سمير عادل

مجلس السياسات الاستراتيجية بين معركة الموصل وصك الاسنان

الاستعدادات جارية على قدم وساق على الصعيد الاعلامي والسياسي والعسكري لإنهاء سيناريو داعش من العراق. ومعركة الموصل التي يتحدث عنها الاخوة الاعداء من القوميين والاسلاميين بجميع تلافيفهم دون استثناء هي السيناريو الجديد لانهاء سيناريو داعش والدخول في معادلات سياسية جديدة.

نقول ان داعش هو سيناريو، لان داعش من الناحية العسكري والكيان الجغرافي لم يكن ان يقوم له قائم لو لا الدعم العسكري والمالي واللوجستي للثالوث الاقليمي وهو تركيا والسعودية وقطر، وبتواطؤ الادارة الامريكية. وكان يراد من هذا السيناريو وضع حد لهيمنة الجمهورية الاسلامية التي تقف ورائها روسيا في العراق وسوريا وعموم المنطقة. ولكن مثلما فشل مشروع الشرق الاوسط الجديد الذي شرعت به ادارة بوش الابن عن طريق احتلال العراق، فشل المشروع الاخر وهو شرق اوسط جديد بهيمنة الاسلام السني على المنطقة وعلى حساب دماء وحياة الملايين من النساء والاطفال والشباب والشيوخ في العراق وسوريا، وايضا دفع ثمن ذلك المشروع الحقير الابرياء في تركيا وفرنسا وامريكا وبلجيكا وعموم دول العالم.

المعلومات التي سربتها بعض وسائل الاعلام حول وجود مشروع مجلس السياسات الاستراتيجية قدم من قبل فؤاد معصوم رئيس الجمهورية، وعلى ان يضم كل من اياد علاوي ونوري المالكي وحيدر العبادي ومقتدى الصدر واسامة النجيفي، مرتبط بشكل مباشر لمرحلة ما بعد انهاء سيناريو داعش في العراق، ويدخل ضمن الاستعدادات السياسية للقوى الطائفي والقومية للمرحلة المذكورة.

لقد تحدثنا في عام ٢٠١٤ وأكدنا على ان عراق ما قبل ١٠ حزيران لن يكن العراق نفسه ما بعد ١٠ حزيران وهو تاريخ سقوط الموصل بيد عصابات داعش. واليوم تحاول القوى القومية والطائفية اعادة عقارب الساعة الى الوراء، واعادة الجغرافية السياسية للعراق الى ما قبل ١٠ حزيران ٢٠١٤، وكل المعادلة السياسية برمتها الى ما قبل ذلك التاريخ، وحتى الى ما قبل تولي المالكي ولايته الاولى. اي بشكل اخر هي محاولة فاشلة من قبل القوى القومية والطائفية البرجوازية التي وافقت على شروط صندوق النقد الدولي في افقار جماهير العراق ورميهم في سوق البطالة وبين مخالب وحش الجوع، وايدت كل المشروع المعادي للعمال والموظفين في العراق لحكومة العبادي، وهي سياسة التقشف للتستر على سرقة اللصوص المذكورة اسمائهم والذي أفرغوا ميزانية العراق، نقول محاولة فاشلة لتسكين الازمة السياسية او للحيلولة في ادارتها الى اجل مسمى، قبل ان تنفجر وتتشظى مع تشظي العراق الى كيانات جديدة سواء بشكل فدرالي او دويلات. ومجلس السياسات الاستراتيجية الذي كان محاولة من قبل الادارة الامريكية في عام ٢٠١٠ لرشوة اياد علاوي الذي حصلت قائمته على ٩١ مقعد في الانتخابات، بعد اصرار المالكي الذي فازت قائمته بـ ٨٩ مقعد، وبدعم إيران وحلفائه في التحالف الوطني الشيعي ان يبقى على راس الحكومة. وقد رفضه التحالف الشيعي حينها وقال عنه غير دستوري.

ان القوى القومية والاسلامية البرجوازية، تدرك جيدا وبعد اكثر من عقد من الزمان ليس بمقدور أحدهما ان تنهي الأخر ويحسم مصير السلطة السياسية لصالحها. وليس محاولات جميع صنوف التحالف الشيعي، بما فيهم رئيس الوزراء العبادي في اشراك مليشيات الحشد الشعبي في معركة الموصل، الا خطة في اقصاء القوى العروبية التي التحفت اليوم بلباس طائفي وبعنوان "عرب السنة" من المشهد السياسي وارضاخ العراق تحت سلطتها. الا ان هذه الخطة تصطدم برفض الادارة الامريكية وبحلفائها الاقليميين من الثالوث المذكور. ومن جهة اخرى ان احياء مشروع مجلس السياسات الاستراتيجية، بقدر ما هو عملية لتحسين مكانة الاتحاد الوطني الكردستاني الذي ينتمي اليه فؤاد معصوم في المعادلة السياسية، بعد ان هيمن غريمه الديمقراطي الكردستاني على المشهد السياسي الكردستاني ويعتبر طرف قوي في المعادلة السياسية العراقية، بنفس القدر هو تأجيل عملية كسر العظم وتهشيمه بعد ثلاثة عشر عام من النفاق السياسي وتقبيل اللحى ودعوة بعضهم البعض الى الولائم في العلن، اما في السر فميليشيات كل طرف تنظم علميات التطهير الطائفي والقومي ضد الابرياء المصنفين تحت هويتهم الاجتماعية في كل فرصة سانحة لهم.

ان استهتار هذه القوى القومية والطائفية البرجوازية بمصير الجماهير، ووضع الخطط، ناجم عن ضعف حركة الجماهير المستقلة واحزابها الثورية. ولا يمكن نقل العراق الى بر الامان، وتخليصه من الاقتتال الطائفي والقومي، الا بأن يصل وعي الجماهير وبالأخص مقدمتها الطبقة العاملة التي حملت كل المصائب على كاهلها، الى درجة بأن تدرك كل اصلاحات العبادي وترهات الصدر ومزايدات علاوي وعمالات النجيفي وعنتريات المالكي، ليس الا تخدير لها بإشكال مختلفة اي لجماهير العراق من اجل استغلالها واستثمارها وسرقة أكبر قدر ما يمكن من ثرواتها. ان الطريق الى الامان والرفاه هو في كنس هذه القوى من العراق وليس بمناشدتها الاخلاقية والانتظار من ضمائرها الميتة ان تصحو، واللهاث وراء اوهام الاصلاح..

مقالات