نادية محمود

تناقلت وسائل الاعلام هذه الايام نية الحرس الثوري الايراني تأسيس "حرس ثوري عراقي" على غراره. في هذه المقالة اود تسليط الضوء على بعض الحقائق المتعلقة "بالحرس الثوري الايراني" قبل ان اتطرق الى ما سيكون عليه الحرس الثوري "العراقي" ونسخته الحالية الان في العراق هو "الحشد الشعبي"، وماهو دوره المتوقع في العراق اخذا بنظر الاعتبار دور الحرس الايراني في ايران.
يعلم الجميع ان الحرس الثوري الايراني تأسس بعد ثورة 1979، كجهاز عسكري لاحكام وفرض سيطرة السلطة "الثورية" التي جاءت للحكم بعد الشاه. اي قام بمهمة قمع المجتمع لتأمين الوضع للحكام الجدد. الا ان قد ما لا يعلمه الجميع هو القوة الاقتصادية غير المتناهية التي صنعها هذا الحرس التي ترتبت وتراكمت له عبر السنين. ان "الحرس الثوري الايراني" هو عبارة عن "رأسمالية تعمل" وتتجول ببزة عسكرية، وتحت تصرفها قوات بحرية وارضية وجوية. هذه الطبقة الرأسمالية التي تتمدد في "البزنس" تتكون من "المحاربين القدماء" والمحاربين الجدد.
تتمثل الامكانيات الاقتصادية للحرس الثوري الايراني بسيطرته على اكثر تعاقدات الدولة التجارية والصناعية والزراعية والصحية والخدمية. ان شركة خاتم الانبياء التي يمتلكها هذا الحرس، هي عبارة عن اخطبوط رأسمالي يمتد الى كل مكان يوجد فيه مال. وهي تمتد من قطاع النفط، واستخراج الغاز الطبيعي، والعمران والاسكان، والتعدين، والنقل والمواصلات، وبناء الطرق، والموانئ، والزراعة، والتصدير ولديها اساطيل بحرية، ولديها شركات طيران، وتعاقد على بناء السدود، (التي ما بنيت حتى انهارت، دون ان يتفوه احد من السلطة، لمحاسبتهم، بل الاكثر من هذا تمضي السلطة معهم مرة اخرى لفتح مزيد من السدود) الى فتح قنوات من قزوين الى الخليج، الى الصناعات الاستهلاكية وصولا الى انتاج وبيع قناني ماء زمزم. لا احد يتنافس اقتصاديا على عقود الدولة مع "الحرس الثوري". والرؤوساء يريدون كسب ود هذا الحرس! الحرس مؤسس من الخميني ومبارك من المرشد، والامتيازات والمنافع التي يحصلوا عليها من الدولة، ، تزيدهم قوة وموقعا فوق سلطة الدولة.
هذا علاوة على ان الحرس الثوري الايراني يسيطر على المؤسسات الخيرية في ايران، وهي مؤسسات عملاقة، جرت السيطرة عليها وعلى اموالها لانها كانت من مؤسسات الشاه الخيرية. هذه المؤسسات تمتلك امكانيات مالية هائلة تمكنها من ادارة عجلة الاقتصاد في ايران وتمويل احزابا وميلشيات عسكرية مثل حزب الله في ايران. ان قوة و"استقلالية وفوقية" هذه المنظمات ايضا فوق جهاز الدولة، وعدم خضوعها ولا تقدم حساباتها الى الدولة، ولا تقدم فواتيرها وضرائبها، بلغت حدا وقف صندوق الدولي حائرا حين طالبت ايران بتدخل صندوق النقد الدولي لمساعدتها في حل مشاكلها، فهي ليست قطاعا حكوميا ليطالب بخصخصتها ولا هي بقطاع خاص! انها اقتصاد تحت سيطرة الميلشيات.
ان القوة الاقتصادية للحرس الثوري وقدرته على تمويل السياسين واعضاء البرلمان والوزراء، تعلن عن ولادة قوى جديدة خارج ثالوث البرلمان والحكومة والقضاء، اي السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية, وخارج الجيش ايضا. ويتحول دور الميلشيات ليس الى جيش يحمي جهاز الدولة كما تعارفنا عليه في الادب الماركسي، فحسب، بل يصبح اضافة الى هذا ويتمتع مباشرة بقوة اقتصادية ذاته، تصبح الميلشيات هي ذاتها جزء لا يتجزء من الطبقة الرأسمالية ذاتها وهي التي تحمي نفسها بنفسها بقوتها المسلحة. تصبح الطبقة الرأسمالية والميلشيات وجهان لعملة واحدة!
ماذا يعني تأسيس "الحرس الثوري العراقي"، او بعبارة اخرى ماذا سيكون دور الحشد الشعبي في مرحلة مابعد داعش! انها ستكون مرحلة اعادة رسم خريطة الاقتصادية - السياسية من جديد، تصبح فيها "المحاصصة"، اي محاصصة ما قبل داعش، لا معنى ولا مبرر لها. فالمنتصر في الحرب على داعش، سيستلم حصة الاسد، ويستلمها لوحده. وبدون منازع. انه الحشد الشعبي! أو"الحرس الثوري العراقي"!
ان دخول قوات الحرس الثوري الايراني للـ"دفاع" عن "العراق"، والاقتتال الشيعي - الشيعي يشن من اجل مصالح أقتصادية. المال، السلطة، الثروة، مداخيل النفط، عقود السياحة الدينية، المطارات والمواني، عقود النفط، الاعمار والبناء والخ.. تيمنا بتجربة الحرس الثوري الايراني. لذلك، فان الخريطة الاقتصادية القادمة ستكون وسيحتلها الحشد الشعبي (الحرس الثوري العراقي)، وليست المحاصصة الحزبية لمرحلة ما قبل داعش.
ان ما يمتلك اهمية خاصة هنا هي ضرورة الادراك ووعي الطبقة العاملة في العراق والملايين من الجماهير المتضررة من حكم مرحلة ما قبل واثناء داعش، الى القادم من حكم ما بعد مرحلة داعش. اذا كانت هذه المرحلة الحالية ومنذ 2014 هي مرحلة قيام العمال بجمع التبرعات من رواتبهم التي هي محدودة اساسا الى تقوية الحشد الشعبي، انطلاقا من رغبة العمال العميقة والمخلصة بالخلاص من داعش القوة الاسلامية التي فاقت ارهابيتها الحدود والمخيلة. (وقد مررنا بهذه المرحلة سابقا حين كان التطلع الى الخلاص من صدام حسين الذين كان كابوسا جاثما لخمس وثلاثين عاما على الصدور). لكن ما ان يهدأ غبار الحرب، ستكون مرحلة الالتفات الى اعادة توزيع الحصص من جديد، مرحلة رسم الخريطة الاقتصادية من جديد، بما يترتب عليها من دفع حسابات بعضها سيكون باهض الثمن.
انذاك ستتواجه الطبقة العاملة في العراق واشتراكيوها والجماهير الواسعة بتحديات جديدة وهي تسعى للدفع بمطالبها بتوفير الامان الاقتصادي، فرص العمل، الخدمات، الكهرباء، انهاء الفساد، ولكن هذه المرة، بوجه قوة اقتصادية عسكرية ميلشياتية رسمية، لن تتوقف عن التذكير بنيل حصتها مقابل تحريرها البلاد من داعش!
ان الوعي بدور ومكانة وسياسة القوى الاقتصادية - العسكرية القادمة التي ستمسك بزمام الاقتصاد، والتي ستقرر الوضع المعاشي والاقتصادي للناس في العراق هي امر مهم للطبقة العاملة وللاشتراكيين في العراق، حين يحددوا اجندة اعمالهم القادمة والرامية الى الدفع بمطالب العمال والجماهير الواسعة الى الامام.

 

مقالات