نادية محمود

ثالوث الارهاب والفساد والطائفية- مرحلة ما بعد داعش: الموصل نموذجا

صوت البرلمان العراقي يوم 26 من شهر ايلول الماضي على قرار يمنع مشاريع تقسيم الموصل بعد تحريرها من سيطرة داعش، ومنح أهلها الحق بتقرير مصيرها. صوتت الاغلبية في البرلمان مدفوعة حسب ادعاءها، بالرغبة في "الدفاع والحفاظ على وحدة الموصل"، بينما انطلق المعارضون لهذا القرار من المخاوف من صعوبة التعايش، بعد كل ماجرى، بين الايزيديين والعرب، المسيحيين والمسلمين، الشيعة والسنة.

ان الخوف من التعايش يبرره ويفسره الاجرام الذي ارتكب بحق سكان الموصل، ولازالوا، على اختلاف انحداراتهم الدينية والقومية والذي يفوق قدرة البشر على التخيل. وايضا الاجرام الذي ارتكب في مدن العراق الاخرى، في المنطقة الغربية، وفي مناطق الوسط والجنوب والتي شهدت وتشهد ارتكاب اعمالا ارهابية اجرامية باشكال ودرجات مختلفة ودفعت ثمنا باهضا لاجرام كلا من الميلشيات الشيعية والجماعات السنية والمرتبطة بداعش. ان هذا يجعل امر التعايش ليس بين اهالي الموصل فحسب، بل بين سكان بقية مدن العراق بفعل السياسة الطائفية التي انتهجتها الاحزاب الاسلامية بعد2003، امرا صعبا ويثير المخاوف.

وما يزيد طين هذه المخاوف بلة انه ومع "زف البشائر" بتحرير المدن الغربية الواحدة بعد الاخرى وانتزاعها من ايدي داعش واعتقال بعضا من "امراء" وقادة هذا التنظيم، يتم ورويدا رويدا، وببساطة، الان وفي ذات الوقت اطلاق سراحهم من قبل السلطات الحكومية المحلية في المناطق الغربية. حيث يشرف ضباط على التحقيق معهم، وبوجود محامون وقضاة مرتشون. شكرا لملايين الدولارات التي تدفع الان رشاوى للضباط والمحققين في دولة يبلغ فيها الفساد مراتب عالمية.

ان "الامير" الذي يدفع له مليون دولار كما يتداول اهالي الرمادي لاطلاق سراحه ليس بدون اجندة سياسية، وليس بدون صلات محلية واقليمية، فما ان يطلق سراحهم حتى يعودوا لاستـئناف اعمالهم. ان فشل تاكتيك الدولة الاسلامية في العراق والشام لا يؤدي الى اعلان هؤلاء "الامراء والقادة" لتوبتهم، أو كفهم عن تعقب اجنداتهم السياسية. انهم ببساطة يقومون باستبدال وتغيير ستراتيجياتهم وتاكتيكهم، وهم بدأوا فعلا باستبدالها اساسا عبر العودة للعمل الارهابي داخل المدن، وقد يشرعوا بالكفاح المسلح او غيره. وهكذا، فبينما الحرب ضد داعش، يفترض انها تنهي هذا التنظيم، وتدخل قادة هذا التنظيم الارهابي الى السجون، الا ان ما يجري هو انه ما يتم ادخال هؤلاء المعتقلين من الباب، يقوم الفساد، والفساد الحكومي باخراجهم من الشباك، ليقوموا بمعاودة اعمالهم من جديد. هكذا كما لو في حلقة مفرغة.

ان الارضية والعوامل التي ولدت وخلقت داعش لازالت باقية في مكانها، وستواصل انتاج دواعش اخرى، باشكال ومسميات مختلفة. ان من بين اسباب نشوء داعش هو المحاصصة الطائفية، وما اطلق عليه من سياسة "اجتثاث البعث"، السخط على الاحتلال الامريكي، "تهميش السنة"، تدخل دول المنطقة (ايران تدعم الاحزاب الشيعية، والسعودية وتركيا يدعمون الجماعات السنية)، انعدام وجود دولة قادرة على حماية اراضيها من هجمة ميلشيات مسلحة، حرمان المواطنين ممن يصنفون بالـ" سنة" واخذهم بجريرة الجرائم التي ارتكبها نظام صدام حسين، وكأن السلطة الشيعية، تسعى للانتقام منهم ومعاقبتهم. في خضم حرب تكاد تكون حرب اهلية مستمرة على امتداد ما يقارب 13 عاما، مفرزة سموم طائفية قاتلة.

ان هذه العوامل لازلت حية وفاعلة، لذا، فان كل حديث عن تبني سياسة "عابرة للطوائف" انما هو ضحك على الذقون، وادامة لنفس السيناريو الذي يتخوف منه اهل الموصل، والذين يتسائلون فيه، هل التعايش امر ممكن؟ ستبقى "داعش" حيث بقيت السلطة طائفية، وحيث ليست هنالك دولة، دولة مدنية وعلمانية، دولة تعرف مواطنيها على اساس حق المواطنة وليس على اساس هوياتهم الدينية والقومية، وحيث هنالك دول اقليمية تتدخل في العراق، وتمول شركائها في العراق، فستبقى الارض خصبة لاعادة انتاج داعش من جديد.

واذا كانت الموصل قد شهدت، وبشكل مكثف، سياسة سلطة الاحزاب الشيعية حتى عام 2014 وحكم دولة الخلافة الاسلامية السنية بعد ذلك ولحد الان، تتسائل وتتخوف من العيش المشترك تحت سقف واحد، انما تقدم لنا صورة مصغرة لما سيجري في العراق بعد انتهاء داعش. فالمجتمع جرى ويجري تمزيقه وتدميره وبشكل منظم، اعمالا اجرامية ارتكبت في المناطق الغربية على ايدي ميلشيات شيعية، واعمال ارهابية ارتكبت من جماعات سنية، مرتبطة او غير مرتبطة بداعش، والتي اخرها وليس اخيرها تفجيرات الكرادة وشارع فلسطين في بغداد، يجعل طرح هذا السؤال له ما يبرره.

ان المجتمع اللاطائفي، والذي لم يتشرب سموم الطائفية، عليه ان يجيب على السؤال: هل بوسع السلطة الشيعية والاحزاب الشيعية فعلا تأسيس دولة غير طائفية؟ هل بوسعها فعلا دفن الطائفية ما يجعل التعايش تحت سقف واحد امر ممكن؟ ان جوابي على هذا السؤال هو بالنفي، فالاحزاب التي تغذت وبنت امبراطورياتها على شعارات واعمال الطائفية ليس لديها اية مصلحة حقيقية بانهاء الطائفية، او عبورها، بل ان وجودها قائم فقط، وتمكنت من فرض سيطرتها، وتعبئة اولئك الذين انخدعوا بشعاراتها، او استفادوا ماديا من هذا التصنيفات، بفعل تبني وتقوية وتكريس الشعارات الطائفية، الامر الذي يجعل التعايش امرا صعبا، كما يتخوف اهالي الموصل.

ان التعايش بين الناس، واركان مسالة الهويات الطائفية جانبا امر ممكن فقط باقامة دولة علمانية، دولة مدنية، او باعادة رسم الحدود مرة اخرى، فالمناطق التي تصنف شيعية، لا يحكمها ساسة سنة، والمناطق المصنفة سنية، لا يحكمها ساسة يرددون شعارا طائفية شيعية. ان الهدف في اخر المطاف، هو ان ينتهي هدر المزيد من الدماء، بحجة الاقتتال الطائفي، والذي لم ينتج عنه غير تعزيز ثروات وسلطات وحكم الاحزاب الطائفية، الشيعية منها والسنية، واستباحة حياة وامان الملايين من الناس في العراق.

مقالات