عبدالله صالح

الطريق الى بغداد يمر عبر طهران !

معاناة الجماهير من الوضع الاقتصادي الذي يزداد تدهورا يوما بعد يوم في اقليم كوردستان، وصلت الى درجة لا تطاق، بالأضافة الى القمع والترهيب والتخويف والاضطهاد وحتى الاغتيال، التظاهرات شبه اليومية، والعامة أحيانا، بالأخص من قبل الشريحة التعليمة وكذلك عمال وموظفي الدولة ظاهرة يشار اليها بالبنان، وسط حالة من اللامبلاة من قبل حكومة الاقليم والاحزاب المشاركة فيها وبالاخص الحزب الدمقراطي الكوردستاني الذي بات يسطرعلى مجمل المفاصل الرئيسية للحكومة من سياسية، اقتصادية وأمنية .

ان الازمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها الاقليم هي ازمة مفتعلة بالاساس ممنهجة ومخطط لها والهدف الاساسي منها هو: اولا الاستمرار في نهب الثروة من قبل الأحزاب الحاكمة. وثانيا: الايحاء الى صندوق النقد الدولي بان الاقليم خضع لشروط القرض المتعارف عليه من قبلهم، حتى قبل عقد اي اتفاق بين الطرفين لمنح ذلك القرض، تلك الشروط التي تنص بالاساس على رفع الدعم عن السلع الاساسية، خفض الرواتب والاجور وخصخصة مشاريع القطاع العام وهو ما ينفذ قسم منه الآن، هذا وكانت الحكومة قد طلبت ذلك القرض في وقت ما من هذا العام.

اقليم كوردستان، أصبح من الناحية العملية والفعلية يعيش في ظل ادارتين مختلفتين شكلا وموحدتين مظمونا! فالسليمانية وحلبجة واقعة تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكوردستاني واربيل ودهوك تحت سيطرة الحزب الدمقراطي الكوردستاني. الصراع التاريخي بين هذين الحزبين البرجوازيين القوميين حول تقاسم الثروة والنفوذ تداخل واندمج بشكل او بأخر في الاحتجاجات الجماهيرية الاخيرة، فالجماهير تهدف من وراء تظاهراتها الى تأمين حياة افضل وبحثا عن لقمة العيش المسروقة من قبل تلك الاحزاب، اما الاحزاب فتهدف من وراء تحريضها على تلك الاحتجاجات، وبالاخص في مناطق نفوذ الاتحاد الوطني، الى لَي ذراع الآخر بغية الحصول على اكبر قدر ممكن من الثروة والنفوذ .

وسط هذه الاوضاع الخطيرة لم يحرك مسعود البرزاني ساكنا ولم ينطق حتى بكلمة عنها سوى الاستمرار في رفع شعار "الاستفتاء حول استقلال كوردستان عن العراق"، الى أن تم عزل وزير المالية هوشيار زيباري، الذي ينتمي للحزب المذكور وهو خال البرزاني، من قبل البرلمان العراقي بتهمة الفساد، تلك الواقعة التي عجّلت بالبرزاني وحزبه ودفعت بهم الى مراجعة جدية للحسابات، على كل الأصعدة محلية كانت، اقليمية ودولية والتي بدأت بالهرولة مجددا الى بغداد لتدارك الامر بعد ان امتنع الأخير عن زيارتها لحوالي ثلاث سنوات، ثم الحسابات الاقليمية التي كان لها دورها في تلك المراجعة، فبعد أن أيقن البرزاني بأن المثلث السعودي القطري التركي الذي خطى خطوات جادة نحوه، لم يبق كما كان بعد ان مالت سياسات أردوغان بدرجة كبيرة نحو الروس، وترميم العلاقة مع اسرائيل والكف عن المطالبة برحيل الاسد، ثم انشغال السعودية بحرب تدمير اليمن وبوادر القضاء على داعش ودولته، أضف الى ذلك الضغط الدولي على كل من حكومة الاقليم والحكومة الاتحادية من أجل حل خلافاتهما، كل تلك العوامل ساهمت في اعادة النظر بسياسات البرزاني وحزبه حيث اسفرت عن الزيارة الاخيرة له الى بغداد .

الثأر من الخصوم العراقيين كان الهدف الرئيسي وراء الزيارة قبل أن يكون البحث عن مخرج للازمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالاقليم، لكن الاستقبال الفاتر للبرزاني من قبل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، والذي ظهر بجلاء من خلال جلسات الاجتماع العلنية بين وفدي الطرفين، ولد حالة من عدم الطمأنينة لدى البرزاني بخصوص توصله الى اتفاق مع بغداد، وبما أن الحسابات الاقليمية كانت موجودة مسبقا في اجندته في هذه الظروف الحرجة، فضل التخطيط لزيارة طهران سعيا وراء مباركتها لمبادرته الاخيرة مع بغداد ومن ثم لتوضيح تقاربه مع القطب السني بقيادة السعودية وطمأنة ايران حول ذلك التقارب، ومن ثم الضغط على بغداد لتلبية طلباته بخصوص محاولة تشكيل جبهة شيعية كوردية سنية بوجه تكتل ونفوذ المالكي، ومن ثم حمل بغداد على التراجع عن دفع مستحقات الاقليم من الموازنة العامة مقابل خضوع الاقليم لمطالب الحكومة الاتحادية بخصوص تصدير النفط، هذا من جهة، ومحاولة الضغط على خصومه من الاكراد المواليين لايران بتقبُل سياساته الحالية في الاقليم من جهة أخرى.

ما تخطط له الاحزاب البرجوازية القومية الحاكمة في الاقليم لا صلة له من قريب أو بعيد بمصالح الجماهير وسط هذا الفشل الذريع لسلطة تلك الاحزاب، فالجماهيرعليها تدارك الامر قبل فوات الأوان، وذلك بعزل صفوفها عن صفوف تلك الاحزاب والسعي لتوحيد الكلمة والموقف، بغية الوقوف في صف نضالي موحد عمالا وكادحين وموظفين وشباب وكل الفئات المحرومة، من اجل انهاء سلطة تلك الاحزاب وإقامة سلطة مبنية على اساس مصالح تلك الجماهير لضمان الحرية والمساواة والعيش الكريم.

مقالات