سمير عادل

تقسيم العراق نحو تقسيم الكعكة

وردتني رسائل من عدة اصدقاء وزملاء قبل فترة قصيرة، يسئلون عن مرحلة ما بعد انتهاء سيناريو داعش، وهل ستمر مرور الكرام، دون ان تنتهي بتقسيم العراق. وكنت قد اجبت عن هذه المسالة بشكل مقتضب، وهنا سأطرح المسألة من جديد وبشكل تفصيلي اكثر وخاصة قد بدأت مرحلة الانتهاء من سيناريو داعش، ومن المستفيد من تقسيم العراق في خضم تشكيل معادلات سياسية جديدة خلال المرحلة القادمة.
الاستماته بمشاركة مليشيات "الحشد الشعبي" الشيعية بالمشاركة في معركة الموصل لطرد داعش منها، ليس ناجم عن المزايدات الوطنية الفارغة من المحتوى ولا تسمن في زمن ولت فيها الترهات القومية والوطنية، وحلت محلها الطائفية كحلة جديدة تلائم بدائل القوى البرجوازية المحلية بتلاوينها القومية والطائفية، الاقليمية والعالمية. ولا لان الموصل ارض عراقية ومن حق القوى العراقية فقط العمل على تحريرها، والا لماذا تلك المليشيات تستنجد بالحرس الثوري الايراني والعبادي يستنجد بالمستشارين الامريكيين والنجيفي يستنجد بالعثمانيين الاتراك؟..
ان التيار القومي العروبي الذي لبس الزي الطائفي، وصل الى قناعة تامة لا يمكنه ازاحة السلطة الشيعية من على سدة الحكم. وإذا رفض مشروع بايدن وهو قرار غير ملزم من الكونغرس الامريكي في تقسيم العراق الى اربعة فدراليات، في الجنوب وكردستان والمناطق الغربية وفدرالية بغداد في عام ٢٠٠٥، فأنه قد ارسل الوفود منذ فترة الى واشنطن وقبل الايادي من اجل تحقيق مشروع بايدن. ولذلك ان القوى الشيعية وعلى راسها العبادي يصر بمشاركة "الحشد الشعبي" في معركة الموصل، لتفويت الفرصة على التيار القومي العروبي بالاستفراد بالأرض وتشكيل قوتها العسكرية المستقلة المعروفة اليوم باسم "الحشد الوطني"، واعلان فدرالية المناطق الغربية مثلما اعلن داعش بعد السيطرة على الموصل بإعلان دولة الخلافة الاسلامية.
وعلى الصعيد الاقليمي والدولي، فأن دول مثل السعودية وتركيا الى جانب الولايات المتحدة الامريكية، توصلت الى نقطة وهي لا يمكن ازاحة نفوذ الجمهورية الاسلامية في ايران من العراق والمنطقة. والافضل لها اي لتلك الدول الحصول على مناطق نفوذ حتى ولو على جزء من العراق فهي أفضل من ابتلاع نظام طهران كل العراق. وان فشل المشروع الامريكي في العراق وفي المنطقة، وتمدد روسيا في الشرق الاوسط، تدفع الولايات المتحدة الامريكية بالتأييد الكامل لمشروع تقسيم العراق الى فدراليات. ومن هنا تنبع مقاومة امريكا للحيلولة دون اشراك مليشيات "الحشد الشعبي" في معركة الموصل. فالمسألة ليست لها علاقة بجرائم المليشيات الشيعية والخوف من التطهير الطائفي التي ترتكبها لو دخلت الموصل. فنفس القوات الامريكية هي من دربت ومولت واسست وغضت النظر سواء عن فرق الموت المدعومة امريكيا، او تلك المدعومة من ايران بين ٢٠٠٥ - ٢٠٠٨ بالتطهير الطائفي. فالولايات المتحدة الامريكية هي اخر من تخاف على "اهل السنة" من العصابات الشيعية، وعلى "اهل الشيعة" من العصابات السنية. وانها أي الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولة عن قتل اكثر من مليوني انسان في العراق ما بين الحصار الاقتصادي والغزو في عام ٢٠٠٣.
لقد قلنا من قبل ان عراق ما قبل ١٠ حزيران غير العراق ما بعد ١٠ حزيران، وان عقارب الساعة لا تعود الى الوراء. ان سلطة الاسلام الشيعي في بغداد تريد حسم السلطة السياسية عن طريق التطهير الطائفي في هذه المرحلة، وفي مرحلة اخرى تقوم بالتطهير القومي. وان محاولة ابقاء عراق واحد في ظل سلطة الاسلام الشيعي جزء من مسألة حسم السلطة السياسية، ويكون عن طريق فتح أنهار من الدماء. وفي المقابل سيقوم التيار القومي العروبي بالدفاع عن نفسه وامتيازاته ونفوذه بارتكاب مجازر طائفية لا تقل وحشية عن مجازر الاسلام الشيعي، وخاصة أنها ستشعر بالضعف بعد مرحلة انتهاء سيناريو داعش. اي ستكون معركتها هي معركة من اجل البقاء.
ان تقسيم العراق الى فدراليات او دويلات، ليست الا مشاريع وبدائل القوى البرجوازية لاقتسام الاسواق وثروات الجماهير والامتيازات والنفوذ، وليس لها اية علاقة بمصالح العمال والموظفين وعموم جماهير العراق، وليس لها صلة بمظلومية الشيعة من قبل مثلما ليست لها علاقة بمظالم السنة. فالمليشيات الشيعية نهبت وقتلت خلال عقد من الزمن اكثر من نظام صدام حسين في مدة ٣٠ عام، وعصابات داعش قتلت بوحشية خلال سنتين اكثر من المليشيات الشيعية في مدة عشرة سنوات. وقد اتفقت جميع تلك القوى البرجوازية بشيعيها وسنييها وعروبييها وكردييها التي تصك اسنانها ضد بعضها بغرس انياب صندوق النقد الدولي في جسد الجماهير المحرومة والكادحة في العراق.
ان ساعة تبدد الاوهام حول "الحشد الشعبي" قد أزفت، وساعة تبدد الاوهام حول التيار القومي العروبي والوطني الملتحف باللباس الطائفي قد حلت.
ان جماهير العراق اذا ارادت ان لا تكون وقود لهذه العصابات الطائفية، عليها ان تقف في صف واحد وتلتف حول راية واحدة، وهي عراق علماني وغير قومي. انه الطريق الاقصر للوصول الى بر الامان.

 

مقالات