سمير عادل

مجلس النواب ودكتاتورية الحرامية

 

في هذه الايام يصعد نجم مجلس النواب العراقي، ويحتل كل المشاهد السياسية، وتطغي صورته حتى على الحرب على داعش، وبات يجذب مشاهد فصوله المسرحية عدد اكبر من المتابعين والمشاهدين.

قبل البدء بتشريح فصول هذه المسرحية والى اين يريد ان يصل مجلس النواب العراقي بتضليله للجماهير التي اصبحت بين كماشه الافقار والعوز بفضل صندوق النقد الدولي وحرامية المنطقة الخضراء، نطرح السؤال، اليس من الاصول والمعتاد وحسب كل قوانين الدنيا، بأن من يوجه اليه تهمة صرف الاموال دون وجه حق او اخفائها او هناك نقص في ميزانية المؤسسة المعنية لأسباب ليست واضحة للراي العام والمؤسسات النيابية، ان يتم تحويل المتهم او المسؤول عن ذلك النقص الى القضاء، مثلما ظهر مع وزير الدفاع وبعده مع وزير المالية اثناء استجوابه في المجلس غير الموقر؟ ام الاكتفاء باستجواب الوزير المعني ومن ثم اقالته او سحب الثقة عنه لأسدال الستار على المسرحية؟

انها لعبة ذكية يلعبها مجلس النواب العراقي، فالوزير له حق ان يسرق وينهب، وعندما تفوح رائحته، يكتفي مجلس النواب باستجوابه بشكل مسرحي، ومن ثم يحجب الثقة عنه او يقيله! ما أسهل اللصوصية في "العراق الجديد" وما أسهل حياة وزرائنا وكل المسؤولين الذين قذفتهم رياح الغزو والاحتلال علينا، وما أسهل الحصول على الاموال. لقد فهمنا هناك اتفاقيات بين الدول لإقامة مناطق للتجارة الحرة، مثل اتفاقية النافتا بين المكسيك وكندا والولايات المتحدة الامريكية، والاتفاقية الاخيرة التي ابرمها اوباما مع ١١ دولة عبر المحيط الهادي، ولكن البرجوازية اللصوصية في العراق ان جاز التعبير اوجدت شيئا جديدا في الاقتصاد الرأسمالي، ولم تتوصل اليها لا النظرية الكنزية ولا مدرسة شيكاغوا مبتكري سياسة الليبرالية الجديدة، انها "اللصوصية الحرة". اي ان اي مسؤول حكومي بإمكانه ان يسرق وينهب دون اية محاسبة، ليصبح العراق بدل من ان يكون بلد جذب الاستثمارات حسب امنيات صندوق النقد الدولي، ليكون بلد جذب الحرامية واللصوص من كل حدب وصوب. وبهذه المناسبة نود ان نبين للقارئ ان سبب توتر وزير الدفاع عندما كان يستجوب في البرلمان، وسبب ارتياح وابتسامات وزير المالية الذي كان يجلس في نفس مقعد وزير الدفاع، هو ان الاول تمرد على قائمته "السنية" واصبح من "الانبطاحيين" للشيعة حسب التعريفات الجديدة في الادب السياسي لدولة القانون التي يقودها المالكي. وفي "العراق الجديد" من ليس لديه ظهر فيضرب على بطنه كما يقول المثل المصري، وتحديدا تحت الحزام، بينما كان وزير المالي يرد بشكل غير مقنع على الاسئلة الحرجة حول صرف مليون وثمانمائة ألف دولار على تذاكر الطائرات لأفراد حمايته خلال سنة، وبدلات الايجار لسكن الوزير الذي تجاوز مئات الألاف من الدولار سنويا، بمنتهى الارتياح، بل كان يستمد المتعة من اجوبته لأنه يدرك ان حزبه في التحالف الكردستاني لن يتركه لوحده، ومهما كانت التهم ومهما كانت الاجوبة غير مقنعة، فلن يستطيع احد ان يمس شعرة من راسه. اليس هذا هو قانون المحاصصة ومن يحاول انتهاكه عليه ان يبحث عن قبر لنفسه.

ولنعود الى مجلس النواب، الذي مع السلطة التشريعية التي هي الحكومة والقضاء يشكلون فريق متكامل ومتناغم ومتجانس يشبه فريق كرة الطائرة. فالحكومة ترفع "تسرق" ومجلس النواب يكبس "يضيف الشرعية بشكل مباشر وغير مباشر على اللصوص وسرقات وزراء الحكومة ويمرر صفقاتها"، والقضاء يصد الضربات "يبرء الفاسدين اما لعدم كفاية الادلة، او لا توجد ادلة من الاساس". ولهذا لم يقدم اي من الوزيرين المذكورين الى القضاء، لأنه ليس هناك اي دليل من الاساس وليس هناك من يقدم شكوى ضدهما.

واخيرا يتهموننا نحن الشيوعيين بأننا لا نؤمن بالديمقراطية، ولا نؤمن بالانتخابات، ولذلك نشن حملة دعائية وتحريضية بشكل مستمر ضد مجلس النواب. واليكم جوابنا، نحن مع الانتخابات الحرة، ومع كل المؤسسات النيابية التي تنبثق عن الانتخابات. والنقطة الاخرى نحن مع المساواة التي هي اوسع من الديمقراطية، فالتجربة على الاقل في "العراق الجديد" علمت الجميع بأنها اي الديمقراطية، حكم اقلية اللصوص والحرامية ضد الاغلبية المطلقة للجماهير. ومن يعتقد ان الانتخابات المقبلة ستغير، او تطيح بهؤلاء اللصوص لمجرد ان الجماهير لا تريدهم او لا ترغب بهم او لان لديهم ملفات وسجلات بالفساد والقتل والنهب، فهو اما من المستفيدين من هذه الاوضاع، سواء كان موظف في أحد هذه المؤسسات الفاسدة او واحد من حاشية الاقلام المأجورة، او انه يحاول ان يرى انفه عنوة بشكل كامل بدون مرآة. اي بعبارة اخرى عندما تكون هناك مساواة اقتصادية بين البشر في العراق، وعندما اقلية من حرامية ونهابة الثالوث الفاسد مجلس النواب والحكومة والقضاء، ليس باستطاعتهم ان يملكوا الثروات التي سرقوها ويكونوا متساويين مثل بقية الجماهير، عندئذ وفقط من الممكن الاطاحة بالثالوث المذكور. ان الديمقراطية في الحقيقة التي اعموا اعيننا بها طوال هذه السنوات، ليس أكثر من ابرام الاتفاقات بين الكتل القومية والطائفية بالخفاء، وبعد ذلك يأتي دور مجلس النواب كي يمررها، خادعا بذلك الجماهير، ومصورا في نفس الوقت انها تمرر بشكل ديمقراطي. الم يفعلوا كذلك مع استقطاعات رواتب العمال والموظفين، وخصخصة الكهرباء، وفرض الضرائب. الم يغض النظر ولم يناقش المجلس اين ذهب فائض الميزانية وقدره ٢٠ مليار دولار التي أعلنها المالكي في منتصف ولايته الثانية، دون ان يسأل عليه حتى أشرف شرفاء مجلس النواب بقديمه وجديده. وعندما قلنا بأن راتب عضو مجلس النواب يجب ان يساوي راتب العامل الماهر، ويكون نفس المجلس النواب له دور السلطة التنفيذية، عندئذ فقط يتحول مجلس النواب من مؤسسة طفيلية، جسد طفيلي في المجتمع الى مؤسسة عاملة. وعندها تصبح الانتخابات والمؤسسات النيابية لها معنى، والديمقراطية يكون لها معنى، بمشاركة الاغلبية من الجماهير في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

مقالات