نادية محمود

العمال والبطالة ومرحلة ما بعد داعش!

الذين عاشو منا الحرب العراقية الايرانية، يتذكر السياسات التي اتبعها نظام صدام حسين باعادة تشغيل الجنود، واعادتهم الى اعمالهم. فأثناء سني الحرب الثمانية قام نظام صدام بتشغيل النساء واستخدام الايدي العاملة العربية والاجنبية لسد النقص في الايدي العاملة، بفعل غياب العمال والموظفين في جبهات القتال. ما ان حلت نهاية الحرب حتى قام نظام صدام باتباع سياسة اخراج النساء من العمل تحت اسم " فائض عن الحاجة"! وقام باعادة العمال المهاجرين الى بلدانهم وبالاخص من المصريين، كذلك قام بتبني سياسة الخصخصة، لتقرر الشركات، كما في السوق الحر، حاجتها من الايدي العاملة بعيدا عن يد الدولة.

مع نهاية الحرب مع داعش (الان تعلن واشنطن انتظارها لاشارة من بغداد للشروع بالدخول الى الموصل وتحريرها)، سيعود ما لا يقل عن مئة الف منتسب للحشد الشعبي، والمنضوي تحت ميلشيات مختلفة (ما يقارب الـ 40 ميلشيا) الى اوضاع ما قبل الحرب. فماذا ستفعل الحكومة العراقية؟ لا نساء لتسرح من العمل، ولا عمالة اجنبية لتصرف عن العمل؟ وسياسة الخصخصة قد جرى تبنيها اساسا من قبل الدولة ومنذ عام 2003؟.

ان لم تزج بالشباب مرة اخرى في حروب داخلية، شيعية- شيعية وسنية- سنية، مستفيدين من المنح والدعم، كتجار ولوردات حرب، ودمج ميشلياتهم، اي برنامج اقتصادي ستقدمه دولة الميلشيات والاسر الحاكمة في العراق وفي كردستان؟.

تبلغ نسبة البطالة الان في العراق ما يقارب الـ40% في الوقت الحالي من الناس القادرين والراغبين في العمل، وما ان تضع الحرب مع داعش اوزارها، حتى يتوجه الـ 100 الف منتسب للحشد الشعبي الى ديارهم باحثين عن فرص عمل. ان اقساما من الشباب انضمت الى الحشد الشعبي كطريق لايجاد دخل شهري لهم ولاسرهم. فالعديد منهم ليسوا متطوعين ممن سيعودوا الى استئناف اعمالهم بعد الحرب، بل كانوا من العاطلين عن العمل الذي تطلعوا الى الحصول على راتب شهري جراء انضمامه الى هذه الميلشيات. فماذا سيفعل بعد انفضاض الحرب؟.

هذا اضافة الى جيش البطالة الموجود، والذي تنخرط فيه في كل فترة ومنذ عام 2003 وجبات من البطالة، نصف مليون بسبب حل الجيش العراقي، خصخصة الشركات او توقفها عن العمل، الانصراف عن العمل بفعل سياسات التمويل الذاتي، اضافة الى انعدام وجود فرص عمل للخريجين، الذين يتخرج من الجامعات كل عام بقطاعيها الخاص والعام الالاف من الباحثين عن فرص عمل.

من المؤكد ان الاعتماد على بيع النفط فقط، الذي لا يستوعب اكثر من 1% من حجم الايدي العاملة في العراق، لن يوفر فرص عمل، لكن بالنظر الى ميزانيات النفط بحد ذاتها، وحجم المليارات التي تنهب وتسرق من قبل الاحزاب والاسر الحاكمة، سواء في "الحكومة الاتحادية" او اقليم كردستان، يمكن للمرء ان يرى ان هنالك ما يكفي لتوزيع الثروة بشكل يؤمن توفير ضمان بطالة او فرص عمل للراغبين فيه، ان لم تكن الادارتين في العراق وكردستان على هذه الدرجة غير المسبوقة من الفساد، ومن ادارة برجوازية لصوصية تسرق الاموال، تاركة الملايين من شعب يشكل فيه الشباب الاغلبية الساحقة، بدون دخل يؤمن متطلبات المعيشة.

أن النهب والفساد وعدم مسؤولية الدولة عن مصير موظفيها ذاتهم، هو الذي ادى الى التظاهرات في العراق على امتداد عام كامل من اواسط عام 2015 الى اواسط هذا العام مطالبة بفرص عمل، بالخدمات والكهرباء، وهو الامر الذي اثار احتجاجات واسعة في 27 من شهر ايلول هذا العام في كردستان العراق. فكيف ستكون درجة البطالة بعد عودة الاف المجندين؟ من المعلوم ان هنالك ما يكفي من العوائد حتى من النفط لوحده توفير وضع معاشي مقبول للثلاثين مليون نسمة الذين يعيشون في العراق، لو لا الفساد والنهب

 

الفساد الذي لم يتردد لا رئيس الوزراء ولا الوزراء ولا النوب بفضح بعضهم البعض. كلنا يتذكر تصريحات العبادي في شهر شباط المنصرم، حين اقر، ما نعرفه نحن جميعا، بان اموال النفط الذي يباع في كردستان لا تذهب الى ميزانية حكومة الاقليم، متسائلا اين تذهب تلك الاموال؟ مرددا بتفاخر ان كل مبيعات النفط في العراق تدخل الى ميزانية الدولة. لكنه لم يفطن الى حقيقة الفرق في الفساد والنهب بين الحكومتين، وهي ان عوائد النفط تنهب في كردستان العراق قبل دخولها الى ميزانية الدولة، بينما في الحكومة الاتحادية تنهب بعد دخولها الى ميزانية الدولة. في دول محيت فيها الحدود بين مؤسسات الدولة، والحزب، والميلشيا والعشيرة والعائلة، والقطاع الحكومي والقطاع الخاص في هجين طبقي راسمالي غير مألوف وغريب الاطوار.

ان كان اقتصاد العراق معتمدا على النفط، كما هو مخطط له في السوق العالمي ان يكون مصدر نفط، الا انه يدر ما يكفي من الاموال لدفع الرواتب للموظفين ولتضمين ضمان المعيشة لغير العاطلين عن العمل. ان المئة الف منتسب الذي مضوا للحرب ضد داعش، سيعودون القهقرى للدفاع عن حياتهم ووجودهم تحت حكم احزاب الميلشيات الحاكمة هذه المرة، مرة اخرى، في صراع اقتصادي وصراع من اجل البقاء

مقالات