سمير عادل

منطق اللامنطق في برلمان حميد الكفائي

نشرت صحيفة "المدى" الصادرة من بغداد، مقال للكاتب حميد الكفائي بعنوان "البرلمان قوة شعبنا" بتاريخ 10 ايار، وقد تناول المقال العديد من الافكار والمسائل فيما يخص البرلمان العراقي بشكل انشائي كمادة للتسويق الاعلامي. ولم يكتف الكاتب بذلك، بل راح متهما من من ينتقد البرلمان العراقي، فهو من الجهات الاجنبية والمغرضون والواهمون ويسعون لتدمير الشعب العراقي...الخ من تلك التهم.
شخصيا لست معنيا بما يقوله الكفائي، ولا اكترث لأي اتهام من اتهاماته، ولكن ما استوقفني شيئين في مقاله، الاول هو نشر الاوهام حول البرلمان وقدسيته كمؤسسة كما يصفها، والشيء الثاني منطقه وتهجمه على من ينتقد البرلمان في الوقت الذي يعد اي الكفائي البرلمان رمز للديمقراطية او ركن من اركان النظام الديمقراطي على حد تعبيره.
ان البرلمان ليس هو الشكل الوحيد للسلطة كما يحاول مستميتا ان يبينه الكفائي، ولا هو قوة اي شعب. ولم يكن في اي يوم من الايام تمثل مصالح الشعب بكل اطيافه على مدى التاريخ. ان مقولة "الشعب" هي مقولة خادعة. فالشعب يضم طبقات اجتماعية، عمال وبرجوازية، وبرجوازية متوسطة وجموع الكادحين..الخ. والبرلمان على طول تاريخه لم يشرع اي قانون في صالح الطبقات المحرومة في اية بقعة من العالم، الا اذا كانت هناك حركة احتجاجية وقوى اجتماعية ضاغطة في الشارع تهز السلطة البرجوازية، لذلك يحاول البرلمان ان يخفف من حدة تلك الحركة واحتوائها كي لا تفلت الامور. والبرلمان الذي يدعي انه يمثل الشعب، مجافي للحقيقة تماما، فالتجربة الاخيرة على سبيل المثال لا الحصر، لما حدث في اليونان، حيث خرجوا الملايين من العمال والموظفين والطلبة ضد قرار التقشف وانتخبوا برلمان ضد سياسة التقشف، ولكن الحزب الذي فاز بأغلبية مقاعد البرلمان والذي رفع شعار لا "للتقشف" ابرم اتفاقية مع الاتحاد الاوربي لتمرير سياسة التقشف. وفي الولايات المتحدة الامريكية كما في بريطانيا، خرج الملايين من الجماهير ضد الحرب على العراق عشية الاحتلال في 2003، لكن مجلس العموم البريطاني والكونغرس الامريكي صوت للحرب على العراق واحتلاله، ودون موافقة مجلس الامن. هل يستطيع ان يقول لنا الكفائي ان البرلمانيين المذكورين يمثلون الشعبين الامريكي والبريطاني! او هل الشعبين ارسلوا الماكنة العسكرية للحرب على العراق. ونفس البرلمان التركي هو الذي فوض حزب اردوغان في شن حربه البربرية ضد الناطقين باللغة الكردية، ونفس البرلمان رخص دخول القوات التركية الى الاراضي العراقية وقدم كل اشكال التمويل والدعم لعصابات داعش. واليوم وتحت قبة البرلمان التركي، هناك محاولة لرفع الحصانة عن كل معارضي سياسة حزب العدالة والتنمية. او هل هذا البرلمان هو صوت الجماهير التي خرجت لتقول لا لحرب اردوغان البربرية عشية الانتخابات الاخيرة.
ان البرلمان هو جزء من مؤسسة الدولة، تصور نفسها بأنها تمثل مصالح الشعب وانه يخدم المجتمع، لكن الحقيقة تعلمنا، دائما ان الدولة المذكورة تقف دائما وسيط بين الطبقة الغنية وبين الجموع الغفيرة المحرومة من ثروات المجتمع، وبالتالي تميل الى تلك الطبقة. ان البرلمان هو صوت ممثل الطبقة الغنية، وصاحبة الثروات. ان البرلمان ليس البديل المقدس، انه شكل من اشكال الحكم للطبقة البرجوازية، والاخيرة تحاول ان تقهم الجماهير والمجتمع انه افضل وسيلة واكسير الحياة السياسية، لكن في الحقيقة هي لتداول السلطة بين الذين مليئة جيوبهم بالملايين من الدولارات.
والان ندخل على محاججة الكاتب ودفاعه عن البرلمان العراقي الذي مصاريف الدخول اليه هي الاعلى في العالم. يقول لنا الكفائي، ان البرلمان هو اهم انجاز منذ عام 2003، وجلب لنا التطور الاقتصادي، وارتفاع في مستوى المعيشة والحرية الشخصية. قبل كل شيء ان البرلمان العراقي، ليس انجاز، وكأنه يتحدث عن البرلمان الفرنسي او مجلس العموم البريطاني او حتى البرلمان الهندي او البرازيلي...ان البرلمان العراقي نصب بحراب المارينز الامريكي . انه ليس حتى نتاج نضال التيارات والاحزاب السياسية البرجوازية بالمعنى الاكاديمي كما حدث في البلدان التي ذكرناها، كي يفتخر اي شخص به، فأي انجاز يتحدث عنه.
ان البرلمان العراقي شكله الاحتلال كما ذكرنا ولكن ليس لنشر الديمقراطية، بل لتبرير الحرب واحتلال العراق، لقد فشلت الهيئة الحاكمة في امريكا من ايجاد سلاح الدمار الشامل، وفشلت بالربط بين القاعدة ونظام صدام حسين، فاستبدلت، كل تلك الحجج بنشر الديمقراطية. والبرلمان الذي يتحدث عنه هو ما تبقى من ذكريات لبريمر وبوش الابن ونائبه ديك تشيني وديفيد بترايوس.. ان البرلمان العراقي هو هدية النظام العالمي الجديد والمشروع الشرق الاوسطي الكبير الفاشل، والذي حاول ان يصوغه المحافظين الجدد بقيادة بوش-رامسفيلد-ديك تيشني-بول فولتيز، نقول هدية للقوى القومية والطائفية التي تسيطر اليوم على البرلمان، لموافقتها واضفاء الشرعية على الحرب واحتلال العراق.
ثم يبين ان الكاتب نفسه، اما انه يعيش في كوكب اخر او في برج غير متصل في عالم الانترنيت ولا اقول العراق، لان الذي يعيش خارج العراق ومن خلال عالم الانترنيت يستطيع ان يحصل على معلومات اكبر بكثير من الذي يعيش في العراق. ما هو التطور الاقتصادي وارتفاع في مستوى المعيشة الذي جلبه البرلمان لنا. او تغيب عن باله ان نسبة البطالة وصلت الى اكثر من 40٪في العراق. او هل تغيب عن باله ان سياسة التقشف التي اعلنها العبادي وباركها البرلمان غير الموقر، احد اسبابها بأن مكانة العراق الاقتصادية في التقسيم الرأسمالي العالمي للإنتاج لا تتجاوز صناعة النفط. فمع انخفاض اسعار النفط، مد البرلمان الموقر يده الى جيوب العمال والموظفين، للتغطية على فساد المؤسسة السياسية الذي البرلمان العراقي جزء منها. فعن اي تطور اقتصادي يتحدث الكاتب، بعد ما يقارب ثلاث دورات برلمانية. لقد أشرنا في مناسبة اخرى، ان البرلمان العراقي لم يذهب حتى كما ذهب البرلمان النيوزلندي في عدم استلام معاشاتهم لمدة 6 اشهر بسبب الازمة الاقتصادية التي ضربت العالم الغربي عام 2008. اين هم الشرفاء واقصد غير اللصوص في برلمان الكفائي الموقر. يبرر الكفائي بأن اعضاء البرلمان حديثو العهد في النظام الديمقراطي. ولكن لماذا لم يكن ولا احدثهم حديث العهد في مماسة اللصوصية والسرقة، عندما يذهب للتصويت على الامتيازات والمنح لهم ولعوائلهم. ثم اين هي الحريات الشخصية التي يتحدث عنها مفتخرا؟ او هل نسينا كيف قتل الايمو والمثليين وانتشار جرائم قتل النساء تحت عنوان غسل العار، واغلقت البارات وهوجمت محلات المشروب من قبل المليشيات. هل نوقشت هذا المسائل يوم في البرلمان، واين هي "القوانين المنصفة" على حد تعبير الكاتب، قانون حماية الصحفيين، ام قانون العمل، ام قانون الحريات النقابية، ام قانون خصخصة الكهرباء، ام قانون المخبر السري، ام قانون الخدمة الجهادي، ام قانون المنح والامتيازات للبرلمانيين، ام قانون تقاعد البرلمانيين، ام قانون استقطاع معاشات العمال والموظفين، او المحاولة في تمرير مسودة قانون مهزلة العطل الرسمية التي ترسخ للطائفية في العراق وتعطل مفاصل المجتمع لأكثر من ثلث سنة اكراما لإسلام السياسي الشيعي،.. وعشرات القوانين الاخرى التي ليست فيها ذرة انصاف لصالح الجموع المليونية المحرومة بينما، ثلة من الفاسدين يسيطرون على البرلمان والحكومة والقضاء والامن والجيش.
لنعود الى مؤسسة الكفائي، التي يقول اذا كان البعض لا يتمتع بالنزاهة، فعندها نعمل على تغييرهم في الانتخابات المقبلة. ان الكفائي يحاول لوي عنق البرلمان بقوة الانشاء والكلمات الطنانة والاتهامات الجاهزة، ليستخرج لنا برلمان نزيه ويستثني منه عدد قليل من الفاسدين، ولينقد بالنهاية البرلمان المؤسسة. ولكن نقول له ان البعوض لا يتجمع الا على المستنقع. وإذا استثنينا عدد لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة، فالجميع فاسدون بامتياز. ولثلاث دورات انتخابية لم يتغير الا بعض الوجوه القليلة. او هل يعرف الكفائي لماذا؟ لان البرلمان العراقي لا يدخلها الا من يمتلك حزبه الملايين من الدولارات، وتكاليف الانتخابات البرلمانية العراقية هي الاعلى في العالم وحيث تفوقت على الولايات المتحدة الامريكية التي تكلف مرشح الكونغرس 30 مليون دولار. ان البرلمان العراقي يمثل اصحاب شركات فلاي بغداد، وشركة زين للاتصالات، وكورك واسيا سيل، وعلاوي دورة وبنك الوركاء والشركات الاستيراد والتصدير المتنوعة والمتعاقدة حكرا مع وزارة التجارة، وشركات تسويق المنتجات النفطية، سواء التي تمتلك الاحزاب والقوى مثل حزب الدعوة والمجلس الاسلامي الاعلى والفضيلة والتيار الصدري والوفاق الوطني...الخ حصص فيها او مملوكة لها ليس هناك دولة في العراق، والكفائي يتحدث لنا عن البرلمان. ان المليشيات تعبث في المجتمع، وهو يتحدث لنا عن البرلمان اهم انجاز. ان البرلمان العراقي هو ركن من اركان العملية السياسية، وان الاخيرة بنيت على المحاصصة الطائفية والقومية. ان البرلمان هو الذي شرع للطائفية والمحاصصة برمتها وأرسى اسسها في العراق. اليست دولة القانون وكتلة المواطن والاحرار والكفاءات يمثلون الاغلبية المطلقة من البرلمان، وبعد ذلك اتحاد القوى والتحالف الكردستاني. اين هؤلاء النزيهين من هؤلاء؟ الا يمثل كل هؤلاء احزابهم؟ الم يصوت هذا البرلمان منذ تـأسيسه على الدستور الغارق بالرجعية، وفي كل بند من بنوده لغم يستخدمه الاخوة الاعداء لتفجيره على بعضهم في العملية السياسية. اي بعبارة اخرى ان البرلمان لا يمثل الشعب العراقي ولا رمز قوته وليس مصدر الا قوة الشركات التي ذكرتها.
يقول لنا الكفائي، ان الحملة على البرلمان يضر بالشعب العراقي، ولكن لم يقل لنا ما هو وصفه ومعياره وسقفه للأضرار؟ الا يكفي ما حصل "للشعب" العراقي من اضرار، الا ينظر الى الفارق الاجتماعي بين المستوى المعيشي لعضو البرلمان الذي لا يهش ولا يمس وبين العامل العادي او الموظف العادي او العاطل عن العمل. لماذا يريد ان يدفع الشعب العراقي ثمن هذه المؤسسة المتهرئة. ماذا استفاد الشعب العراقي منها طوال على الاقل ثلاث دورات برلمانية.
لو كان العراق بلد في اوضاع اعتيادية، فيه استقرار وامن، اسوة بالبلدان ذات البرلمانيات العريقة، لكان اعضاء البرلمان اليوم، ينتظرون محاكماتهم بتهم الفساد واللصوصية، ولتحولت مؤسسة البرلمان وبنايته الى متحف او في أفضل الاحوال الى مثل قصور صدام لتبق ذكرى للسنوات الحالكة التي مرت بجماهير العراق. ان استمرار هذه المؤسسة الفاسدة دون اي جدوى، بسبب الحياة غير الطبيعية للمجتمع العراقي. وما اغرب فنتازيا، فأن تتخيل، تتفتح الازهار في مستنقع تملئها المياه الاسنة. انه يتخيل برلمان كمؤسسة محترمة ضمن العملية السياسية التي تحتاج الى قلبها وحراثتها وعرضها الى اشعة الشمس.
ويبرر لنا الكاتب، ان البلد يعيش فترة انتقالية، وان بلدان اخرى في العالم فيها فساد. هل يعقل هذا الكلام؟ اليس هذا دفاع وتقديس للحالة الموجودة في العراق. متى تنتهي هذه المرحلة الانتقالية، وهل هناك بصيص للأمل من خلال العملية السياسية التي البرلمان جزء منها. ليس هناك برلمان في العالم، الجميع معارضة والجميع في الحكومة، الا في النموذج "العراق الجديد". اننا حقا نحسد اولئك الذين لديهم امل بالعملية السياسية المذكورة. فالمرحلة الانتقالية التي يحدثنا عنه، تشبه قوانين الطوارئ والدساتير المؤقتة للأنظمة القومية العربية، التي مدتها مفتوحة، لها بداية مع الانقلاب العسكرية وليس لها نهاية. اما الفساد فهو يقارن السيء بالاسوء، او هل يقارن فساد العراق الذي لا قرار له مع فساد اي بلد في العالم. ان من يحاول ان يأخذ دور المحامي ويقوم بالمرافعة امام اية محكمة حتى لو كانت عراقية، ويقدم هذه الحجج التي يسوقها لنا الكاتب للدفاع عن البرلمان، فالمحكمة ستحكم على المحامي بالسجن بدل من مؤسسة البرلمان، على هذا الدفاع الخائب.
ان البرلمان العراقي مؤسسة فاسدة، ولا تشبه اية مؤسسة من مؤسسات العالم، ووصفتها صحيفة "الديلي ميل" البريطانية بتاريخ الاول من تشرين الثاني عام 2010 في تقرير لها بعنوان " "كيف الساسة العراقيون يحصلون على الف دولار بالدقيقة ويسكنون في فنادق فاخرة مجانا في بغداد ولا يشرعون القانون". راجع المقال باللغة الانكليزية على العنوان:
http://www.dailymail.co.uk/news/article-1325597/How-Iraqi-politicians-paid-1k-minute-live-free-Baghdad.html .
اما لماذا يكتب اليوم عن البرلمان العراقي ويدافع عنه، لان هيبة البرلمان كسرت تحت اقدام الصعاليك. وهذا ما ارعد فرائص كل اعضاء العملية السياسية وكل مؤيديها وكل من يتصور لا حياة خارج العملية السياسية الا بهذه المؤسسة المتهرئة. لقد داس الصعاليك على هيبة واعتبار بيت الفاسدين واللصوص والنهابة. اننا حذرنا من تظاهرات الصدر، ووجهنا ندائنا للجماهير لعدم الانخراط في هذه الاحتجاجات، وانها ستدفع الاوضاع السياسية الى المزيد من الفوضى، وستكون هي اي الجماهير وقود لصراعات اطراف الاسلام السياسي الشيعي، وستستغلها تلك القوى في قمع المتظاهرين وفرض اجواء الرعب على المجتمع وستطلق يد المليشيات "الحشد الشعبي" بشكل اكبر تحت عنوان حماية الشرعية وهيبة الدولة. نحن ندرك ان من يدفع الثمن اولئك البسطاء الذين توهموا بالصدر او الذين طفح بهم الكيل، ولن يدفع ثمنها كما يقول المثل العراقي الشعبي الا "ابن الخايبة" بينما الصدر والعبيدي والاعرجي سيشربون الخمرة الاسلامية نخب احتفائهم بتحقيق مكاسب سياسية. اما ان المتظاهرين عبثوا بالبرلمان، فنقولها بالمصرية "طوز" في هذا البرلمان الذي حول حياة الملايين من جماهير العراق الى جحيم.
والان لننتقل الى النقطة الاخرى في مقال الكاتب، فهو يستشط غضبا ويوجه الاتهامات الى من ينتقد البرلمان، ويدعي في نفس الوقت ان البرلمان ركن من اركان الديمقراطية. اين هي الديمقراطية في هذه الاتهامات؟ اننا من المحظوظين حقا، بأن الكاتب، لم يكن يوم رئيس للوزراء، لكان حاكمنا مثلما حاكم اردوغان اكثر من 800 شخص بتهمة اهانته والنيل من اعتباره. يا ترى ما الفرق بين منطق اردوغان وصدام حسين والمالكي والاسد وبن علي والقذافي ومبارك وبين منطق من يدافع بهذه الطريقة والاسلوب عن البرلمان. انه نفس المنطق السابق الذي يحاول ان يقمع المنتقدين بحجة وعناوين مصالح الشعب، والعمالة، وخدمة الدول ..... الم تنفذ صلاحية تلك الحجج، الم نتعب في سل الاتهامات الجاهزة ضد المخالفين بدل من حرق عدة سعرات حرارية في تفنيد حججهم.

 

مقالات