سمير عادل

التراجيدي البريطاني والكوميديا العراقي في تقرير تشيلكوت

من الممكن التطرق الى جوانب عديدة في تقرير تشيلكوت البريطاني الذي أطلق يوم 6 تموز حول الحرب على العراق، حيث أستمر اعداده مدة ثمان سنوات وبتكلفة 10 ملايين جنيه استرليني. بيد اننا سنسلط الضوء على اهم ما يفضحه المشهد البريطاني من استنتاجات في التقرير والمشهد العراقي من كوميديا اقرب ان تكون الهية*.
ان واحدة من اهم النقاط التي من الممكن استنتاجها من التقرير، هي عدم ذكر تداعيات الحرب على العراق وما افرزتها من دمار وماسي التي تعيشها جماهير العراق، لحد لحظة اشتعال جحيم منطقة الكرادة التي يتصاعد فيها عدد الضحايا منذ ٢ تموز اثر التفجير الدامي ولم يتوقف الى الان. ان التقرير بالرغم من محاولته كشف الحقائق حول ملابسات قرار الحرب، ولكن من زاوية مصالح الهيئة الحاكمة في بريطانيا والحفاظ على تفوقها السياسي والعسكري في العالم. لقد تغافل التقرير عن عمد ما خلفته تلك الحرب القذرة من تداعيات على المجتمع العراقي وجماهيره. والنقطة الاخرى هي ان التقرير ركز على أن قرار الحرب على العراق، قلص من دور بريطانيا ونفوذها وتأثيرها في الشرق الاوسط وعلى الصعيد العالمي، لكنه تناسى عن عمد ايضا بأن تداعيات تلك الحرب سواء كانت شرعية او غير شرعية من وجهة نظر الطبقة الحاكمة في بريطانيا، وسواء شنت بالقناعة التامة ورضى وموافقة واضعي التقرير، هي ان العالم لن يكون اكثر امانا من الان. وان النظام "الديمقراطي" الغربي، تحركه الوحوش الكاسرة لجني الاموال والارباح باي ثمن وعلى حساب ارواح الملايين، كما وضحتها رسائل بلير حول علاقة الشركات النفطية مثل برتشبترليوم (بي بي) وشيل مباشرة بقرار الحرب على العراق.
ان التقرير يوضح دون قصد، بأن بن لادن وابي مصعب الزرقاوي وابو بكر البغدادي ليسوا الا حمائم مقارنة ببوش الامريكي وبلير البريطاني وهاورد الاسترالي وبريلسكوني الايطالي، الذين شنوا الحرب على العراق. بيد ان الفرق بين قادة الجماعات الارهابية في الشرق، والارهابيين في الغرب، هو ان الاولى تستمد القوة والشرعية من جرائم ووحشية سياسات الثانية، بينما تستمر الثانية من رد فعل الارهابيين الاولى، ليحولوا بمجموعهما العالم الى جحيم لا يطاق، كما نشهده اليوم في العراق وسورية وباريس وبروكسل وكاليفورنيا واسطنبول ودكا واليمن وليبيا...
صحيح ان التقرير، لم يبغ منه تقديم صانعي قرار الحرب على العراق، الى المحاكمة، ولا يقصد من ورائه، حتى ادانة الحرب. وعلاوة على ذلك، قدم التقرير النصائح بالتأني حول قرار الحرب، وتهيئة الاستعدادات العسكرية والمدنية وتعبئة الراي العالمي واتباع السبل القانونية، واستنفاذ كل الطرق الدبلوماسية، قبل شن الحرب.. بيد ان الصحيح ايضا، ان تداعيات التقرير، يثبت صحة ما هتفت الحناجر المليونية عشية الحرب على العراق في شوارع لندن ونيويورك وواشنطن وسدني وباريس وروما ومدريد، بأنها حرب المجرمين بوش وبلير، حرب الارهابيين الجدد، حرب الكذابين والافاقين، حرب من اجل ارباح الشركات الرأسمالية. ان محتوى التقرير بحد ذاته لا يشكل خطر على بلير، ولكن ما وراء التقرير هو الذي يرعب بلير، واقصد اعادة شحذ الهمم وحقانية المطالبة في محاكمته كمجرم حرب او على الاقل توجيه تهمة إشعال حرب غير شرعية وما زالت تداعياتها يعيشها العالم والمنطقة معا بأسوأ فصولها ومشاهدها، ولذلك خرج بوش وبعده هاورد بالدفاع عن ذهابهم في الحرب على العراق، والدفاع عن حليفهم القديم توني بلير، لأن فيه الدفاع عن أنفسهم.
اما ما يخفف من الم تراجيديا المشهد البريطاني للتقرير هو ما عكسه المشهد الكوميدي العراقي في التقرير، حيث تعالت الصيحات من النواب في البرلمان العراقي، من دولة القانون وكتلة الحل والتيار الصدري، برفع قضية في المحاكم الدولية لمطالبة الحكومتين البريطانية والامريكية بالاعتذار للشعب العراقي من اجل دفع التعويضات بسبب غزو العراق. فمئات المليارات من الدولارات من مبيعات النفط منذ ما يقارب عقد ونصف، قد نفذت على يد لصوص العملية السياسية، وما زالت بغداد في اعلى قائمة اقذر مدن العالم، فآن الاوان البحث عن اموال اخرى لنهبها. ويبدو حماوة الجنيه الاسترليني، انست اولئك في البرلمان العراقي، بأنه لولا غزو العراق لما كان امثالهم يجلسون تحت هواء التبريد بينما الملايين من جماهير العراق تطبخهم حرارة الصيف بسبب انقطاع التيار الكهربائي. والمضحك في المشهد العراقي في التقرير ايضا، انهم لا يطالبون بتقديم بلير وبوش وهاورد لمحاكمتهم كمجرمي حرب، ولا يتجرؤون حتى التفكير بها. لان المطالبة بمحاكمة اولئك النصابين، ستجر اعترافاتهم على كل اولئك الذين جلسوا ويجلسون تحت قبة البرلمان العراقي وشرعوا للحرب واحتلال العراق. وذاكرتهم محيت منها تلك الحقيقة، وهي بان البرلمان العراقي هو ثمرة الحرب واحتلال العراق، بسبب قوة الجنيه الاسترليني وتفوقها على الدولار الامريكي بالرغم من خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي. ولو لا المالكي والعبادي وعبد المهدي والجعفري ومحمد باقر الحكيم واياد علاوي والجلبي.. لما استطاع المجرمين امثال بوش وبلير ان تدوس اقدامهم رؤوس جماهير العراق ويحولوا حياتهم الى جحيم يومي تحرق بناتهم وابنائهم، لتكون أقسى وأبشع مما كانت عليه ايام نظام البعث الدموي.
وقد فشل التقرير بالإشارة بشكل صريح ان حرب العراق رفعت الغطاء عن بالوعة امتلأت بالصراصر الاسلامية، لتتحول بعد ذلك الى ديناصورات طائفية بعد غزو العراق، واتباع نفس سياسة الحرب في سورية والمنطقة، ليتحول العالم، اما الى ملجأ كبير للملايين من الهاربين من جحيم الحروب او الى اهداف للعصابات الاسلامية في كل مكان من هذه الدنيا.
واخيرا بالنسبة لنا، ان التقرير اثبت من جديد حقانية ما ذهبنا اليه عشية الحرب وتحديدا امام ابواب قاعات مؤتمر لندن، وحيث كان الحزب الشيوعي العمالي العراقي الوحيد من قوى المعارضة العراقية وقف ضد الحرب دون اية مجاملة او لف او دوران، يهتف ضد من يعدون لطبخة الحرب على العراق بالتعاون والتنسيق مع ممثلي الحكومتين البريطانية والامريكية. وعلينا نحن ايضا هو ان نقدم كل لصوص وحرامية بغداد، الذي شرعوا للحرب واحتلال العراق ووضعهم في قفص الى جانب اخوتهم بوش وبلير وهاورد لمحاكمتهم لمجرمي الحرب.
• الكوميديا الألهية لدانتي

مقالات