سمير عادل

حريق الفلوجة، حصان طروادة للعبادي - الجبوري

اكثر من 5الف انسان محاصر في مدينة الفلوجة، وهم يدفعون اعلى ضريبة في العالم، ليس لانهم يعيشون في اغلى مدينة او اغنى مدينة او ارفه مدينة في العالم، بل لانهم يعيشون في اتعس مدينة. وتكمن تعاستها، لا فقط بوجود داعش فيها، بل لان العبادي قرر ان يتقدم لطرد داعش منها كي يرمم ما تشظى من حكومته ولاعادة انتاج اعتباره وهيبته الشخصية، وشماعة للتنصل من وعوده الكاذبة التي تورط بها حول القضاء على الفساد، وحركة التفاف ذكية على ما تبقى من اوهام المتظاهرين حول مقتدى الصدر. الم يقل مثل صدام حسين ايام الحرب العراقية - الايرانية، ولكن بتحوير بسيط وهو اضافة "فلوجة لها" "لا صوت يعلوا فوق صوت معركة الفلوجة". وها هو طالب من المتظاهرين بتأجيل تظاهرتهم يوم الجمعة الفائتة، بحجة تفريغ القوات الامنية لمعركة الفلوجة، ولكن لم يتخذ نفس المسعى في معركة تكريت وبيجي والرمادي والرطبة والمدن الاخرى التي اجتاحتها عصابات داعش.
سكان الفلوجة يذبحون بصمت، وتحت اصوات الاهازيج والاناشيد الاعلامية، والتصريحات والخطابات الدعائية النارية ضد داعش، للتغطية على جريمة ترتكب بحق رهائن، اختطفوا في لحظة معينة من تأريخ سلطة الاسلام السياسي الشيعي. وليست المأساة التي يدفع ثمنها سكان الفلوجة من امنهم وحياتهم وعيشهم، لان الرقم المحاصر منهم كبير كما يحاول ان يصوره الاعلام بكل تلاوينه وتياراته. فحقوق الانسان لا تحسب مثل ما يعرفه المفهوم الليبرالي الذي لا يتعدى اكثر من فرد ورقم، يوظفه في العملية الانتخابية، والاحصاءات الاقتصادية، والارقام السياسية. فأيا كان العدد من السكان حتى وان كان شخص واحد، يستخدمه داعش كرهينة ودرع بشري، اوتستعمله حكومة العبادي - الجبوري كحصان طروادة لإنقاذ العملية السياسية، فقيمة الانسان وماهيته وكرامته وامنه، منتهكة في ظل معركة عنوانها الحقيقي "ابادة سكان الفلوجة"، ويجب الوقوف عندها.
الفلوجة مهمة سياسيا، ليس بالنسبة للعبادي فقط، بل مهمة ايضا في تعديل ميزان القوى في المحاصصة الطائفية، التي تستند عليها العملية السياسية. فليس سرا ان يتجمع كل من يأكل من كعكة الطائفية، في غرفة مشتركة مع العبادي، مثل سليم الجبوري وسلمان الجميلي ومحمد الكربولي واخرين من الذين وضعوا الاطار الطائفي لتحركهم السياسي واهدافهم وشعاراتهم تحت باب تصنيف "العرب السنة". ففي كل مذبحة بشرية، وكي تصبح شرعية ومقبولة ويمكن تسويقها للمجتمع، يجب ان يشارك بها ويشرف عليهم من الذين يحسبون على جلدة من الذين يرتكبون بحقهم المذبحة. الم يقل سليم الجبوري العضو القيادي في الحزب الاسلامي ورئيس البرلمان، بأن معركة الفلوجة هي من اجل تحرير سكانها من داعش. لكنه وقف ساكنا عندما استولى داعش عليها قبل ٦-;- اشهر من سقوط مدينة الموصل في حزيران 2014ووقف متفرجا ناجحا كل هذه الفترة على تجويع اهالي الفلوجة، بفعل حصار القوات الامنية عليها، وهو ينتظر تحسن امتيازات الورقة الطائفية. وعندما زفت الساعة يشارك العبادي في حرب ابادة اهالي الفلوجة.
واذا كان استرجاع الفلوجة بأي ثمن، وهذا ما توضحه الوقائع الميدانية، مهمة بالنسبة لتحالف الاسلام السياسي الشيعي، وذراعه العسكري "الحشد الشعبي" كي تحسن من اوراقه السياسية، وتنظف عبثا ما لطخته فسادهم وجرائمهم، فالبنسبة للذين يستثمرون في المستنقع الطائفي، مثل السعودية وقطر والقوى المحلية الملتفة حولها التي تطبل وتزمجر وتتباكى على الابرياء، يجدون معركة الفلوجة فرصتهم بتجديد الخطاب الطائفي وتباكيهم على "العرب السنة"، وكأنه كانت عصابات داعش الممولة من قبلهم، كانت اشرف وارحم من قوات المالكي او العبادي وقبلهما قوات المارينز الامريكي على اهالي الفلوجة.
اهالي فلوجة يحترقون، لأنهم اختاروا المكان الخطأ والزمن الخطأ للعيش فيها. اهالي الفلوجة يحترقون، لانهم جردوا من هويتهم الانسانية، وفرض عليه التصنيف الطائفي، كي يجد داعش مكان له في صفوفهم، ويجد الحشد الشعبي مبرر لإبادتهم، الم يقل ذلك بكل صلافة اوس الخفاجي وهو احد قيادي الحشد بأطلاق التصريحات الطائفية والعنصرية ضد اهالي الفلوجة.
ان معركة تحرير الفلوجة من داعش تشبه تلك النكتة التي تقول العملية الجراحية نجحت لكن المريض مات. فهكذا بالنسبة لاهالي او سكان الفلوجة، فسيطرد داعش منها ولكن مع احتراق اهاليها فيها. وبهذا ستتحرر الفلوجة ليس فقط من داعش بل ستتحرر حتى من اهاليها.
يجب ان تتوقف معركة طرد داعش بأي ثمن من الفلوجة او اية مدينة اخرى. فعودة ما يتبقى من السكان على قيد الحياة بعد انتهاء المعارك، الى مدينتهم وهم فقدوا احبابهم وذويهم، لن يزيد الا تعاستهم والامهم بدل من الاحتفال بتحريرهم من أكثر عصابات التأريخ اجرامية. وعلى المستقبل المنظور سوف توسع المستنقع الطائفي، وتزيد من عدد البراغيث الطائفية.
ان معركة الفلوجة ليس لها علاقة بطرد داعش بقدر ما له علاقة بتحقيق مصالح سياسية لجميع القوى المشتركة في هذه الحرب القذرة على حساب امن وسلامة وحياة سكان الفلوجة. لقد تركوا اهالي الفلوجة فريسة سهلة لداعش، واليوم تحاول تلك القوى استخدام اهالي الفلوجة، كبش فداء لتحقيق مصالح سياسية قذرة.

 

مقالات