عادل احمد

الفلوجة بين الاحتلال والتحرير!

اطلقت امريكا على غزو العراق واسقاط نظام البعث في حينه تسمية "عملية تحرير العراق".. وكذلك تم تسمية طرد البعثيين من الفلوجة بعملية "تحرير الفلوجة"، واليوم يطلق العبادي في حربه على الفلوجة تسمية "تحرير الفلوجة". ان تحرير العراق او تحرير الفلوجة من من؟ ولصالح من؟ تفسير هذه الحروب ومسمياتها هو ما نحتاجه نحن الانسانية والطبقة العاملة والجماهير الكادحة، هذه الخطابات والمصطلحات تتكرر يوميا وترسم حياتنا ومعيشتنا نحن نحتاج الى تفسير لها.
داعش بنفس القدر والحماسة يمسي المناطق التي وقعت تحت سيطرته بأنه حررها من القوة الكافرة والخوارج او الصفويين لاقامة خلافته وتطبيق الشريعة والقوانين بما يتناسب ومعتقداته. وبالمقابل الحشد الشعبي وجيش العبادي يصرحون بأنهم سيتحررون الفلوجة والمناطق الأخرى من سيطرة داعش السلفي والارهابي.. اذن من هو المحتل ومن هو المحرر في وجه نظر المظلومين الحقيقيين؟ لا شك ان الجماهير الساكنة في الفلوجة هم شعب مثل بقية الشعوب ومدينة مثل بقية المدن الاخرى في العالم ، لديهم طموحات واماني انسانية كي يعيشوا بسلام ورفاه وان يستمروا بالحياة. اذن ماذا يعني تحرير الفلوجة من وجهة نظر داعش وتحريرها من وجهة نظر الحشد الشيعي والعبادي؟ هل سيتم ترسيخ القيم الانسانية والمبادئ الانسانية بدلا من الوحشية والبربرية؟ وهل ستتحرر النساء من قيود القيم والتقاليد الذكورية والقوانين الرجعية الاسلامية؟ وهل سيعيش الاطفال الابرياء من دون رؤية الدمار والموت والذبح والتعذيب يوميا ويعيشوا مثل بقية الاطفال في العالم مع اللعب واللهو؟ وهل ستتوقف معانات الامهات والاباء من شر المعارك والانتقام الطائفي والتي تحرق فلذات اكبادهم؟ وهل ستتحرر الجماهير العمالية والكادحة من الفقر والحصار وانعدام فرص العمل وتأمين حياتهم بشكل طبيعي؟ وهل سترسخ حرية العقيدة والتفكير والحريات السياسية؟ وهل سيتحرر الناس من القيود على اختيار نمط حياتهم ومعيشتهم وملبسهم ومسكنهم؟... اذا هناك قوة تقوم بتحرير كل هذه المسائل فيستحق تسميتها بقوة التحرير وتسمية محاولتها بالعملية التحررية، عدا عن هذا لا توجد معاني اخر تسمى بـ"التحرير".
ان اهالي الفلوجة هم بين كماشة داعش من جهة وجيش العبادي والحشد الشعبي من الجهة الأخرى، وان الاختيار سيكون بين اقل الاسوئين. ان من يقتل منهم يقتل! ومن يبقى فسيكون عرضة للتعذيب والاهانات ويواجهون الموت البطئ او ترهن حياتهم بالتعاون مع القوة المسيطرة. فلا يوجد هناك فرق بين حاكمية داعش وحاكمية الحشد الشعبي وجيش العبادي بالنسبة للجماهير المظلومة، ولن يتحر اي شيء بالنسبة لهم بسيطرة داعش أو جيش العبادي على حاكمية هذه المدينة!! على الرغم من وجود داعش الارهابي والذي لا مثيل له في الفلوجة فان تنظيف المدينة منهم سيكون بمثابة تنفس لاهالي المدينة، ولكن هذا الأمر لا يغير شيئا من المعانات الطائفية التي يواجهونها وأستبدادية السلطة..
ان التحرير من هنا تاتي معانيه اي بمعني تحرير المظلومين والمحرومين من الظلم ومن المعانات والمآسي. ولكن استبدال الحاكم بحاكم اخر من دون التغيير في حياة المحروميين ليس تحريرا ولا تتجسد هذه المعاني فيه. وان التحرير الفعلي ياتي من المحرومين انفسهم تحررهم من الاضطهاد والفقر والمعانات واستعادة حرياتهم السياسية والأقتصادية.. الخ. وان التحرير يأتي بأرادة المظلومين انفسهم وبتطلعاتهم وامانيهم وانسانيتهم. وان اهالي الفلوجة اذا ارادوا التحرر فعليهم طرد كل القوى الطائفية سواء السنية او الشيعية من المدينة، وان يتحدوا بوجه الطائفيين الشيعة او السنة او القوميين البعثيين وان يشكلوا مجلسا بعيدا عن هذا التقسيم الطائفي والقومي لحاكمية المدينة، كي يتخلصوا من هذه المعانات والتي طالتهم منذ الاحتلال الامريكي وحتى الان والتي يدفع ثمنها جماهير الفقراء والمحرومين من حياتهم ومن معيشتهم.. والى متى بأمكان القوة السياسية المختلفة من البعثيين والاسلاميين والطائفيين ان تلعب بمصير اهالي الفلوجة وتدمر بيوتهم وحياتهم ومصير اجيالهم.. ان معانات جماهير هذه المدينة تأتي من الصراع الدائر بين القوة الطائفية والقومية، بالأمس مع امريكا والتي دمرت المدينة بشتى أنواع الاسلحة الفتاكة، حيث انتشرت التشوهات الجينية جراء استعمال هذه الاسلحة والمواد المدمرة على المدينة.. واليوم هي ضحية الصراع بين داعش السني والحشد الشعبي الشيعي وجيش العبادي، وفي كل الاحوال تدفع الجماهير ثمن هذا الصراع، اناس لا دخل لهم بهذا الصراع ولكن وجوهم في منطقة تعتبر معقلا لقوميين والعروبيين طوال العقود الماضية جلب لهم الويلات والدمار. ان احد الاثار المدمرة للنزعة القومية تجدها في الفلوجة والامها وليس فقط افكارها المناهضة للانسانية والجوهر الانساني.
للاسف ان الحل والبديل الانساني لجميع القضايا لمثل مدينة الفلوجة، ضعيف جدا وان القوة التي ترتكز على الانسانية وعلى تحرير المظلومين هي في ضعف مستمر، ولكن ليس امام اهالي الفلوجة الا التخلص من كل القوى القومية والطائفية بأنفسهم بعد داعش، ولا يدعوا من بعد ذلك اية فرصة لنموا هذه الافكار والقوى بين صفوفهم، ولا يدعوا اية فرصة لتسميتهم بالقوميين او السنيين او الداعشيين.. ولا يتركو الفرصة للمنتقميين "السنيين والشيعيين" للتواجد بين صفوفهم، وأن يحملو الراية الانسانية البعيدة عن تلك التصنيفات الوهمية والمصطنعة. وان بأرادتهم بأمكانهم ابعاد انفسهم عن كل هذه المشقات والمعانات التي يواجهونها.

 

مقالات