سمير عادل

سكان الموصل ومصير دولة الاسلام الشيعي

اهمية معركة الموصل لا تنبع بأن المدينة هي اخر المعاقل لعصابات داعش، بل تكمن اهميتها بأنها واحدة من اهم المعارك المصيرية لقوى الاسلام السياسي الشيعي، لحسم مصير سلطة الاسلام السياسي الشيعي ومصير الدولة وهويتها السياسية، في خضم احتدام الصراع السياسي بين الاقطاب الدولية والاقليمية والمحلية على الساحة العراقية.

سن السكاكين وشحذ الهمم الطائفية على قدم وساق، وتتصاعد وتيرتها مع اقتراب ساعة الصفر، ساعة بدء المعركة. فتصريحات قيس الخزعلي بان "تحرير الموصل انتقام وثار للحسين"، وهو اهم شخصية في مليشيات الحشد الشعبي الى جانب ابو مهدي المهندس وهادي العامري ونوري المالكي وقاسم سليماني، تأتي في خضم تزايد التراشق الاعلامي بين الدولة التركية وبين الاذرع العسكرية لملالي إيران، عشية انطلاق عملية تصفية الحسابات السياسية بالماكنة العسكرية. وتؤكد تصريحات الخزعلي على الاهداف المعلنة للدولة التركية على لسان رئيسها، بأن القوات التركية باقية في قاعدة بعشيقة وتشارك في معركة الموصل حفاظا على "عرب السنة".

في معركة الموصل يختفي الصراخ الوطني، ويسكن الحس القومي، ليحل محله الحس الطائفي والصراخ خوفا من تمزق الهوية الطائفية. صراع الاقطاب البرجوازية المحلية المتمثلة بالتحالف الشيعي والقوى القومية العروبية بحاجة الى هوية عابرة للوطنية، وليست عابرة للطائفية كما في المزايدات الاعلامية والسياسية لعمار الحكيم رئيس التحالف الشيعي الجديد ومقتدى الصدر. فتحت جلد الطائفية تختبئ الروح القومية ويختفي الطموح والنفوذ السياسي وامتيازات السلطة السياسية. بيد ان القومية في سبات مرحلي حتى ينتهي موسم القطف الطائفي. فدولة تركيا القومية الفاشية والجمهورية الاسلامية - القومية في إيران التي هي ليست اقل فاشية من الاولى، تعقد بينهما الصفقات الاقتصادية ويزداد تبادلها التجاري لأكثر من عشرات المليارات من الدولارات، في حين يزج عمال ومحرومي العراق لقتل بعضهم البعض تحت ستار الهوية الطائفية في معاركها القومية في جغرافية العراق. فالخزعلي يدرك أكثر من غيره ان ساكني الموصل ليس لهم علاقة بقتل الحسين الذي قتل قبل اكثر من ١٤٠٠ عام في الكوفة والتي تبعد عن الموصل حينها ما يقارب شهر سفر عبر الدواب، ولكن لا باس للخزعلي ان يقتل اذا كان بمقدوره ان يفبرك تهمة لمن ينوب عنهم لتحقيق مصالحه الاستراتيجية. ويصح نفس الشيء بالنسبة لاردوغان عندما اطلق عصابات داعش مثل الكلاب المسعورة على الابرياء في العراق، للانتقام "لعرب السنة"، وكانت حادثة قاعدة سبايكر التي اقل ما توصف بالوحشية، النموذج الطائفي الذي قدمته تلك العصابات نيابة عن دولة اردوغان في عيد احتفالها بإعلان دولة الخلافة الاسلامية. فالانتقام "للحسين" والانتقام "لعرب السنة" هو شعار المرحلة الذي ازداد بريقها بعد الثورتين المصرية والتونسية لطمس الصراع الطبقي في مجتمعاتنا، لطمس الصراع من اجل تحسين ظروف العمل والمعيشة، تقليل ساعات العمل ورفع الاجور، الحصول على ضمان بطالة والضمان الاجتماعي، اطلاق الحريات السياسية والفردية، تحقيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، وحق السكن لكن فرد في المجتمع، حق التمتع بكل منجزات التكنلوجيا، حق السفر وحق الاقامة، حرية التدين وحرية الالحاد. وان اول مبتكري شعار "الانتقام للحسين" الذي يشبه شعار "الحرب على الارهاب" هو نوري المالكي عندما قال من مدينة الناصرية وهو يقمع احتجاجات المنطقة الغربية عام ٢٠١٣، بأن المعركة هي بين الحسين ويزيد، وحينها لقب المالكي نفسه بمختار العصر، الشخصية، التي حملت شعار "يالثارات الحسين" في صراعه على السلطة مع الامويين، وهو نفس الشعار الذي يحمله الخزعلي اليوم وحمله من قبل المالكي.

ان الانتقام للحسين والانتقام لعرب السنة، هي أكثر الشعارات التي اختبأ تحتها سرقة المليارات من الدولارات من اموال وثروت جماهير العراق. ولو لا تلك الشعارات لم يكن يتجرأ مجلس النواب بصرف ٤٠ مليون دينار عراقي مستحقات متأخرة لأعضاء المجلس غير الموقر، الطفيليين، اللذين يعتاشون على عرق وكد العمال والموظفين، في وقت تستجدي حكومة العبادي من صندوق النقد الدولي مقابل شد الاحزمة على بطون العمال والموظفين والعاطلين عن العمل لإنقاذ خزينة الدولة من الافلاس والتستر على سلب ونهب اخوته وزملائه ورفاقه في العملية السياسية.

ان معركة الموصل بالنسبة لتحالف الاسلامي الشيعي هي واحدة من معاركه المصيرية، ويحاول بكل ما لديه من قوة وامكانيات تسجيل الانتصار على داعش لصالحه. في حين بالنسبة لتركيا تعتبر معركة الموصل ضمانا لبقاء بعض النفوذ بعدما خسرت رهانها على سورية. اما القوى القومية العروبية الملتحفة اليوم بالزي الطائفي السني بقيادة الاخوين النجيفي والجبهة التركمانية، مستعدة ان تلعب دور مطية صبورة ومخلصة لدولة تركيا الفاشية، اذا ما ضمنت الاخيرة حصة وسهم لها في المعادلة السياسية الجديدة بعد الانتهاء من سيناريو داعش. اما بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية فبعدما فشل مشروعها الاسلامي في مصر والذي أطلقت عليه مسمى الربيع العربي ومن ثم سورية، فلا مناص ان تحافظ على ما لديها من نفوذ في العراق، واعادة انتشار كل وحوشها الكاسرة في سورية وفصل مسارها السياسي والعسكري عن العراق.

ان جماهير الموصل، تدفع اليوم ثمن صراع القوى البرجوازية القومية والاسلامية، لأنها عاشت في منطقة صنفت عنوة بالسنية، فتركيا اردوغان الاسلامي القومي، وايران الملالي الاسلامي القومي، يريدان حربا مقدسة في الموصل ضد داعش، ولكن في الحقيقة حربا لتطهير المدينة من ساكنيها.

ان سكان الموصل بأمس الحاجة لتقديم كل اشكال الدعم لهم: فضح كل السياسات والدعايات لجميع الاطراف التي تقف وراء معركة الموصل، عدم السماح لمليشيات الحشد الشعبي باتخاذ الذرائع والحجج للتنكيل الطائفي بالمواطنين، اتخاذ جميع الخطوات العملية للوقوف بوجه عناصر دولة تركيا الفاشية، مناشدة جميع القوى التحررية والتقدمية في العالم للتضامن مع سكان الموصل، مناشدة المنظمات العمالية والتحررية في العراق بإعلان تضامنها مع سكانالموصل وتقديم كل اشكال الدعم لهم..

مقالات