فالح مكطوف

صور من سياسات إنتهاك حقوق الإنسان في العراق في زمن النظام السابق

لقد كانت السمة الغالبة لدى النظام السابق هي انتهاكاته المكررة لحقوق الإنسان ودليل ذلك هو تعدد الجهات التنفيذية لممارسة تلك الإنتهاكات إضافة الى شروع النظام بدمج مؤسسة الدولة بمؤسسة الحزب الحاكم، لتأكيد نمطه الشمولي وتفرده بالحكم؛ حيث أفرغ النظام حزبه التابع له من مهامه كتشكيل سياسي؛ يختص بواجبات محددة والتي لا تختلف عن أي حزب آخر، ليجعل منه رديف للسلطة التنفيذية باعتبارها الجهة ذات الاختصاص بتنفيذ القوانين، فقد صدرت تشريعات منفردة في غرابتها أعطت لحزب البعث الحاكم حق تنفيذ عقوبة الإعدام خلال حرب الخليج الثانية للهاربين من الخدمة العسكرية، حيث نص احد القرارات انه "يعاقب بالإعدام من قبل المنظمة الحزبية بعد التثبت من واقعه جريمة الهروب والتخلف عن الخدمة العسكرية بكل هارب أو متخلف يلقى القبض عليه بغض النظر عن عدد مرات الهروب ومدته"(1)، كما ينص قرار اخر على انه "ينفذ حكم الإعدام من قبل المنظمة الحزبية بعد التثبت من واقعه جريمة الهروب والتخلف عن الخدمة العسكرية بكل هارب أو متخلف يلقى القبض عليه بغض النظر عن عدد مرات الهروب ومدته وينص القرار أيضا على أنه "ينفذ حكم الإعدام من قبل المنظمة الحزبية بكل عضو قيادة فرقة في حزب البعث العربي ألاشتراكي فما دون وبكل مسؤول أمني أو مسؤول شرطة يثبت عليه أنه على علم بوجود هاربين أو متخلفين من الخدمة العسكرية في المنطقة المسؤول عنها ولم يتخذ إجراء ضدهم أو يبلغ السلطات عنهم"(2) إن إيكال تنفيذ عقوبة الإعدام بجهاز قمعي مضاف الى الأجهزة القمعية الأخرى المخابرات والأمن العامة والاستخبارات والأمن الخاص، يعني ترهيب المجتمع ويعني أيضا إنتهاك أبسط القيم الإنسانية سيما أن هذه الجهة السياسية سوف تقوم مقام القاضي والمنفذ للحكم بالإعدام. وبالتالي فان الدولة في العراق هي المدين بالإنتهاكات ومؤكد انه ليس "من المقبول عقلاً ولا منطقاً أن تكون الدولة هي المدين الأول في انتهاك حقوق الانسان، وفي نفس الوقت تتولى هي بنفسها الإشراف على هذه الحماية"(3)، لأن حقوق الإنسان" تمثل، مصلحة جوهرية لا يمكن للمجتمع الدولي ولا لأي عضو فيه أن يستغني عنها. ومن ثم فان القواعد القانونية التي تحمي هذه المصلحة يجب أن تتصف بالطبيعة الآمرة، بحيث لا يجوز مخالفتها، ويبطل كل إتفاق يتم بالمخالفة لها"(4) ويلاحظ أن هنالك العديد من القرارات والأوامر التي تعبر عن إنتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان فقد "أصدرت وزارة الداخلية العراقية أمرها المشهور رقم (2884) بتهجير العراقيين من شريحة الكورد الفيليون لإيران، وهي أول جريمة جماعية يرتكبها النظام السابق، إذ تم تهجير أكثر من نصف مليون مواطن عراقي بعدما سلبت أموالهم وأملاكهم وحجز أكثر من 20 ألف شاب من أبنائهم تمت تصفيتهم فيما بعد"(5) كما "أصدر وزير الداخلية العراقي في عام 1980 قرارا ينص على تسفير من وصفهم بالإيرانيين الموجودين في القطر وغير الحاصلين على الجنسية العراقية، وكذلك المتقدمين بمعاملات التجنس أيضاً ممن لم يبت بأمرهم والمقصود بهم العراقيون من التابعية الإيرانية، كما نص القرار على الاحتفاظ بالشباب الذين تتراوح أعمارهم من 18-28 سنة والاحتفاظ بهم في مواقف المحافظات إلى إشعار آخر، كما أكد القرار على فتح النار على من يحاول العودة إلى الأراضي العراقية من المسفرين الذين جرى إلقائهم قرب الحدود الإيرانية في أوضاع بالغة السوء بعد أن نهبت ممتلكاتهم. أما الابتكار الأغرب من هذا فهو إجبار الرجال على تطليق زوجاتهم من التابعية الإيرانية مقابل مبلغ قدره 4000 دينار، إذا كان عسكرياً و2500 دينار إذا كان مدنياً في حال طلاق زوجته أو في حال تسفيرها إلى خارج القطر، وقد اشترط هذا النظام من أجل منح المبلغ المشار إليه ثبوت حالة الطلاق أو التسفير بتأييد من الجهات الرسمية المختصة، وإجراء عقد زواج جديد من عراقية كما ألزم الشخص الذي استفاد من قرار مجلس قيادة الثورة أعلاه بعدم الزواج ثانية من إيرانية وفي حالة زواجه يسترد منه كافة المبلغ"(6). وكذلك من الجرائم البشعة التي إرتكبها النظام ضد الكُرد هي "جريمة إبادة الجنس البشري إذ تعدّ هذه الجريمة من أخطر الجرائم الدولية التي ارتكبت ضد الشعب الكردي في كردستان العراق، وقد اتخذت هذه الجريمة صوراً مختلفة منها:

1. من خلال تطهير العرق الكردي جغرافياً، أي من المناطق الكردية، والإبادة الثقافية وفي سياسة تعريب الكرد، ومن ذلك أيضاً ارتكاب الجريمة ضد الكرد الفيلية والعراقيين المسفرين بسبب انتماؤهم للمذهب الشيعي.

2. إبادة الجنس البشري من خلال استعمال السلاح الكيماوي ضد الكرد خصوصاً فاجعة حلبجة، وقد تكرر ذلك في الأعوام 1988 وفي 1991.

3. ضرب الأهداف المدنية بالصواريخ والطائرات أو من خلال القصف المدفعي كما حصل مع القرى الكردية الآمنة وفي أثناء الحرب العراقية الايرانية.

4. دفن البشر وهم أحياء. فقد قام نظام صدام بدفن مئات الألاف من الكُرد وهم أحياء في كردستان العراق وغيرها من المدن العراقية. وما عشرات المقابر الجماعية التي اكتشفت بعد سقوط النظام والحالات التي وجد بها الضحايا داخل هذه المقابر، كالأم وهي تحمل رضيعها معها، وسيارة الركاب المدفونة بركابها العشرين ... الخ الا دليلا على هذه الحقائق.

5. جريمة اغتصاب النساء. وقد ارتكبت هذه الجريمة ضد الشعب الكردي في منطقة كردستان.

6. جريمة زرع الألغام ضد البشر. وقد قام نظام صدام بزرع أكثر من 10 مليون لغم ضد البشر في منطقة كردستان ضد الكرد"(7)

وكانت قرارات مجلس قيادة الثورة المعبرة عن جوهر التسلط بالعراق قد أباحت حياة الإنسان لأي سبب كان، كما أباحت إنتهاك حقوقه وعدم الإعتراف بحقه في الحياة والحرية فمثلا قرر المجلس المذكور انه "يعاقب بالإعدام أي منتسب عسكري ينتمي الى جهة سياسية محظورة أو يمارس عملا سياسيا مضرا بحزب البعث"(8) "ثم تم توسيع العقوبة لتشمل أي نشاط سياسي داخل القوات المسلحة بعد أن كان في البداية مقتصرا على ما تم اعتباره مضرا أو معارضا لحزب البعث, بقرار مجلس قيادة الثورة في سنة ١٩٧٦ ــ يعاقب بالإعدام كل عسكري يمارس نشاطاً سياسياً باستثناء النشاط السياسي لحزب البعث ــ وربما بسبب الخوف من الضباط غير البعثيين الذين تم طردهم أو تسريحهم من الجيش بأن يمارسوا نشاطا سياسيا معارضا لحزب البعث، من خلال علاقتهم بضباط لازالوا في الجيش، ليتعاونوا على قلب النظام، وصدر قرار مجلس قيادة الثورة المرقم ٨٨٤ في ٣/٧/ ١٩٧٨ الذي ينص على انه "يعاقب بالإعدام العسكري ورجل الشرطة من المتقاعدين أو المتسرحين من الخدمة أو المنتهية خدمتهم لأي سبب كان بعد ١٧/٧/١٩٦٨ اذا ثبت انضمامه أو عمله لحساب أو مصلحة أي حزب أو جهة سياسية عدا حزب البعث العربي الاشتراكي"(9). وكانت عقوبة الإعدام هي الأكثر تنفيذا بين العقوبات للسياسيين ودليل ذلك الحملات ضد الشيوعيين فقد "صدرت بموجب كتاب مكتب القائد العام للقوات المسلحة 1/1/ ديواني 100 ذي العدد 2027 الصادر في 5/8/2008 قائمة تتضمن اسماء شهداء من أحزاب عديدة بينهم اسماء (1113) من مناضلي الحزب الشيوعي الذين استشهدوا خلال سني الكفاح ضد الدكتاتورية في أماكن متعددة من العراق، وذلك كوجبة اولى"(10).

إن كل تلك القرارات وغيرها تؤكد أن سياسة النظام السابق في العراق كانت ترتكز على أحادية الحزب وأحادية السلطة وكان القمع وإنتهاك حقوق الإنسان يمثل جوهر تلك السياسة الأمر الذي يقتضي تجاوز تلك المرحلة عن طريق عدم تكرار ما هو سلبي فيها ولاسيما ما يتعلق بحقوق وحريات الإنسان والعمل على عدم المساس بها. إن انتهاج منهج جديد قائم على السلم الأهلي والعدالة الإجتماعية يعني عدم تكرار مثل هذه التجربة مستقبلا.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

الهوامش

( ) انظر قرار مجلس قيادة الثورة المرقم ٢٠ في ١٨/١/١٩٩١.

(2) انظر قرار مجلس قيادة الثورة المرقم ٧٠٠ في ٢٧/٨/١٩٨٨.

(3) رياض صالح ابو العطا، الحقوق الجماعية في ضوء القانون الدولي العام، دار الجامعة الجديدة، طبعة 2009، ص34.

(4) ابراهيم احمد خليفة، الرقابة الدولية على تطبيق القانون الانساني، دار الجامعة الجديدة، 2007، ص83.

(5) عبد الهادي الركابي، وثائق لا تموت، منشورات مؤسسة الشهداء السياسيين في العراق، ص44.

(6) احمد راسم النفيس، من هم الاكراد الفيليون، مجلة النبأ، العدد 72 تشرين الاول 2004

(7) . عبد الهادي الركابي، وثائق لا تموت، المصدر السابق، ص71.

(8) انظر: قرار قيادة الثورة المرقم ١٣٥٧ في ١٩٧١.

(9) انظر مدونة الدكتور محمد مجيد على الرابط: http://saddamscruelty.blogspot.com/2009/02/blog-post_1307.html

(10) انظر موقع عين كاوه الالكتروني، بالرابط http://109.74.15.229/forum/index.php?topic=392373.0

مقالات