قاسم هادي

الفلوجة والخضراء ليسا معاركنا

في سياق تأريخ سيطرة الميليشيات على العراق فقد تمكن اهالي بلد من طرد داعش وتسليم المدينة الى الشرطة العراقية، قام اهالي قطاع 36 بطرد كل اعضاء جيش المهدي من القطاع، وطبعا نستطيع ان نعد كوباني وآمرلي على رأس القائمة. هذه المقدمة البسيطة سيتم تقديمها مؤخرا في نهاية المقالة. تجري معارك الفلوجة وماسبقها من معارك بيجي وتكريت والانبار وغيرها مع تحشيد اعلامي كبير قبل وخلال وبعد تلك المعارك، حيث أتخذ ذلك التحشيد محورين أساسيين وهما العنوان الرئيسي وهو التحرير، والتبرير مقدما للخسائر بالارواح من المدنيين الذين اطلق عليهم مسبقا إسم الحواضن.

في التأريخ الميليشياتي شهد العراق سلسلة مواجهات مسلحة بين جيش المهدي وقوات بدر الا ان إعلام التيار الصدري الذي صور جيش المهدي على انه جيش عراقي ولائه للعراق والعرب ونتائج المواجهات المسلحة اطاح كل هذا بقوات بدر المعروفة بولائها لإيران مرقد تأسيسها وتدريبها وتسليحها، حتى أتت الفرصة الذهبية التي منحها بيان السيستاني لتلك القوات من اعادة هيبتها وسيطرتها على الأوضاع من خلال انخراطها في وقيادتها للحشد الشعبي الذي دعا اليه البيان المذكور. وبدءت مسيرة الحشد الشعبي في "تحرير" المناطق التي يسيطر عليها داعش في معارك دامت سنين ولازالت لم تحسم بعد, مع ان عمليات اجتياح تلك المدن تم خلال ساعات من قبل داعش بوجود الجيش العراقي والطوارئ والشرطة وقوات المحافظة التي بلغ تعدادها 750,000ألف في محافظة الموصل وحدها كمثال، مما يعيد الى الأذهان تبخر الجيش العراقي والحرس الجمهوري والحرس الخاص وفدائيو صدام وجيش القدس في معارك "تحرير" العراق آذار 2003. الحشد الشعبي وبالذات قيادته من قبل قوات بدر وتدخل قاسم سليماني بشكل مباشر سحب البساط من تحت أقدام جيش المهدي ووضعه في الرف الأسفل في ما يتعلق بالسلطة. وفي رد الفعل لهذا الارتداد في وضع السلطة وفي أزمة العملية السياسية الفاشلة ومع تصاعد الرفض الشعبي ومد الإحتجاجات كان للتيار الصدري فرصته الذهبية التي منحها له قادة الإحتجاجات الجماهيرية في انتهازية بعضهم وتوهم البعض الآخر وإنسداد أفق ماتبقى منهم والتي تتوج فيها ذلك التيار الشريك في السلطة والفساد وغياب الأمن واللاعب الاساسي في الكثير من عمليات القتل والخطف وتصفية الخصوم تتوج قائدا للإحتجاجات الجماهيرية آخذا إياها الى طريقها المسدود الذي انتهى بمأساة الإسبوع الماضي.

ان حروب "التحرير" التي يقودها الحشد الشعبي والذي تم ترقيعه ببعض الأفراد تطوعا او اجبارا من المصنفين على الطائفة السنية او الدين المسيحي او اليزيدية والتي تلقى ترحيبا واسعا هي في الحقيقة معارك حسم السلطة بيد الإسلام السياسي الشيعي اكثر منها حروب تحرير وانقاذ اهالي تلك المناطق بدليل عدم السماح الى اهالي المدن "المحررة" من العودة اليها وعدم حل أزمة النازحين من تلك المناطق في فترة سيطرة داعش عليها وفي فترة سيطرة الحشد الشعبي او الجيش العراقي على حد سواء. وكما كتبت الكثير من المقالات وتم نشر الكثير من الفيديوات التي كانت رسائل استغاثة من اهالي المناطق التي سيطرت عليها داعش نجد ان هذه المقالات والفيديوات لم تتوقف وان كانت اقل نسبيا وهي ايضا رسائل استغاثة من مافرضه الحشد الشعبي غير المنضبط بقانون او تعليمات على اهل المدن "المحررة". قد تختلف نسبيا لكنها ليست مبرر كافي للتطبيل سيطرة جيش المهدي او قوات بدر او قوات الحشد الشعبي على المدن عن سيطرة داعش، كلاهما فرض قوانين وطبيعة حياة اجباريه على المناطق التي يسيطر عليها وتحت سلطة كليهما تمت الكثير من عمليات القتل في الاماكن العامة والهجوم على المحلات والمنازل المخالفة لتلك القوانين بطريقة بشعة وهمجية، ورأينا خلال سيطرة اي من الجانبين اجتماعات غير متناهية لرؤساء العشائر ووجهاء كل مدينه لإعلان الولاء والمبايعة لهذه الميليشيا او تلك التي تسيطر على تلك المدينة.

في نفس بيان السيستاني جاءت لفظة الحواضن التي تبنتها حكومة المالكي بشكل واسع في بياناتها الرسمية، تلك اللفظة التي استخدمها الكثير من قادة الحروب الطائفية التي تجري على قدم وساق الآن لتبرير قتل المدنيين او قصف المدارس او تهجير العوائل وخصوصا الرجال من المدن "المحررة" حتى بعد "تحريرها" من سيطرة داعش. ان منطق الحواضن هو منطق طائفي مغرض ومبرر للقتل والتهجير فلو تبنينا نفس منطق قادة الطائفية فان مدينة الثورة واهلها حواضن لجيش المهدي، والكوت واهلها حواضن لقوات بدر والنجف واهلها حواضن لجند السماء. ان هذا دليل واضح على عمق الفشل التي آلت اليه كلا من العملية السياسية بالأفق المسدود والقادة الطائفيين من كلا الجانبين الذين لايريدون الإعتراف بان مدن نفوذهم الميليشياتي هي مدن مبتلاة بهم وبمسلحيهم وقوانينهم الرجعية حد النخاع. فاذا كانت صولة الفرسان لم تقضي على جيش المهدي فكيف تطالب اهل المناطق المبتلاة به التخلص منه او اتهامهم جميعا بالولاء له وحق محاربتهم واذا كانت القوات التي تعدادها مئات الآلاف لم تستطع مقاومة داعش والصمود امامه فكيف تطالب اهالي المناطق المبتلاة به ان يطردوه او ان يتهموا بالخيانة العظمى للوطن بكونهم حواضن.

ان مايدور في كلا حلبتي الصراع في معارك "التحرير" واحتجاجات المنطقة الخضراء هي حلبة صراع على السلطة ليست للجماهير فيه ناقة ولاجمل، وكما نوهت في بداية المقال فان لدينا الكثير من التجارب التي توضح ان ماينقص الجماهير في مواجهة الميليشيات هو تنظيمها بالمقام الأول اما تسليحها فياتي كتحصيل حاصل كاول نتائج ذلك التنظيم. الجماهير مطالبة بالمبادرة ورص الصفوف وتشكيل لجانها في مناطقها، اولا لفصل نضالها عن الصراع الدموي الدائر على السلطة وثانيا لأن منطقيا الاحتجاج امام المنطقة الخضراء هو محض هراء لأن ببساطة، نفوذ وقوة الميليشيات واحزاب وتيارات العملية السياسية لايتم من خلال المنطقة الخضراء. المنطقة الخضراء لاتحكم البصرة ولاتحكم الكوت ولاتحكم السليمانية ولاتحكم بغداد الى في حالة حصول موافقة وهدنة بين السلطة وميليشيا تلك المدينة على اتفاق معين بخصوص تمرير قانون وشمول تلك المدينه فيه. ولدينا من الامثلة الكثير الكثير خصوصا في فترات ازمات السلطة المركزية مع هذه المحافظة او تلك او مع الاقليم. اذا استطاع قادة الجماهير في كل مدينه على حده التحرر من وهم السلطة الدينية أو القومية والميليشيا القائمة عليها فان تشكيل لجان المناطق هو عملية انسيابية لكن دؤوبة تتم على اساس تنظيم الاحتجاج الشعبي العارم الذي سئمت فيه الجماهير من سلطة المجرمين والفاسدين وتسلطهم على رقابهم على مدى فترة الاحتلال والى الآن. ان تفتيت هذا الوهم هو مهمة قادة الجماهير الذين يؤمنون ان ليس عليهم فقط تفتيت الوهم بكل القوى الطائفية والقومية المتنازعة على السلطة وقادة الطائفية الذين يؤيدون هذا الطرف او ذاك بل ان يكون اسقاط تلك القوى وابعادها عن حياة الجماهير هو المطلب الفوري لهم وللجماهير المتعطشة للأمان.

 

 

مقالات