عبدالله صالح

خصوم الامس، أصدقاء اليوم! حول الاتفاق الاخير بين حركة التغيير والاتحاد الوطني الكوردستاني

المنطق البرجوازي في السياسية يقول بأن (لا عداوات دائمة ولا صداقات دائمة وانما مصالح دائمة)، وفقا لهذا المنطق وقع حزبان رئيسيان في اقليم كوردستان يوم 17 / 5 / 2016 اتفاقا مشتركا ينص على التفاهم التام بين الطرفين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والامنية، بهدف "تحسين الاوضاع المتدهورة في الاقليم والخروج من الازمات الخانقة التي تعصف به".
هذا الاتفاق لم يكن الاول ولن يكون الاخير بين الاحزاب القومية الكوردية المشاركة في السلطة، فقد سبق وان عُقدت اتفاقات مماثلة وخُرقت قبل أن يجف حبر توقيعها، عدى "الاتفاقية الاستراتيجية بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي"، حيث التزم بها الطرفان لمدة غير وجيزة والسر في ذلك هو ان الاتفاق ينص على تقاسم الثروة والنفوذ وقد تم ذلك فعلا.
الاحزاب الاسلامية الثلاث الموجودة في كوردستان، الحركة الاسلامية والجماعة الاسلامية والاتحاد الاسلامي، يسعون الى تكوين جبهة اسلامية على غرار الاتفاق الاخير مدركين بان اللعبة لم تعد لعبة الضعفاء .
السؤال الذي يراود مجمل المراقبين السياسيين هو: ماهية الاسباب والدوافع الكامنة وراء الاتفاق الاخير؟..
الاتحاد الوطني الكوردستاني أصبح كالبطة العرجاء بعد أن سلّم زمام الامور في الاقليم الى الحزب الديمقراطي بزعامة مسعود البرزاني، وهذا الاخير استفاد من اوضاع الاتحاد الداخلية الهشة بعد انشقاق حركة التغيير عنها فدفع باتجاه تجديد ولاية زعيمه لرئاسة الاقليم لعامين آخرين، والآن وبعد مرور حوالي عام على انقضاء مدة تلك الولاية يرفض البرزاني التنحي، أضف الى ذلك غياب زعيم الاتحاد الوطني جلال الطالباني عن الساحة السياسية، كل هذه الظروف وضعت هذا الحزب في حالة لا يُحسد عليها.
حركة التغير التي انشقت عن الاتحاد الوطني بداعي الفساد وركبت موجة الغضب الجماهيري ورفعت شعار الاصلاح والتغيير ووعدت الجماهير بذلك عبر قوانين "اللعبة الديمقراطية"، تزعمت كتلة المعارضة في برلمان كوردستان اولاً فلم تنجح في مقارعة الحزب الديموقراطي والاتحاد الوطني، ثم شاركت في الانتخابات الاخيرة فاصبحت القوة الثانية برلمانياً بعد الحزب الديمقراطي، وشاركت في الحكومة الموسعة فلم تجني من هذه المشاركة شيئاً، بل واجبروا على ترك السلطة بالقوة ولم تنفع محاولات جميع الاطراف الاخرى في اقناع الحزب الديمقراطي بافساح المجال لحركة التغيير بالعودة مجددا الى الحكومة والبرلمان! الاتفاق الاخير ربما سيكون الفرصة السياسية الاخيرة لهذه الحركة، ففشل الاتفاق سيكون كارثيا بالنسبة لها كونها لا تملك لا السلاح ولا المال كي تفرض نفسها مجددا على الساحة، ما تملكه ليس سوى قاعدة جماهيرية تتقلص يوما بعد يوم وسط حالات الفشل والاحباط.
جاء هذا الاتفاق كما يدعي الموقعون عليه كمحاولة جادة لاعادة التوازن الى الميزان المختل والذي اصبحت فيه الكفة تميل بوضوح الى جانب الحزب الديمقراطي، اذاً الجانب الخفي المعلن في الاتفاق هو محاولة الوقوف ضد هيمنة وعنترية الحزب الديمقراطي وهوما ينفيه طرفا الاتفاق!
الحزب الديموقراطي الكوردستاني والذي يمثل مصالح القشرة الرجعية والمتخلفة للبرجوازية الكوردية اصبح الآن الآمر والناهي في الاقليم، على الاقل في محافظتي اربيل العاصمة ودهوك، فهو بالاضافة الى تبنيه سياسة الارعاب والتخويف والسجون السرية على الصعيد الداخلي، يتحالف اقليمياً مع اكثر القوى الاسلامية رجعيةً وتخلفاً الا وهي السعودية ومن ثم تركيا، في محاولة جادة لـ "سَعوَدَة" كوردستان قلبا وقالبا عبر توالي عائلة البرزاني على الحكم في الاقليم، كما هو الحال في مملكة آل سعود، فحزب البرزاني الآن يتمسك بمجمل المفاصل الاساسية لحكومة الاقليم، من مالية وادارية وعسكرية ولا تمر طلقة واحدة للبيشمركة الى جبهات القتال ضد داعش الا عبر هذا الحزب، ولا يدخل دولار واحد الى خزينة الاقليم الاعبره، وسط هذه الاوضاع تم عقد الاتفاق الأخير كمحاولة لمنع هذا التفرد بالسلطة.
المسألة الاساسية هنا هي التالي:
اولاً/ الواقع الحالي يفرض حالة مغايرة تماما لروح الاتفاق، فالمصالح المادية والحزبية والفئوية الكبيرة التي تربط الاتحاد الوطني بالحزب بالديمقراطي أصبحت كشبكة العنكبوت، وباعتبارهما شركاء في نهب الثروة في الخفاء والعلن وتقاسم النفوذ عبر عقدين من الزمن، يبدوا الوضع اعقد بكثير من أن يَفُك منها طرف بسلام ويمر مرور الكرام.
ثانياً/ الواقع أثبت وخلال ربع قرن من حكم الاحزاب القومية الكوردية بان جميع مؤسسات الاقليم بما فيها البرلمان، هي ليست سوى أدوات لتنفيذ سياسات الاحزاب الحاكمة فمتى ما انحرفت مؤسسة ما عن ذلك النهج تصبح في خبر كان!
ثالثاً/ كل الدلائل تشير الى عودة الاقليم لنظام الادارتين كما كان في السابق وهو ما يفرضه واقع الاستقطاب المحلي والاقليمي والدولي وكنتيجة منطقية لانعكاسات هذا الاتفاق.
رابعاً/ هذا الاتفاق لا يمس من قريب أو بعيد حياة ومعيشة الجماهير وما تعانيه من فقر وبطالة وانعدام الخدمات، ولا يتعدى كونه مصالحة بين حزبين دفعتهما مصالحهما الحزبية يوما الى الانشقاق وتدفعهما اليوم نفس المصالح الى توحيد الكلمة، وأخيراً فان هذا الاتفاق لا يمثل سوى فصلا آخر من فصول عجز الاحزاب القومية الكوردية في الخروج من ازماتها الخانقة وفشلها الذريع في ادارة الاقليم.

 

مقالات