سمير عادل

الاوضاع السياسية في العراق.. ملاحظات اولية حول تقسيم العراق وبديلنا - الدولة، الهوية، الدستور

 

قدم هذا المقال من جزئين على شكل بحث الى الاجتماع الموسع الثاني والثلاثين للجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي المنعقد في منتصف ايلول ٢٠١٦، ونشر في النشرة الداخلية المعدة لابحات الاجتماع المذكور، وقد اجيز نشره العلني من قبل اجتماع المكتب السياسي.

الجزء الأول: ملاحظات اولية حول تقسيم العراق وبديلنا

ارتئيت في طرح "الاوضاع السياسية في العراق" لمناقشة اهم حلقات الصراع سواء بين القوى البرجوازية القومية والاسلامية او على ما يلقيه ذلك الصراع من ظلال قاتمة على المجتمع، وبالتالي على النضال الطبقي. في هذا الجزء، سأطرح للمناقشة بعض الافكار حول تقسيم العراق وبديلنا في خضم الاوضاع السياسية في العراق.

علينا ان نفصل بين كردستان والمناطق الغربية. المناطق الغربية تقع ضمن العراق التي سأتناولها في هذا المقال ولذا اريد ان انوه، عندما سأتناول مقولة او اسم "العراق" فأقصد عراق بدون جغرافية كردستان.

قبل كل شيء علينا ان نضع نصب اعيننا مسألتين، الاولى، ليس هناك اي قدسية لجغرافية العراق بالنسبة لنا كشيوعيين. وثانيا علينا وضع مصالح طبقتنا امام نصب اعيننا، ان طرح اي بديل امام تقسيم العراق او عدم تقسيمه، برأي سيكون احدى تكتيكات الحزب لدفع حركتنا الى الامام. لانه لا استقلال كردستان هو مطلب شيوعي ولم يكن شعار حكومة علمانية غير قومية مطلب شيوعي ايضا.

ان اول من اورد مشروع تقسيم العراق، هو نائب الرئيس الامريكي الحالي الذي كان عضو سابق في كونغرس، وسمي بمشروع بايدن، وهو قرار غير ملزم من الكونغرس الامريكي ورفضه الرئيس الامريكي بوش الابن في عام ٢٠٠٥ والذي يقسم العراق الى اربعة فدراليات، فيدرالية الجنوب، وفدرالية المنطقة الغربية، وفدرالية كردستان، وفدرالية بغداد. ورفضها حينها ايضا، المشروع، من قبل كل القوى السياسية البرجوازية، العروبية والشيعية والسنية، باستثناء القوى القومية الكردية، لانها لم تصل حينها ابان اقرار فترة مشروع بايدن، الصراع السياسي بين الكتل البرجوازية، التيار العروبي وتيارات الاسلام السياسي الى مرحلة كسر العظم مثلما نشاهده الان، وكان ميزان القوى لم يمٍل الى اي طرف حينها، بالرغم ان السلطة السياسية استحوذت عليها الاسلام السياسي الشيعي، لكن حسم السلطة بقي معلقا، حيث كانت القوى القومية العروبية "السنية" تتمتع بقوة لا تستهان على الارض من الناحية العسكرية والتي كانت تصارع الاحتلال. وان احد اسباب عدم موافقة ادارة بوش حينذاك على مشروع بايدن، هي محاول لاستمالة القوى العروبية لجانبها من جهة، ومن جهة اخرى نزولا عند رغبة عدد من الدول العربية المتحالفة معها في غزوها للعراق مثل دول الخليج.

ان السؤال الذي يجب ان نطرحه على انفسنا، هل تحول الصراع الطائفي في العراق الى الوعي الاجتماعي في المجتمع؟ هل اصبحت قدرة التعايش بين الجماهير الى شبه مستحيلة اوعدم مستحيلة مع بعضها في كيان جغرافي واحد؟ هل بأمكان القوى البرجوازية من تحويل ذلك الصراع الى حرب اهلية دموية مثلما حدثت في الجمهوريات السوفيتية السابقة ويوغسلافيا، ولا سبيل للحل الا الكيانات او الكانتونات المستقلة؟ اي بعبارة اخرى هل ان هذا الصراع سيؤدي الى تفتيت وحد الطبقة العاملة ويقف حائلا دون بلورة وعيها الطبقي، ويتحول الصراع الطائفي الى الحلقة الاساسية في المجتمع بينما يتحول الصراع بين العامل والبرجوازي الى قضية ثانوية، ويرى العامل القوى البروجوازية وبدائلها هي الخلاص لها من هذه الصراع، بدل من ان يرى وبشكل شفاف ان العدو الطبقي هو البرجوازي الشيعي والسني، وانه ليس اكثر من وقود في الصراع بينهما من اجل اقتسام السلطات والنفوذ والامتيازات؟ اي علينا ان ننظر الى مسالة تقسيم العراق من هذه الزوايا وليس من زواية القوى البرجوازية وخططها وامكانية تحقيقها.

*****

ان البدائل البرجوازية المطروحة، هي الفيدرالية، الكونفدرالية، تاسيس دويلات جديدة، واخيرا بقاء عراق ككيان واحد. ان الفيدرالية هي مشروع رجعي، وهناك قرار واضح للحزب حولها. وتثبت لنا تجربة فديرالية كردستان على صحة قرار الحزب. فالفيدرالية لم تحل المشكلة القومية، بل تتغير مساحتها واسهمها وبشكل مستمر ودون توقف حسب المعادلات السياسية وميزان القوى. وتأجيج الحس القومي والنفخ في اقذر المشاعر القومية النتنة تكون ابدية في المشروع الفيدرالي. وبالتالي سينتظر السياف القومي الاوامر كي يضرب بسيفه رقاب الجماهير. فكلما اصبح كفة اقليم كردستان اقوى في المعادلة الاقليمية، ازدادت مطالبها وتنتزع مكاسب لها، مثلما حدث بعد صعود نجم داعش الذي تلخص "ان تحرير اي منطقة من داعش لن ينسحب منها الكرد او البشمركة"، وهكذا يفعل المركز ابدا مثلما حدث مع ولاية المالكي التي انتهت باستقطاع رواتب عمال وموظفي كردستان، وسبقها تشكيل قوات دجلة التي وصلت الى تلال حمرين والتهديد باشعال حرب قومية وانهاء مسألة كركوك والمناطق المتنازعة عليها. وستسير وتيرة الصراع وبأعلى مدياتها بعد انهاء سيناريو داعش. ومن خلال هذه التجربة تعلمنا ان الفدرالية الغربية، ستبقي بمثابة سيف قاطع للصراع الطائفي مسلطا على رقاب الجماهير. لذلك ان الفدرالية لن تحل مسألة الصراع الطائفي ولن توقف مسلسل الدم بل تأجله الى فترة اخرى. وينطبق نفس الشيء على المشروع الكونفدرالي، والذي هو نسخة اكثر ليبرالية ان جاز التعبير، للمشروع الفيدرالي كما اشرنا اليه قبل قليل.

ان القوى البرجوزاية العروبية التي تختبئ اليوم تحت عباءة الاسلام السني، تضعف قدرتها ونفوذها السياسي في المعادلة السياسية على صعيد العراق والمنطقة. ان الصراع الاقليمي المتصاعد في خضم تحولات سياسية كبيرة وفي مرحلة انتقالية تمر بها مجمل المنطقة يلعب دورا في رسم الملامح السياسية والجغرافية في منطقة مثل العراق. فالصراع المحتدم بين الجمهورية الاسلامية التي تريد ان تظهر قطبا في حسم المعادلة السياسية في مواجهة القطب التركي من طرف والقطب الخليجي بقيادة السعودية من طرف اخر تلقي بكل ثقلها على الاوضاع السياسية والامنية في العراق. طبعا هنا لا نستثني منها كردستان ايضا وحصة الفيدرالية على الصعيد الجغرافي والنفوذ والامتيازات والسلطة، من الممكن ان تتمدد او تتقلص حسب التغيير الذي سيحدث في ميزان القوى.

والعامل الاخر الذي يلعب دورا مهما ايضا في وضع العراق هو هزيمة داعش. لان في ظهور داعش، ادى الى تغيير كفة ميزان القوى لصالح التيارات القومية "عرب السنة". ولذلك جاء طرح الفدرالية للمناطق الغربية بقوة من قبل هذه التيارات التي كانت ترفضها منذ مشروع بايدن. ويلقي هذا المشروع دعما ايضا من قبل القطب السعودي والتركي وكذلك الامريكي. لان لا التيارات القومية البرجوازية المحلية ولا القطبين التركي والسعودي بأمكانهما حسم المسألة لصالحهما واعادة العراق الى الجغرافية السابقة، وهي كيان واحد وبسلطة عروبية سنية، ودولة ذات هوية عروبية، ودستور يعرف العراق ببلد عربي وجزء من الامة العربية. وكانت محاولات كل هذه السنوات، من سفك دماء الاف من العمال والكادحين والمحرومين في العراق يصب في هذا الاتجاه. ان التيارات البرجوازية القومية والتي تقف خلفها تلك الاقطاب، باتت على يقين لا يمكن حسم الصراع السياسي لصالحهم. لذا طرح مشروع تقسيم العراق بكل قوة على اسس الفدرالية من قبل هذه التيارات من هذه الزواية. واليوم وبعد مرحلة ما بعد داعش تصبح كفة هذه التيارات اضعف، لذلك تقوى مطالبتها بالفيدرالية الغربية. ومن الجانب الاخر القوى البرجوازية الاسلامية الشيعية، ترفض تقسيم العراق على جميع الاسس، لانها تمسك بالسلطة السياسية، وحاولت بشكل حثيث وفي ولايتين للمالكي اي طوال ثمان سنوات القضاء على التشتت في صفوف الطبقة البرجوازية التي تتقاسم العملية السياسية، واعادة رسم جغرافية العراق على الاسس القديمة ولكن بهوية مثل هوية الجمهورية الاسلامية في ايران وهي الهوية الجعفرية. بيد انها فشلت في ذلك. ولكنها ما زالت تطرح الامور بهذا الاتجاه، فالاصرار على مشاركة "الحشد الشعبي" في معركة الموصل ضد داعش، والتطهير الطائفي في الانبار وصلاح الدين وديالى، وظهور مئات الجثث المجهولة الهوية في مناطق بغداد، التي تعيد بنا الى سنوات ٢٠٠٦-٢٠٠٨، والتحدث عن هوية العراق الاسلامية من قبل قادة التيار الاسلامي الشيعي مثل المالكي وقيس الخزعلي...الخ كلها معطيات مادية واضحة عن عزيمة التيار الاسلام الشيعي بالسعي لاعادة تشكيل الدولة في العراق وهويتها ودستورها على اساس كيان جغرافي واحد. واذا كانت المعادلة معكوسة، اي اذا كانت التيارات القومية العروبية تحتل مكان القوى الاسلامية الشيعية في السلطة، لاخذت دور الاخير في العمل على تشكيل العراق ذات كيان جغرافي واحد مثلما كان تعمل منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام ١٩٢١.

ان القوى الاقليمية الداعمة للتيارات البرجوازية القومية، ليست مستعدة من تقديم العراق كله الى نفوذ الجمهورية الاسلامية في ايران. لذلك ستدعم بكل الاشكال لا تقسيم العراق الى الفدراليات بل حتى الى دويلات. لقد اشرت في مناسبات سابقة "ان موقعية العراق في تقسيم العمل للانتاج الرأسمالي العالمي هو صناعة النفط. وان هذه الصناعة مهددة بفعل الصراعات الاقليمية والمحلية، اضافة الى موقع العراق الجغرافي الاستراتيجي في المنطقة... ان "عراق واحد" في خضم صراع القوى الرأسمالية الاقليمية والعالمية من وجهة نظر البرجوازية العالمية قد انتهى. ولذا ان تقسيم العراق سواء الى فدراليات قومية وطائفية او دويلات قومية وطائفية هو مشروع يعد لها من قبل تلك القوى الاقليمية والعالمية". اي طلما لا يؤثر عملية التقسيم على مكانة العراق في اقتصاد تقسيم الانتاج الراسمالي العالمي، فلن تقف القوى الدولية مثل الولايات المتحدة الامريكية وحتى روسيا بوجهها. ان نفس دويلات الخليج ليس اكثر من دكاكين صغيرة او محطات بيع الوقود للشركات الطاقة العالمية، لكنها تعتبر دول ولها دورا فعالا في تقسيم الانتاج الراسمالي العالمي. اي لن تذرف الدموع من قبل هذه الدول مثل تركيا والسعودية والغرب على تقسيم العراق الى دويلات ولا عزاء للمنظرين القوميين العروبيين، بل بالعكس سيكون عامل استقرار وهذا ما يحتاجه دائما الراسمال وعملية تراكمه.

افكار للمناقشة حول بديلنا:

انني اعي بشكل كامل ان البدائل السياسية وحقانيتها لن تحولنا الى قوة، ولن تجمع القوى حولها، ما لم يكن لدينا حزب سياسي بالمعنى البلشفي والمعنى الحكمتي. بيد ان البديل السياسي والتكتيكات السياسية هي واحدة من العوامل التي تساهم في تقوية البنية السياسية والتنظيمية والاجتماعية لاي حزب سياسي في المجتمع. وقبل ان اطرح المسائل التي اود ان اشير اليها لطرح بديلنا، فعلي الخص ما ذكرته قبل قليل اضافة الى بعض النقطاط كي تكون مقدمات من اجل مساعدتنا في بلورة بديلنا اتجاه مسالة تقسيم العراق:

- فأن الفيدرالية بالنسبة لنا هي مشروع رجعي، ولدينا ايضا قرارات حولها، كما اننا لا نعير اي اعتبار لارض العراق وجغرافيته وقدسيته غير المقدسة. لذا علينا طرح افكارنا وبديلنا من زواية مصالح طبقتنا وحركتنا الشيوعية، كما نوهت اليها.

-ان عراق اليوم، يخيم عليه الصراع الطائفي، وباتت الهوية الطائفية تحتل موقعا في الحياة الاجتماعية والسياسية للمجتمع.

-ان غياب الامن والامان هو نتيجة الصراع بين القوى البرجوازية وكتلها المختلفة التي تحاول كل واحد منها في تلوين المجتع بلونها من اجل السلطة والنفوذ والامتيازات.

- ان العامل في المنطقة الغربية كما العامل في المنطقة الجنوبية والعامل في بغداد، لم يصل وعيه الى ان العدو الطبقي هو واحد، وان طمس وعيه الطبقي من قبل تلك القوى البرجوازية هو وقودها وسلاحها في الصراع السياسي والمليشياتي والاجتماعي ضد بعضها.

- ان اية سياسة نتخذها يجب ان تعمل على تقوية طبقتنا على الصعيد النضالي والسياسي، ورفع وعي العامل، والتصعيد من الصراع الطبقي، وتهيئة الاوضاع والظروف لتقريبنا خطوات نحو الثورة الاشتراكية.

اننا امام طرحين او بديلين او طريقين لحل قضية الصراع الطائفي والقومي العراق، اما تقسيم العراق الى ثلاثة جغرافيات، وتتأسس على كل جغرافية دولة معينة. دولة المناطق الغربية ودولة الجنوب ودولة كردستان. ومن الممكن ان تلجأ القوى البرجوازية لحل قضية الصراع الطائفي العراق من خلال تقسيم العراق الى هذه دويلات، وتجد حلا ايضا لمسألة "بغداد"، وكما فعلت البرجوازية في حل المشكلة القومية او الدينية او الطائفية في بلدانها، مثل تجربة شبه القارة الهندية التي انقسمت منذ منتصف القرن المنصرم الى ثلاثة دول وهي الهند وباكستان وبنغلادش او التجربة التشيكية الى تشيك وسلوفاك في بداية التسعينات، او تجربة يوغسلافيا التي افضت الى ستة دول وهي صربيا والبوسنة والهرسك وكرواتيا والجبل الاسود وسلوفينيا ومقدونيا، او تجربة تيمور الشرقية التي استقلت عن اندونسيا، او تجربة تقسيم سودان الى السودان ودولة جنوب السودان منذ بداية العقد الثاني لهذا القرن، ودارفور على الابواب لتتحول الى دولة، وعشرات التجارب الاخرى. اي من الممكن حل قضية الصراع الطائفي عن طريق القوى البرجوازية نفسها. وبالنسبة لنا لا يمكن ادانة هذا التقسيم، ما دام يحل مشكلة الصراع الطائفي، وما دام يوقف حمام الدم وما دام يزيل الاوهام الطائفية على ذهن الطبقة العاملة، وبالنتيجة ما دام يحول مجتمعات تلك الدويلات الجديدة الى اوضاع مستقرة وطبيعية وآمنة، وسيعمل على ابراز الصراع الطبقي بشكل شفاف وواضح في المجتمع.

البديل الاخر هو ابقاء العراق ككيان جغرافي واحد. ان المصالح المتضادة بين القوى القومية والاسلامية البرجوازية سوف تجرها ان لا تختار الحل في ابقاء العراق ككيان جغرافي واحد، وليس بأمكانها بأحلال هذا البديل كما وضحنا من قبل. وجميع محاولات هذه القوى فشلت لحد الان. الا ان العراق ذي كيان جغرافي واحد بالنسبة لحركتنا تنبع من وحدة صف ومصالح الطبقة العاملة على صعيد العراق برمته، وليس من زاوية وحدة التراب العراقي ووحدة جغرافيته والترهات الوطنية. وبالعودة الى صيغتنا السابقة والتي طرحناه من خلال مؤتمر حرية العراق "اذا كان مقدر للعراق ان يكون واحد فيجب ان يكون له قانون واحد"، يكون شعارنا وهدفنا "عراق علماني موحد" في مواجهة الفيدراليات والكونفدراليات. وسأتحدث في الجزء الثاني حول الدولة وهويتها والدستور وموقعية هذه القضايا في الصراع السياسي المؤجل حولهم، وفي خضم الاوضاع السياسية ما بعد انهاء سيناريو داعش.

الجزء الثاني: الدولة، الهوية، الدستور

ان احدى الحلقات المهمة في الاوضاع السياسية في العراق، هي حسم مصير السلطة السياسية. صحيح ان قوى الاسلام السياسي الشيعي تمسك بزمام السلطة لكن حسمها بشكل نهائي لطرفها ما زال في خضم تلاطم الصراعات مع الاجنحة المختلفة المنافسة لها، وتحديدا مع القوى العروبية والقوى القومية الكردية. ومن هناتنبع مسألة الدولة وهويتها السياسية ودستورها. اي ان اي طرف من هذه القوى تحسم مصير السلطة السياسية، فستطبع الدولة وهويتها ودستورها بطابعها.

*****

ان الدولة التي تحدث عنها لينين في "الدولة والثورة" والدولة التي تحدث عنها منصور حكمت في "الدولة في المراحل الثورية " والذي أسهب فيها بشكل مفصل سامان كريم بصواب في مقالاته بالرد على مؤيد احمد والمنشور في "الحوار المتمدن"، لا اريد الخوض فيها. ولكن اريد ان أركز على نقطتين جوهريتين في جميع المباحث الانفة الذكر، ان الصراع على جهاز الدولة في اية مرحلة انتقالية ثورية ينبع من السياسة وليس من الاقتصاد، والنقطة الاخرى ان الصراع على جهاز الدولة هو بين طبقتين هي البرجوازية والطبقات الثورية التي تقف في مقدمتها الطبقة العاملة. اي ان كل طبقة تحاول الاستحواذ على جهاز الدولة للإجهاز على الطبقة الاخرى. وفي كل المباحث كان واضح ان الصراع الطبقي يصل الى درجة معينة بين الطبقات المتصارعة في المجتمع، بين الطبقات الظالمة وبين الطبقات المظلومة. وإذا ما رجعنا الى الثورتين التونسية والمصرية، فكما يعلمنا ماركس وانجلز في ثورتي ١٨٨٤ وكومونة باريس ولينين في ثورة اكتوبر ومنصور حكمت في ثورة ١٩٧٩ في ايران، دون تحطيم الدولة، وتمارس الطبقة العاملة سيادتها الطبقية التي هي دولة لا يمكن الانتصار وحسم مصير السلطة لصالحها. وهذا هو احد اسباب هزيمة الثورتين المصرية والتونسية، والتي بقت جهاز الدولة دون اي مس، فاستطاعت البرجوازية عن طريق ثورة مضادة وتحت عنوان الثورة بالرد بشكل حاسم للحيلولة دونانتصار الطبقة العاملة ومعها الطبقات المسحوقة الاخرى في مصروفي تونس، (ان جميع الانقلابات قد اتقنت هذه الالة بدلا من ان تحطمها...فالأحزاب التي خلفت بعضها بعضا في النضالات من اجل السيادة كانت ترى في الاستيلاء على صرح الدولة الهائل القيمة الرئيسية في حال انتصارها"- الثامن عشر من برومير-ماركس"

صحيح ان الدولة هي اداة طبقة لاستثمار طبقة اخرى، لكن الصحيح ايضا في مسار الصراع بين الطبقات يبقى جهاز الدولة هو الفيصل في حسم الصراع بين الاحزاب السياسية حتى في الطبقة نفسهااو التي تمثل تلك الطبقات حتى تتوضح في نهاية تلك الصراعات اي حزب سياسي سينتصر بالظفر بجهاز الدولة لسحق منافسيها ومعارضيها. وتوضح الاوضاع السياسية في العراق هذا الصراع المحتدم بين القوى البرجوازية بمختلف تياراتها القومية والاسلامية.وسنبين مسار هذا الصراع كيف بدء واين انتهى.

في ربيع 2008 شن المالكي وبدعم القوات الامريكية هجوما على عصابات جيش المهدي الذراع العسكري للتيار الصدري وهو احد اجنحة قوى الاسلام الشيعي، بعد تغوله على المجتمع تحت عنوان "مقاومة الاحتلال" وليضع حدا لهيمنة المليشيات على المشهد السياسي العراقي، وعرفت حملته العسكرية آنذاك " بصولة الفرسان" والتي تزامنت مع حملة اخرى في المناطق الغربية "بشائر الخير" وهي عنوان الحملة على العصابات "السنية" في المنطقة الغربية. وأطلقآنذاك تسمية على برنامجه الامني "بدولة القانون" اي ارساء قانون الدولة وسميت فيما بعد قائمته الانتخابية.

المسار الذي أطلقه المالكي، هو من اجل اتمام عملية تأسيس الدولة التي دمرتها قوات الاحتلال. وكانت المرحلة الاخرى لبرنامجه هو القضاء على التشرذم السياسي داخل الهيئة الحاكمة، فكان الصاق صفة الارهاب بنائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي وبعد ذلك تم تشكيل قوات الدجلة والتقدم الى تلال حمرين ليرفع الراية القومية اواذا صحت العبارة راية "الوطنية العراقية"، والمحاولة لإعادة انتشار القوات العسكرية في المناطق التي سميت بالمتنازع عليها بين بغداد واربيل، بين المركز والاقليم. وتزامنتمع نفس الوقتعملية تصفية القوى العروبية او "عرب السنة" وهي الكلمة المحببة اليوم والرابحة ماديا وسياسيا ومعنويا من قبل تلك القوى، حيث وجه اي المالكي ضربة غير موفقة للاحتجاجات المنطقة الغربية وملاحقة قادتها سواء السياسيين منهم مثل وزير المالية صابر العيساوي او الميدانيين، والتي نتج عنها عصابات داعش التي قضمت ثلث مساحة العراق، وادى ذلك بالنهاية الى اقصاء المالكي عن السلطة دون اتمام المسار الذي اطلقه وهو تكملة بناء الدولة في العراق، على صعيد حسم السلطة السياسية وحسم هوية الدولة.

ان ظهور سيناريوداعش غير المعادلة السياسية ولم يوقف مسار تشكيل الدولة في العراق من قبل طرف قوى الاسلام الشيعي فحسب، بل اوقف معه مسار حسم السلطة السياسية في العراق او بعبارة اجل حسم مصيرها على الاقل لمرحلة معينة لصالح الاسلام الشيعي.

*****

ان المزايدة الاعلامية والسياسية والمنافسة المليشياتية والعسكرية بين القوى البرجوازية المختلفة للمشاركة في معركة الموصل تنطلق من مسار الصراع على حسم السلطة السياسية في العراق، اوبأعادهإنتاج كل واحدة منها موقع ومكانة في المعادلة السياسية الجديدة التي ستتشكل بعد انهاء سيناريو داعش. بيد ان الفارق الجوهري بين هذه القوى، هي ان قوى الاسلام الشيعي تعمل بشكل حثيث لحسم مسار السلطة السياسية التي بدئها المالكي، بعكس القوى العروبية الاخرى التي تتخذ الخندق الدفاعي وتحاول قضم قسم من السلطة السياسية والرضى على شراكة في السلطة بعد ان كانت تقاتل بضراوة خلال سنوات الاحتلال من السيطرة على السلطة واقصاء التيار الاسلامي الشيعي. وليس الالحاح في مشاركة مليشيات "الحشد الشعبي" او مليشيا البشمركة كما نوهنا اليه في الجزء الاول في معركة الموصل وسأتناوله لاحقا الا جزء من المسار المذكور.

*****

يقول لينين: ثمة مؤسستان تميزان اكثر من غيرهما الة الدولة هذه، هما الدواوينية والجيش النظامي-الدولة والثورةـ واذا ما اخذنا هذا الوصف على الدولة في العراق، فأن هذا الجهاز غير مكتمل، اضافة الى ان السيطرة عليه لم يحسم، والا حسم معهاهويتها السياسية ودستورها الشبيه بشوارع العراق المليئة بالحفر. صحيح حاول الاحتلال بعد تدمير الدولة من اعادة بنائها من جديد. وقد بدء بـتأسيس جيش نظامي اضافة الى الشرطة وتشييد سجون جديدة ومعتقلات وجهاز مكافحة الارهاب واستحدث مؤسسات جديدة مثل النزاهة ومجلس للنواب ليكون جزء من جهاز الدولة التي احتوى الى عدد كبير من الموظفين، ولكن كل تلك المحاولات لم تمكنباكتمالالدولة الى جهاز متكامل ليمكن الطبقة البرجوازية من استخدامها وفرض نفسها كطبقة منسجمة وموحدة الصفوف اتجاه المجتمع وبالتالي يسيطر عليه بجميع طبقاته وشرائحه الاجتماعية.

وفي الحقيقة ان الجيش النظامي الذي هو مؤسسة موحدة ومبني على عقيدة محددة وبغض النظر عن محتواها لم يرالنور الى الان. ومنذ الاحتلال لم تستطع مؤسسة الجيش وبالرغم من الانفاق المالي الكبير عليه ان يقمع المعارضة الاسلامية والقومية للسلطة السياسية. فكانت الماكنة العسكرية لاحتلال هي الجهاز القمعي ضد تلك المعارضة. وحاول المالكي في بناء جهاز قمعي جديد، فشرع في بناء قيادة عمليات بغداد، وقيادة عمليات نينوي، وقيادة عمليات الانبار، وقوات دجلة، لتكون النواة الاساسية للجيش، وبجانب هذا اغدق الاموال على العشائر لتأسيس فصائل مسلحة ويكون ضمن الجهاز القمعي الجديد مترافقا مع حل "الصحوات" الذراع العسكري الجديد ل"السنة" الذي بناه الاحتلال، لكن كل تلك المحاولات انهارت مع سيطرة داعش على ثلث مساحة العراق. وكان هناك دائما صراع على تعيين قادة الفرق العسكرية وقيادة العمليات المذكورة والشرطة الاتحادية بين القوى السياسية القومية والاسلامية في العملية السياسية، لأنها كانت تصب في اتجاه الصراع للسيطرة على هذه الاجهزة القمعية. وقد بينت سيطرة داعش على مدينة الموصل في غضون ساعات وانهيار قوة عسكرية قمعية كبيرة تقدربأكثر من ٣٠ ألف جندي مع كميات كبيرة من الاسلحة والاعتدة، على هشاشة هذا الجهاز، وعدم قدرته في قمع القوى القومية والاسلامية لصالح السلطة المركزية في بغداد. ومن هذه الزاوية وفقط شرعت قوى الاسلام الشيعي بمحاولة جديدة لبناء جهاز قمعي جديد والذي يسمى اليوم مليشيا "الحشد الشعبي" وبعد ذلك الحق بموجب قانون ليكون جزء من جهاز الدولة الرسمي وملحق بمكتب القائد العام للقوات المسلحة، وخصصت له موازنة في مسودة ميزانية عام ٢٠١٧. وهذا هو يفسر سر رعب قوى البرجوازية الاخرى من تغول "الحشد الشعبي" الذي يصفونه بالحرس الثوري العراقي الجديد على غرار الحرس الثوري الايراني. وبالمقابلحاولت القوى القوميةبتأسيسميلشيا جديدة تحت اسم "الحشد الوطني" بدعم تركي وامريكي تحت عنوان تحرير الموصل من داعش.

*****

ان الدولة في العراق تمر في مرحلتين متداخلتين، تحمل سيماء من السيناريو الاسود والفوضى. ويمكن وصف السناريو الاسود المتمثل، ليس هناك قانون يحمي المواطن من القتل والسرقة والنهب والخطف، يحمي حقوقه المدنية، مليشيات تتحكم بمصير الناس، مدن مقسمة بين مناطق نفوذ مليشيات واحزاب، المدنية تتراجع في مناطق نفوذ المليشيات، وقوانين المليشيات هي الحاكمة. اما الفوضى توصف، بعدم تنظيم العلاقة بين المركز وبين المحافظات، كل مجلس محافظة يصدر القرارات الارتجالية، وحسب مصالح كل فصيل مليشياتي وقوته في المجلس، ويقيل او لا يرضخ لقرارا المركز في تعيين القادة الامنيين في المحافظات. ودستور يفسر كل واحد بنوده حسب مقتضيات المصلحة الحزبية والفئوية. وتعريف لهوية سياسية حسب قوة كل حزب سياسي في المدن، فمثلا الهوية الشيعية في المناطق الجنوبية، بينما الهوية السنية في المحافظات الغربية، والهوية القومية الكردية في كركوك، وهويات متعددة في مدن واقضية محافظة ديالى وصلاح الدين، اضافة الى ان كل مجلس محافظة يطالب بتحويل محافظته الى اقليم. وبين هذا وذاك تبرم الاتفاقيات بين الشركات الاجنبية وغيرها دون علم المركز، وطرف يسميه بدستوري والمركز يسميه باللادستوري وهكذا دواليك.

ان تصوير وجود جهاز الدولة في اي مجتمع، فقط من زاوية قمع الطبقة العاملة هو تصوير ناقص وغير ماركسي.ان احدى الشواخص البارزة في الصراع السياسي في العراق، هي ان الطبقة العاملة خارج هذا الصراع. ولذلك ان مسألة الاقتصاد في الصراع على الدولة ليس هو الوارد، والتي تكون نقطة جوهرية اخرى تضاف الىأن الصراع على الدولة في العراق نابع عن السياسة كما جاءت في المباحث الانفة الذكر. فاذا ما تفحصنا السياسة الاقتصادية في العراق، فهي معادية حتى النخاع للطبقة العاملة، وان واضعي تلك السياسة متفق عليها من قبل قوى البرجوازية العالمية والمحلية. فسياسة التقشف والخصخصة التي تعني تقليل الانفاق على الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، وتسريح العمال والموظفين، هو جزء من البرنامج الحكومي الذي شرعه المالكي ونفذه العبادي. وتوضح هذه المسألة دون اي اي لبس، ليس هناك اي اختلاف بين القوى البرجوازية القومية والاسلامية على البرنامج الاقتصادي لحكومة العبادي وقبلها لحكومة المالكي، والتي مررها البرلمان بجميع تلافيفيه السياسيه دون استثناء. صحيح هناك احتجاجات عمالية وجماهيرية، ولكن تلك الاحتجاجات هي دفاعية واقتصادية وليس لها علاقة لحد هذه اللحظة بالصراع على جهاز الدولة.

ان الاستثمار، وتنمية ارباح رأس المال، تحتاج الى مناخ وبيئة مستقرة سياسيا وامنيا. ان الرأس المال في الوضع السياسي في العراق غير مهدد من النضالات الطبقية للعمال، بل هو مهدد من الصراع بين القوى البرجوازية المختلفة. وان الدولة هي الصرحالهائل القيمة التي تحدث عنها ماركس، من يبنيها ويستحوذ عليها بإمكانه حسم ذلك الصراع.

ان ظروف استثمار العامل في العراق بحاجة الى جهاز قمعي، وبحاجة الى قوانين تضفي الشرعية على ذلك الاستثمار.ان الحريات النقابية، حق الاضراب والتنظيم والتظاهر، "حرية التعبير "لم يمرر هذا القانون الى الان في البرلمان"، قانون العمل، تواجه معوقات ومشاكل في تنفيذها على الواقع من قبل الطبقة البرجوازية وليس بسبب الحضور الطبقي للعمال في الميدان. ويعود أحد اسبابها الحقيقية الى الفوضى الامنية والسياسية التي تضربالمجتمع بسبب صراع القوى البرجوازية. ولذلك ان وجود نوع من الحريات النسبية في العراق ناجم عن الفوضى وعدم استقرار البرجوازية كطبقة سياسية منسجمة حاكمة، وليس ناجم عن توازن القوى لصالح النضالات الطبقية لعامل. اي بلغة اخرى ان وجود تلك الحريات ليس ناجم عن التنازلات الليبرالية للبرجوازية في مرحلة انتقالية امام الطبقات الثورية.

ان البرجوازية تحاول ان تظهر متماسكة كطبقة امام الطبقة العاملة، وخاصة عندما تهدد الاخيرة مصالحها المادية بشكل مباشر، مثلما وجدناها منذ عام٢٠١١ في القطاع النفطي، لكنها فشلت محاولاتها تلك. وبالرغم من ان المالكي هدد بتطبيق مادة ٤ ارهاب على اي تحرك عمالي في القطاع النفطي، لكن الاجنحة الاخرى للبرجوازية المتنافسة مع جناح حزب الدعوة الذي يقوده المالكي، مثل التيار الصدري والمجلس الاسلامي الاعلى، اظهرت نفسها متعاطفة مع الاضرابات العمالية او الاحتجاجات العمالية في القطاع النفطي، وارسلت وفودها للقاء النشطاء والفعالين العمال وخاصة في خيمة الاعتصام المشهورة للعمال. ومن هذا يبين حجم الصراع بين اجنحة البرجوازية فيما بينها. ان القوى البرجوازية القومية بعربيها وكرديها واسلاميها، ظهرت مرة واحد منسجمة خلال كل السنوات المنصرمة والى الان، امام احتجاجات ٢٥ شباط ٢٠١١، في كركوك وصلاح الدين والبصرة والديوانية وبابل وبغداد. وقد واجهت تلك القوى الاحتجاجات بالحديد والنار. ان التردد الوحيد التي شهدتها تلك القوى هي في موقف تيار القائمة العراقية المتمثل بأياد علاوي. وكان الاخير يحاول ان يستفاد من تلك الاحتجاجات الا انه تراجع بصمت لصالح الماكنة القمعية لحكومة المالكي. ان رعب القوى البرجوازية كانت تكمن من هبوب رياح الثورتين المصرية والتونسية التي اجتاحت كل المنطقة. لكن سرعان ما انطفئت جذوة الاحتجاجات، وطفى من جديد الصراع بين تلك الاجنحة من جديد ليطغي على كل المشهد السياسي.

****

النقطة الاخرى ما بعد الانتهاء من سيناريو داعش، هي بروز مسألة الصراع على هوية الدولة. وان مسألة تقسيم العراق التي تحدثنا عنها بالتفصيل في الجزء الاول تنبع من هذه النقطة.

ومن الممكن التذكير بقضية العلم العراقي كي نبين الصراع على هوية الدولة من احدى جوانبه. وبسبب عدم قدرة اي طرف من الاطراف القومية والاسلامية في حسم مصير الدولة وهويتها خلال السنوات الفائتة، ظلت مسألة العلم هي الاخرى معلقةوقد اتفقت جميع الاطراف بعد صراع طويل على علم العراق للوصول الى تسوية امدها حتى عام ٢٠١٠. وتمخض الاتفاق عنالغاءالنجمات التي على العلم وابقاء كلمة "الله اكبر". وفي عام ٢٠١٠ تعاد المناقشة في البرلمان حول العلم والاقرار على علم جديد. وهكذا ان العلم الحالي المنتهي صلاحياته، يعبر عن حالة هلامية الدولة في العراق ان جاز التعبير.

بيد ان هذا ليس كل المسألة،فلا يمكن حسم هوية الدولة، هل هي علمانية، قومية، غير قومية، عروبية، اسلامية، جعفرية، لا شكل له ولا طعم حسب ما تطلبها القوى القومية الكردية، دون حسم الدستور. والدستور هو تعبير واضح عن صراع القوى البرجوازية فيما بينها. وكان تفسر بنودها حسب مقتضيات مصلحة كل طرف. وبات مفسري بنود الدستور اكثر من مفسرين القرآن. ولتجاوز الخلافات او بصحيح العبارة تسكينها وتأجيلها، تم الحاق في كل مادة خلافية عبارة او جملة "يشرع بموجب قانون" لتأجيل الخلافات والصراعات حولها. وجاءتحينها كتابة الدستور بضغط الماكنة العسكرية للاحتلال. ومع محاولات المالكي في حسم مصير السلطة، وحسم مصير الدولة، اعلن المالكي بالتزامن مع حملته ضد "القوميين والاسلاميين" وضد القوميين الكرد الذي تحدثنا من قبل عنها في هذا الجزء، بالحاجة الى تغيير الدستور. وتقر جميع الاطراف القومية والاسلامية بالحاجة الى تغيير الدستور.وكما كان واضح في ثورة اكتوبر حسم مصير الدولة لصالح البلاشفة وحددت هوية الدولة بالهوية الاشتراكية، وفي ثورة ١٩٧٩ في ايرانحسمت السلطة لصالح القوى الاسلامية، وطبعت الدولة بالهوية الاسلامية، الا ان في العراق ما زالت هوية الدولة معلقةبسبب عدم اكتمال الدولة وحسم السيطرة عليها وبالتالي حسم السلطة بكل نهائي ثم الإعلانعن هويتها ودستورها.

لقد تحثنا من ان البرجوازية فشلت في العراق بجميع اجنحتها القومية والاسلامية، في بناء الدولة والسيطرة عليها لحسم مصير السلطة السياسية. وقد شرعت جميع القوى بتشكيل مليشيات مسلحة تأخذ مكان الدولة وتحل محلها، وتطبع المدن التي تحت أمرتها بطابعها السياسي والاجتماعي. فمع انهيار الجيش النظامي في الموصل ومن ثم تبع انهيارهفي مدن صلاح الدين والانبار، وهو الجهاز الذي شكله المالكي في حسم مصيرالسلطة السياسية، هرعت القوى الاسلامية الشيعيةبتأسيس ذراع قمعي جديد وهو مليشيا الحشد الشعبي، وبموازاة ذلك، هرعت القوى القومية بتشكيل مليشيا "الحشد الوطني" مع فارق زمني قليل والذي لم ينزل الى الميدان لهذه اللحظة، وقبلهما كانت هناك مليشيا البشمركة، التي حاول المالكي مرة بقطع التمويل عنها واخرى بالإعلانبأنهاغير دستورية، وبعد ذلك اراد وضع تعريف لها واحتوائها بأنه جزء من حرس الحدود، لكن كل المحاولات في حلها مثلما فعل مع "الصحوات" او ضمها تحت لواء وزارة الدفاع في بغداد، فباءت بالفشل.

وتتفق كل القوى الاسلامية الشيعية على تحويل "الحشد الشعبي" الى جهاز قمعي وله شرعية قانونية وامكانات مالية كبيرة وصلاحيات واسعة. وان دفع هذا الجهاز الجديد في معركة الموصل كما كان له دورا بارزا في صلاح الدين والانبار وديالى وكركوك، يصب في مسار حسم الصراع السياسي في المناطق التي تحت نفوذ القوى القومية العروبية او منافستها القوى القومية الكردية.

ان انهاء سيناريو داعش في العراق وتحديدا في معركة الموصل، تضع جميع القوى البرجوازية الاقليمية والمحلية امام بعضها، القوى القومية الكردية-جناح الدمقراطي الكردستاني المدعوم من تركيا، القوى القومية العربية مدعومة من تركيا والخليج، القوى الاسلامية الشيعية المدعومة من الجمهورية الاسلامية. وما بعد انتهاء سيناريو داعشستظهر معادلات سياسية جديدة، وستطل مسالة حسم السلطة براسها من جديد وكجزء محوري من الصراع بين تلك القوى. ويبقى معها تشكيل جهاز الدولة واكمال بنائها وبالتالي هويتها السياسية والدستور التي ستضعه محل جدال على الصعيد السياسي والعسكرية والاجتماعي.

ان الحلقة المهمة بالنسبة لنا وبالنسبة للقوى البرجوازية، هي مسالة حسم مصير الدولة وهويتها السياسية والدستور، وهي الحقلة الرئيسية في الاوضاع السياسية في العراق ما بعد الانتهاء من سيناريو داعش.

اذن علينا نلخص تلك المسائل بالشكل التالي:

ان الدولة في العراق لم تكتمل بنائها وما زالت في مرحلة انتقالية، ومحل صراع بين الاجنحة البرجوازية المختلفة. اي ان اكمال بناء الدولة ليس جزء من الصراع الطبقي، بين الطبقة العاملة والطبقة البرجوازية.

ان وصف هذه المرحلة الانتقالية قبل كل شيء ليست بثورية، بل هي مرحلتين متداخلتين،ما بين السيناريو الاسود والفوضى.

ان الطبقة العاملة في العراق ليس طرف في هذا الصراع.

ان جميع اجنحة القوى البرجوازية تتنافس فيما بينها وتتصارع لإكمال بناء الدولة من اجل حسم كل طرف السلطة السياسية لصالحها.

ان توفر الحريات النسبية ليست مرتبطة بالتنازلات البرجوازية، بل بسبب انشغالها بالصراع فيما بينها، ونتيجة الفوضى الناجمة عن ذلك الصراع.

علينا ان نؤكد على نقطة مهمة، وهي ان هذه الاوضاع لن تستمر الى ما لانهاية، وعلينا كحزب ان نستفيد من هذه الاوضاع، اي توفر الحريات النسبية، على صعيد النشاط العلني السياسي والدعائي والتحريضي وفي نفس الوقت اعداد الحزب الى العمل السري.

واخيرا ان التحليل الانف الذكر ليس من اجل التحليل، ولسنا ايضا من اجل ان نقدم النصائح للقوى البرجوازية، بل من اجل وضع سياسة صائبة لتقوية الحزب والطبقة العاملة على صعيد المجتمع. ان تحليل الاوضاع السياسية في العراق، ووصف هذه الاوضاع بأنها ليست اوضاع طبيعية، وليست اوضاع مجتمع في ظل دولة ليبرالية، وليس في ظل اوضاع سلطة دكتاتورية، بل اوضاع غير طبيعية، تهيمن المليشيات عليها، وتطبع مناطق نفوذها بطابعها السياسي والاجتماعي، سيقودنا الى خطط سياسية وعملية معينة. براي ان ان اولى المهام امامنا هي:

 

- ان تحول الطبقة العاملة الى طرف في الصراع على مسألة تشكيل الدولة وهويتها السياسية ووضع الدستور مع الاجنحة المختلفة للبرجوازية في ظروف مثل ظروف العراق التي وصفناها،لا يمكن دون تقوية الحزب الشيوعي العمالي العراقي على جميع الاصعدة.

- ان الاستنتاج من عدم اكمال بناء الدولة، لا يعني "انتظار" القوى البرجوازية بالقضاء على التشرذم السياسي في صفوفها، وبالتالي حسم مصير السلطة السياسية، والتي تعتبر محاولة انتحارية، وإلحاق الضرر بشكل كبير بمصالح الطبقة العاملة، وإلحاق التراجع لسنوات اطول بحركتها. ان الاستنتاج اعلاه يعني ان احدى المهام التي يجب يضع الحزب امام نصب عينيه هي تشكيل قوة عسكرية. وبدون هذه القوة لا يمكن للطبقة العاملة في ظرف ما بين سيناريو اسود والفوضى ان تدخل طرف في الصراع السياسي، وبالتالي ستكمل البرجوازية جميع حلقاتها وتغرس حرابها في صدور العمال بعد ان كانت توجهها نحوها.

- ان المسألة الاخرى التي على الحزب اخذها بنظر الاعتبار هو طرح مشروع دستور في العراق، ويعمل على تعبئة جميع القوى العلمانية والتحررية حولها.

- وبالتزامن مع طرح مشروع الدستور، الدعوة الى "عراق علماني موحد" ودولة علمانية غير قومية

مقالات