازية، وسخفه بقيام اعضائه بالتشاجر والتشابك بالايدي والضرب، والضرب بالقناني محولين، هم بانفسهم، وقبل اي واحد غيرهم، هذه المؤسسة والنظام "البرلماني" الى مهزلة حقيقية.
أن حركة "الاحتلال" التي قام بها الصدريون للبرلمان ضربت شرعية مؤسساتهم هم، وضربها من قبلهم هم، وليس من قبل اي جهة اخرى غيرهم! انها تعني نهاية اسطورة هذه المؤسسة كهيئة "لصنع القرارات" عبر المناقشة والتصويت بوجود غلبية واقلية، وهو ما يتوقعه المرء وجوده في اية هيئة كانت. ان اعلان التيار بان اما ان تقبلوا بما نريد، او نقلب على رؤوسكم البيت الذين تجلسون تحت سقفه يعني توجيه رسالة واضحة عن مدى تهافت وسخرية هذه المؤسسة. فهل بقي هنالك من يعلق امالا على البرلمان والانتخابات البرلمانية، في ظل وجود تنمر وبلطجية الاحزاب البرجوازية الحاكمة.
ومن جهة اخرى، ان سياسة سوق الفقراء وتحت طائلة فقرهم، لتأييد وتنفيذ ارادة تلك الاحزاب التي تنهبهم كل يوم وكل ساعة، يوضح مدى استفادة هذه الاحزاب من ابقاء الفقراء فقراءا! ان التيار الصدري، كأحد الاحزاب البرجوازية، يضع ايديه على مداخيل النفط، ويوزعها للموالين منهم لها، لديه مصلحة هائلة بابقاء الفقر! فلولا الفقر والبطالة لما تمكن حزب مثل التيار الصدري من سوق وزج الفقراء بحركات "تأييد" له وتنفيذ لارادته. انهم بوضع ايديهم على الثروات من جهة، وتحكمهم بها، ووجود ملايين من الشباب العاطلين عن العمل، تمكنوا من تحويل هؤلاء الشباب الى "زبائنا" لهم، ينفذون "خدمات" سياسية مقابل "اجور"!
ان هذه السياسة الزبائنية التي يتبعها التيار الصدري، كبقية الاحزاب الاسلامية البرجوازية، تدلل على مدى كذب ادعاءاتهم بـ"الاصلاح" وحل ومعالجة قضية الفقر او القضاء على البطالة، كأحد المطالب التي خرج المتظاهرون منذ اكثر من تسع شهور للمطالبة بها. انهم المستفيدون المباشرون من الفقر، ولديهم مصلحة هائلة بابقاء الفقراء على حالهم.
ان شراء ولاء الفقراء وتحويلهم لخدمة الاحزاب البرجوازية الحاكمة اصبحت سياسة مجربة، وناجحة بالنسبة لهم. ففي نفس تلك الساعات التي كان يجري بها احتلال البرلمان العراق من قبل "جمهور" التيار الصدري، قامت الحكومة المصرية بزج العشرات من الفقراء بمحاصرة نقابة الصحافيين في مصر، والذين لم يترددوا من رفع اصبعهم الوسطى وتوجيه الشتائم الى الصحفيين وللتلويح بالجنيهات المصرية التي استلموها!
لا البرلمان هو هيئة لتمثيل الارادة السياسية للناس، ولا احزابا برجوازية مثل التيار الصدري لديه مصلحة بالقضاء على الفقر. فلماذا علينا تصويب انظارنا اليه ومطالبته بصنع سياسات واتخاذ قرارات تجيب على تلك المطالب المرفوعة من شهور بل من سنين! ان ايجاد نظام تمثيلي اخر بات امر ضروري، واما ارادة البرجوازية على ايجاد حل لمشكلة الفقر والبطالة، فهذا وهم، طالما ان مصالحها لا تقتضي ايجاد حلول!
ان فرض تمثيل سياسي حر وحل مشكلة الفقر ليستا معضلة الاحزاب البرجوازية. أنها معضلتنا نحن، موضوعنا نحن، القوى الشيوعية والطبقة العاملة، وعلينا يقع ايجاد الحل!

مقالات