سمير عادل

نحو دولة الافقار وهيئة الامر بالمعروف والتخلف العشائري

ليست رائحة القتل، والاعدامات الجماعية سواء التي ترتكبها عصابات داعش او المليشيات المنضوية تحت عنوان "الحشد الشعبي" وبأعتراف حكومة العبادي بها والمنظمات الحقوقية الدولية، وليست رائحة الفساد، ولا رائحة الجيفة التي تهيجها حرارة الشمس التي وصلت الى حدود الخمسين درجة في ظل غياب الكهرباء، هي الوحيدة تزكم انوف الاحياء في "العراق الجديد"، بل تهب معها راحة افقار جماهير العمال والموظفين والكادحين، ورائحة القمع الديني، ورائحة احياء التخلف العشائري، بعد فشل قمع الدولة ضد المعارضين والمخالفين السياسيين.
والروائح الكريهة الجديدة التي اوصلتها رياح حكومة العبادي الفاشلة في كل شيء الا في افقار العمال، الى اعلى مدياتها في المجتمع، تعلو عليها صوت معركة "الفلوجة" التي قالها العبادي لا صوت يعلو فوق معركة تحريرها، من اجل تمرير كل سياساته المعادية للاغلبية المطلقة لجماهير العراق.
وليس صدفة ابدا ان تتزامن القرارات الجديدة لحكومة العبادي في قطع ١٥٪ من رواتب العمال والموظفين، مع اطلاق يد الشرطة المحلية التي اخذت دور هيئات "الامر بالمعروف والنهي على المنكر" التي فشلت في توفير الامن للمواطنين، باعتقال المئات من الاشخاص الذين كما يصفونهم "اشهروا افطارهم" في ايام شهر رمضان" ولم يراعوا احترام الصائمين، في الوقت الذي لم تحترم لا الحكومة الاتحادية ولا الحكومات المحلية، اضعاف عدد الصائمين وحريتهم بأختيار عقيديتهم او ممارسة طقوسهم وشعائرهم. انها لم تحترم الحد الادنى لحقوق الانسان في كل شيء، لكنها تحاول فرض قمعها على جماهير تحت عنوان "الشهر الكريم".
ان ما تفلعه الحكومات المحلية، هي سياسة استعراض لعضلات القوى الاسلامية وميليشياتها. انها تنافس داعش في فرض العقيدة على المجتمع. فلا يمكن تمرير سياسة التقشف، وسياسة الافقار، وسياسة طرد العمال والموظفين من العمل تحت عنوان "الخصخصة"، وسياسة قطع الرواتب والمعاشات، دون تقوية براثن الدين ومؤسساتها القمعية. انها عملية تلويح بالعصا لكل من يعترض على سياسة حكومة العبادي الفاسدة والحكومات المحلية التي لا تقل فسادا عن الحكومة المركزية في بغداد. بيد ان دولة الاسلام السياسي، دولة اصحاب شركات فلاي بغداد والمنتوجات والتسويق النفطي وزين للاتصالات وبنك الوركاء وعلاوي الدورة والتجارة العراقي...الخ من الشركات التي يديرها المجلس الاسلامي الاعلى وحزب الدعوة والفضيلة والتيار الصدري ومنظمة بدر، نقول ان دولة الاسلام السياسي لن تكتف بتشديد سياسة التقشف، وسياسة قمع المجتمع دون إطلاق يد قوى جديدة تساعد الدولة البوليسية في تنفيذ اجندتها السياسية والاجتماعية والفكرية. تلك القوى هي التقاليد والاعراف والقوانين العشائرية عن طريق احيائها وتحضير روحها المنقرضة. فعندما نقول ان القوى الراسمالية او البرجوازية تتشابه وتتطابق في سياستها وتستفيد من خبرة بعضها، يرتفع زعيق معارضينا بأن التخلف والروح القروسطية ملازمة فقط للتيارات الدينية بما فيها الاسلامية وليست لها علاقة مع بقية التيارات البرجوازية الاخرى. لكن الوقائع تثبت دائما صحة ما نذهب اليه، فالبعث القومي، عندما وجد نفسه لا حول له ولا قوة بعد انتفاضة اذار ١٩٩١، حيث دمرت الجماهير جميع الاجهزة القمعية في اغلب المدن العراقية، بعث روح وتقاليد وقوانين العشيرة التي مضى على الغائها ما يقارب ثلاثة عقود عندما الغت حكومة عيد الكريم قاسم قانون العشائر عام ١٩٥٩، لتحل محل الدولة واجهزتها القمعية. وهكذا فعل حزب الدعوة بقيادة المالكي، الذي مضى على خطى البعث في احياء كل تقاليد وعفونة العشيرة. واليوم نفس حزب الدعوة وبالتنسيق مع القوى الاسلامية الاخرى يعقد مؤتمر عشائري في محافظة واسط، ليصدر قرار ضد الذين يخرجون في الاحتجاجات ضد حكومة العبادي الفاسدة. اي بمعنى اخر هدر دم كل من يحتج تحت شعار "باسم الدين باكونا الحرامية".
ان هدر دم المتظاهرين، هو جريمة جنائية ويجب تحويل جميع المؤتمرين الى المحاكم الجنائية بتهمة التحريض على القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد. لكن حكومة بغداد وحكومة واسط المحلية والقضاء العراقي ومجلس النواب، يلتزمون الصمت امام هذه الجريمة البشعة. لان الثالوث السياسي: تشديد سياسة التقشف، وتحويل الشرطة المحلية الى هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهدر دم المتظاهرين ضد الفساد والظلم والافقار، هو التكتيك الجديد لدولة الاسلام السياسي الشيعي في عبور ازمتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في "العراق الجديد".
وتحت عنوان "معركة الفلوجة" تعد القوى الاسلامية الطبخة جيدا لإرضاخ المجتمع، وفرض العبودية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لصالح الرأسماليين الجدد بعمامة وعباءة ليحلوا محل الافندية القدماء.
ان النضال ضد سياسة التقشف، والنضال من اجل حرية العقيدة، والنضال من اجل الحرية السياسية، هو وحدة واحدة ولا يمكن الفصل بينهم. وان الطريق لتخليص المجتمع من الظلم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، هو بتخليص المجتمع من الاسلام السياسي. ولقد أكدنا على هذه الحقيقة مرات ومرات، وتثبت الوقائع اليومية لا متنفس للمجتمع وخاصة الاغلبية المطلقة وهم العمال والموظفين والكادحين دون التعجيل من تقصير عمر الاسلام السياسي في العراق.

 

مقالات