سمير عادل

عصابات العشائر وعشائر العصابات

عندما يحتمي وزير الدفاع خالد العبيدي، الذي تحول بين ليلة وضحاها الى بطل قومي من ورق، بعشيرته لأنه كشف ملفات الفساد في البرلمان حسب ادعاءاته، واذ لم يكن اكثر من عملية تبادل الاتهامات واستخدام استراتيجية الهجوم بدل من الدفاع بعد ان استجوب في البرلمان، وعندما يرد سليم الجبوري رئيس البرلمان ومحمد الكربولي عضو البرلمان بالدفاع عن انفسهما من خلال الاحتماء الى عشيرتهما بسبب تطاولات العبيدي، فيجب ان يعرف حتى المبتدئ بتعلم السياسة، بأن البرلمان والقضاء والحكومة في العراق ليس اكثر من ديكور واشكال كاريكاتيرية لتجميل تداعيات غزو العراق، وان المطالبة من خلال هذه المؤسسات بالإصلاح وكشف الفاسدين، ليس اكثر من صب الماء في برميل مثقوب.

ان الفارق بين الديناصورات والعشائر، هي ان الاولى انقرضت بايلوجيا وليس بالإمكان احيائها، اما الثانية فيعاد انتاجها مثلما تحضر ارواح الموتى إذا ما اقتضتها ضرورة المصالح الاقتصادية والسياسية. ان حماية العشائر اليوم للعصابات الفاسدة في العملية السياسية، لم تكن وليدة اللحظة، فهي تعود الى تاريخ العشائر في العراق، والتي كانت زعامتها تضرب بالسوط على ظهور الفلاحين وتعاملهم كعبيد في اقطاعياتها. والسر في عدم انقراضها، اي انقراض العشائر، ليس لأنها تكيفت مع الظروف البيئية واكتسبت مناعة قوية مثل الفيروسات وانواع من البكتريا، بل ان سر استمرارها هي في حاجة الطبقة البرجوازية الحاكمة لها في العراق. فنظام البعث الذي قاده صدام حسين، استخدم العشائر كمرتزقة في ملاحقة المعارضين السياسيين والفارين من الخدمة الاجبارية العسكرية بعد انتفاضة اذار ١٩٩١، وسلطة الاسلام السياسي الشيعي بزعامة حزب الدعوة الذي قادها نوري المالكي، وزع الهبات والهدايا والرشاوى على زعماء العشائر لشراء ولائهم بعد ان فشل في مساره لبناء الدولة. واليوم احتلت العشيرة في العراق مكان في المجتمع لتزاحم الدولة، فأما ان تتصالح معها وتتحول الى مؤسسة قمعية رسمية ضمن مكانة الدولة او تحل محلها، ولتكون هي الاخرى الى جانب عصابات المليشيات جزءا حيا وفاعلا في المشهد السياسي العراقي.

ان المفارقة المؤلمة هي عندما تحاول عصابة لسلب البيوت ونهبها والتي ازدادت بشكل مطرد هذه الايام وخاصة في مدينة البصرة، وعندما تدافع عن نفسك بأرداء أحد افراد العصابة قتيلا، تجد في اليوم الثاني عشيرة عضو العصابة فوق راسك يطالبونك بالدية. ان هذه المفارقة لا تدل على انهيار الاوضاع الامنية في العراق بقدر ما تدل على تفسخ القيم الاجتماعية، واتساع مديات الظلم، والغياب الكلي لأبسط القوانيين الرادعة لحماية الامن الاهلي.

لقد حلت اليوم عناصر جديدة في المشهد السياسي والامني في العراق، فالعشائر والمليشيات واحزاب اسلامية تمسك بالسلطة السياسية. فلذلك ان استهتار الاحزاب الاسلامية في عقد مؤتمر في مدينة الكوت قبل شهرين تحت مسمى مؤتمر العشائر واصدار قرار في هدر دم اي متظاهر ضد فساد الاحزاب الاسلامية، وتحت مرأى ومسمع حكومة العبادي، توضح دون اي لبس الى تداخل وتشابك المصالح بين الاحزاب الاسلامية واعادة انتاج مفهوم العشيرة. وتوضح ايضا ان الدستور والقانون عندما يفشلان في ردع المعارضين لفساد السلطة السياسية فهناك ادوات قمعية اخرى وهي العشيرة لكسر شوكة المعارضة السياسية. وهكذا نجد الادوار تتبدل بين المليشيات وبين العشائر، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، تهجم مقتدى الصدر عبر بيان له على اهالي قرى في مدينة السماوة وسماهم بأعداء الجهاد، لان اهاليها طلبوا ابعاد ميدان الرمي لمليشيا سرايا السلام التابع للصدر عن قراهم، وخاصة بعد سقوط ضحايا لاستخدامهم العتاد الحي. هذا المثال ايضا يوضح كيف ان المليشيات مستهترة بحياة الاهالي، ولا تبالي لأي شيء يردعها. ولا نستبعد ابدا بتطور العشائر والمليشيات في العراق وتوافق المصالح بينهما للاندماج الاثنين معا لتتحول الى ماكنة قمعية واحدة تستخدمها الاحزاب الاسلامية لحسم السلطة السياسية في العراق.

ان دور العشائر في العراق ليس اقل من دور المليشيات، وان احياء الاثنين معا يعني غياب الدولة والقانون بالمعنى الذي يحمي حياة الانسان والامن والامان في المجتمع. ان الاحزاب والقوى الاسلامية بالدرجة الاولى، تحاول وضع هالة وقدسية عظيمة على مفهوم العشيرة المنقرضة، مثلما تفعل مع الدين، ولذلك اهتزت عندما امطرت الجماهير مسامعها بوابل الشعار "باسم الدين باكونا الحرامية". لانها تدرك جر البشر الى الولاءات العشائرية والبطريكية وفرض قيمها المتخلفة بالانصياع وعدم المناقشة، مستفيد من انهيار الاوضاع الامنية، فبقدر ما تكون حياة الانسان مهددة في الشارع والعمل والسكن، فبفس القدر تتقوى الاسس المادية للعشيرة التي توفر الحماية لها شرط الانصياع وتنفيذ كل خزعبلات وترهات زعامات العشائر الذين يتقاسمون حصة الفساد مع الاحزاب الاسلامية في السلطة السياسية في العراق.

ان مواجهة العشيرة لا تختلف عن مواجهة المليشيات، بيد ان الفارق والذي يضاف الى المواجهة الاولى، هي شن حملة دعائية وسياسية واجتماعية ضد محاولات الاحزاب الاسلامية وقوى السلطة السياسية في العراق في احياء العشيرة وعصاباتها. ان ارساء القيم المدنية والحضارة هي البيئة التي تموت فيها فيروسات العشيرة والاحزاب الاسلامية، وهذا سر محاربة الاخيرة لها.

مقالات