نادية محمود

- تحرير الموصل- لانهاء داعش ام ادامة الصراعات في المنطقة!

حين دخلت داعش الى الموصل في حزيران 2014 ابلغنا ديفيد كاميرون واوباما بانها ستستغرق طويلا، وطويلا جدا قبل القضاء على هذا التنظيم الميلشياتي في خطة للابقاء على هذا التنظيم في قلب المنطقة. الا ان التخطيط لشن الحرب لاستعادة الموصل بعد مرور 26 شهرا، تظهر ان هنالك ما قد تغير في الخطط والاستراتيجيات الامريكية.

 

تتحول الان الموصل الى احد الجبهات الاساسية لحسم الصراع بين القوى العالمية: بين امريكا وروسيا في منطقة الشرق الاوسط. فمع اقتراب ميلشيات الحشد الشعبي الشيعي بمساعدة ايران الى الموصل، بعد تمكنهم من السيطرة على الرمادي وتكريت والفلوجة، واحتمالية وصولهم الى الموصل، ومع تدخل روسيا في سوريا ودعمها لبشار الاسد من جهة، ومنعه من السقوط على الرغم من استمرار الحرب لمدة خمس سنوات، دق جرس الانذار منبها لمصير ومكانة الولايات المتحدة مع وجود روسيا وايران وهيمنتهما في المنطقة. تسارع امريكا الان الى تقديم نفسها وكأنها مهندسة مشروع القضاء على داعش، محاولة الظهور وكأنها دولة تحارب الارهاب، وهي التي رعت الارهاب في المنطقة.

 

على الصعيد الاقليمي تقوم تركيا وعبرمد يدها الى حلفاءها السنة في العراق بمواجهة ايران والميلشيات الشيعية من اجل ان تعيد رسم الخريطة على الارض، بما يحقق لها موقعا ومكانة ونفوذا في الموصل. في هذا السياق تدعم الميلشيات السنية في الحشد الوطني بقيادة اثيل النجيفي ل"انهاء" داعش؟!.

 

ان حرب استعادة الموصل هي محل صراع بين القوى الاقليمية والمحلية للمضي اكثر في تكريس الصراعات بين تلك القوى من اجل مصالحهم تحت يافطة الصراع الطائفي. محليا، تتصارع الميلشيات الشيعية والسنية الان على " تحرير الموصل"! علما ان كلا من الحكومة المركزية الشيعية، وحكومة نينوى السنية المحلية قدما الموصل على طبق من ذهب الى داعش. اثيل النجيفي محافظ نينوى سلم مدينة الموصل الى داعش، وهو الذي كانت تحت سلطته ما لا يقل عن 30 الف عسكري. والمالكي وجه التعليمات لانسحاب جيشه من الموصل، ليقع سكان الموصل فريسة لوحشية داعش.الان الحشد الشعبي الشيعي والحشد الوطني السني يتنافسان على " محاربة داعش"! والحال ان داعش، لن تبدي الكثير من المقاومة، بل ستتسرب بهدوء، وتذوب اما في الميلشيات السنية، داخلة اليها من الباب الخلفي، او تجد لها طريقا اخرا لتظهر من جديد بلباس وبثوب وبعمل اخر!

 

فجأه اصبح كل الشركاء الذين اسهموا في تدمير سكان هذه المدينة على امتداد اكثر من سنتين حماة ومدافعين ضد الارهاب، وكلهم يريدوا الخلاص من داعش. فأي نفاق واي كذب؟ ان هذا يوضح ان داعش كانت وسيلة واداة مصطنعة خلقت ومولت وجرت مساعدتها، وفسح المجال لها لتحقيق اغراض سياسية لامريكا وتركيا والسعودية وللاطراف السنية في العراق. وهي اسهمت بتوفير فرصة لا تقدر بثمن لايران وللميلشيات الشيعية العراقية لتشكيل الحشد الشعبي، حيث اسهمت بتأسيس الاخير على غرار الحرس الثوري في ايران، ليطلق يده في حياة ومصير الجماهير في العراق.

 

ليست هنالك " وحدة وطنية" واتفاق بين الميلشيات الشيعية والسنية على الخلاص من داعش كما يحلو لرئيس الوزراء العراقي ان يردد. "المكون السني" لا يريد وصول الحشد الشعبي الى الموصل بأي شكل من الاشكال. أما الميلشيات الشيعية لا تقبل باقل من المشاركة في تحرير الموصل وترى انها صاحبة حق في " التحرير"!

 

ان المرء ليطرح سؤالا يملك كامل الشرعية: هل فعلا القضية تكمن في التحرر من داعش؟ هل فعلا ان تلك الاطراف التي ساهمت بدخول داعش، لها مصلحة في الخلاص منه؟ ام ان ماوراء الاكمة ماوراءها؟

 

لقد اسهمت كل تلك القوى ومنذ عام 2014 من المالكي واثيل النجيفي الى تركيا والسعودية وامريكا وكانوا فهم من فسح الطريق امام داعش ليقوم بالاعمال الاجرامية التي قام بها هذا التنظيم، واحتلالها لثلاث مدن في العراق، وتشريد ما يقارب 3 ملايين مواطن. والان، في هذه الايام تحديدا، مرة اخرى، وبدلا من مخاطبة الناس للخروج من المدينة لحمايتهم من بطش داعش وجهت كل الاطراف المتحاربة نداءاتها عشية الحرب ببوجوب بقاء اهل الموصل في مدنهم، في منازلهم وعدم مغادرتها. في الوقت الذي داعش تحفر فيه الانفاق وتلغم الشوارع، وتملأ الطرقات بكرفانات النفط، والغاز، وتشعل الحرائق والنفط، لغرض منع سكان الموصل من مغادرة المدينة. من جهتها القوات العراقية تدعو الى ذات الشيء، يطالبون الان سكانها بعدم مغادرتها "للحفاظ على املاكهم" و بقاء اهل الموصل في اماكنهم، ليقع عليهم وبال الحرب. انهم يريدوا ادامة اجرامهم، باستخدام سكان المدينة في حربهم ضد بعضهم البعض، كدروع بشرية!

 

ان القوى التي اسهمت بخلق المشكلة لا يمكن لها ان تكون هي صاحبة الحل. بل ستنقل الصراع من مرحلة الى اخرى، خدمة لمصالحها. في اتون هذه الحرب التي تقرع الطبول لتصعيدها، الغائب الوحيد في هذه الساحة من التلاطمات والصراعات هم اهالي الموصل الذين يربوا عددهم على المليونين نسمة. هم المغيبين عن الحسابات، هم الذين تقع على رؤوسهم مصائب تلك الحرب، وهم الذين دفعوا ولازالوا يدفعون، وسيظلون يدفعون الثمن.

 

ان الخلاص من داعش هو حلم لكل انسان ينطوي قلبه على ذرة من الانسانية. الا ان ترك امر المجتمع لهذه القوى الطائفية في العراق ودولها الحليفة، في مرحلة داعش وما بعد داعش، لن يكون فيها مصيره اكثر اشراقا ولن نرى اياما سعيدة بعد الخلاص من هذا التننظيم الارهابي. القوى التي خلقت وجلبت داعش ومأسيها، ستخلق وستجلبر ادوات ووسائل اخرى و " دواعش" اخرى.

 

لا بد لقوة الجماهير، قوة الناس المتمدنة الرافضة لهذه السيناريوهات المأساوية ان تنهض وان تقف على اقدامها، وبكامل قيافتها في دول هذه المنطقة، لتسهم بأخذ ورسم مصيرها بايديها، والعمل بكل السبل لكف ايدي هذه الحكومات والميلشيات عن التلاعب وتدمير حياة الناس الابرياء.

مقالات