سمير عادل

انهم يغيرون اسماء المدن

قد يضيف البعض، بأن هناك مصطلحات وكلمات جديدة، اضيفت الى القاموس اللغوي الحديث، مثل الاسلام السياسي، ويعني، التخلف والانحطاط السياسي والاخلاقي والاجتماعي، ويعني الاستبداد والوحشية، ويعني العنصرية ومعاداة الماهية الانسانية، ويعني سلب الهوية الانسانية من البشرية، ويعني خنق الحريات واعادة المجتمع تقهقريا الى عصر بن تيمية والغزالي واعدام كوبرينكس وحزام العفة...الخ. ولكن المسألة تتعدى المصطلحات والمعاني في القواميس الحديثة. انها سياسة مبرمجة ومخططة تحاول قوى الاسلام السياسي في فرضها على المجتمع العراقي والمنطقة.
في شهر نيسان من هذا العام، نشر خبر حول "مؤسسة الايمان الخيرية" وبعد ذلك تبعه تقارير صحفية، وتعليقات مختلفة ومستهجنة حول "زواج المتعة" في العراق الذي دشنتها تلك المؤسسة، وفتح مكتب لها في منطقة الجادرية في بغداد، وبشكل رسمي وعلني وبموافقة السلطات الرسمية، وبأشراف احد الشخصيات المعروفة من قوى الاسلام السياسي الشيعي، وهو صادق الموسوي الذي شغل مركزا مهما في هيئة الاتصالات العراقية ابان الاحتلال. ان هذا الشكل من الدعارة الرسمية، وهي "زواج المتعة" لم يكن لها ان ترى النور وبشكل فاضح وعلني، لو يكن المجتمع العراقي لوى عنقه من قبل التيار الاسلام السياسي. والسخرية تكمن ان رجال الدين هم من ينظمون عقد الدعارة بين الرجل القادم الى المؤسسة كي يشتري الجنس، وبين المرأة التي تبغي بيع جسدها لقاء مبلغ، معين من اجل سد رمقها ورمق عائلة وحاجاتها الحياتية. وهنا لم يكتف رجال الدين بسرقة المجتمع باسم الدين كما هتف المحتجون في عموم المدن العراقية "باسم الدين باكونا الحرامية"، بل وصل برجال الدين الى مزاولة مهنة القوادة، منافسين القوادين القدماء والعتاة، ليشكلوا الطبقة الجديدة اللائقة في المجتمع الجديد، الذي تحاول القوى الاسلامية في ارساء اسسه في العراق.
ان "زواج المتعة"، وتغيير اسماء المدن الذي اول ما بدئه التيار الصدري مباشرة بعد سقوط النظام البعثي واحتلال العراق، بتغيير اسم مدينة الثورة الى مدينة الصدر، وبعد ذلك فرض الحجاب على النساء، وثم قتل عشرات النساء تحت عنوان غسل العار، ثم تهشيم رؤوس المثليين امام الملأ في المدينة التي غير توا اسمها، ومنحها اسما جديدا، وخلال هذا وذاك، تم اعلان التطهير الطائفي في كل مناطق العراق. فكل تلك الممارسات هي من اجل فرض منظومة الافكار والعادات والعلاقات والاعراف على الصعيد الاجتماعي. ولذلك ان الانحطاط الاخلاقي والاجتماعي هو جزء من المنظومة الفلسفية والفكرية للإسلام السياسي، وهو مصدر قوة هذا التيار بقدر ما هو مصدر فخره واعتزازه بالمضي على خطى السلف.
ان هول وسخرية الكارثة التي احدثتها دولة الخلافة الاسلامية في الموصل والرقة، بوحشتيها وهمجيتها، حجب على المجتمع المخطط الاخر لدولة الاسلام السياسي الشيعي في بغداد والمحافظات الجنوبية، الذي لا يقل ظلامية وقتامة عن دولة داعش الاجرامية في العراق.
فالمساعي الاخيرة لتغير اسم مدينة بابل الى "مدينة الامام الحسن"، لا يعني ان قوى الاسلام السياسي الشيعي تكره التاريخ وتكره الحضارة، اسوة بطالبان افغانستان التي دمرت تماثيل البوذا، او داعش التي دمرت تمثال "الثور المجنح" وكل معالم مدينتي الموصل وتدمر. ولا يعني ابدا ان الاحتجاجات التي اشعلت غضبا في شبكات التواصل الاجتماعي، وكتابة عشرات المقالات والتعليقات والأحاديث والتصريحات عبر وسائل الاعلام المختلفة، بأنه رفض "العراقيين" لتغيير اسم مدينة بابل الى اسم ديني شيعي لان اسم بابل جزء من هويتهم الثقافية والتاريخية. انما يعني بالنسبة لقوى الاسلام السياسي وتحت صدى انتصارات "الحشد الشعبي" في تنظيم الابادة الطائفية الجماعية في اية مدينة تدخلها، وتحت دوي قرقعة السلاح في الحرب ضد داعش، واخيرا وليس اخرا "تحرير" مدينة الفلوجة، هو المضي في تنفيذ الجزء الاخر من اجندتها الاجتماعية، والاعداد لإعلان دولة ولاية الفقيه بسواعد ميليشيات عصائب اهل الحق وبدر وحزب الله وسرايا خراسان... الخ. وفي الطرف المقابل هناك رفض شعبي واسع لمساعي وكل برامج الاسلام السياسي الشيعي، الذي ما زال يقاوم بأشكال مختلفة ولكن ايضا ما زال اعزل ولم يلجا الى السلاح لحد هذه اللحظة.
ان تغيير اسماء المدن ما هو الى بند من بنود اجندة تلك القوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وقد تطرقنا اليها في مقال سابق "نحو دولة الافقار وهيئة الامر بالمعروف والتخلف العشائري"وما تنوي اليها قوى الاسلام السياسي الشيعي بذراعها العسكري الجديد "الحشد الشعبي" الذي هلل له وزمر وطبل لصولاته وجولاته، ناشرين الاوهام حوله، وحول برنامجه واستراتيجيته السياسية والعسكرية الخفية والجهنمية، الذي هو تخطيط في حسم السلطة السياسية في العراق واعلان جمهوريتها الاسلامية. ان الحرب على داعش هي ورقة جوكر او اللوتو التي حازت عليها قوى الاسلام السياسي الشيعي.

 

مقالات