سمير عادل

هل هو التملق ام الخوف من الاسلاميين؟

 

كتبت هذا المقال قبل اسبوع ولكن تريثت في نشره بعد اندلاع معركة الموصل. ولكن كما بينت الاحداث على صحة ما ذهبت اليها الصحفية الكندية نعومي كلاين في كتابها "نظرية الصدمة" ومفادها ان المجتمع عندما يتعرضالى صدمة سواء كانت كوارث طبيعية، او انقلابات عسكرية دموية، او نشوب حرب معينة، فأن البرجوازية، اصحاب الشركات والمؤسسات المالية الدولية وممثليها السياسيين، تستغل تلك الصدمة لتمرير سياساتها، لان المجتمعامام مشغول او مذهول او شارد الذهن جراء الصدمة التي تعرض لها، وما زالت تحاول ان تستوعب او تستفيق من جراء ما حدث. وهذا ما حدث بالفعل على أثر معركة الموصل، حيث استغلت كل القوى الاسلامية بشعيهاوسنيها والمتواطئين معها باستغلال معركة الموصل لتمرير قذارتها على شكل قانون سمي بقانون حظر المشروبات الكحولية. وكما نوهنا في كلمة "الى الامام" ((ان البرلمان العراقي يعتقد ان الظروف مواتية كي تمرر تلكالقوانين، الا اننا نبشر برلمان اللصوص والحرامية، بأن تلك القوانين لن تمر في خلسة الليلة وخلف اعمد دخان معركة الموصل، وعلى القوى التحررية والعلمانية والمدنية، فضح هذه مساعي البرلمان والسياسات التي تقف وراءتلك القوانين، ولتتشكل جبهة متراصة لمواجهة هذه السياسات التي توضح بأن البرلمان العراقي والقوى السياسية القومية والاسلامية تسعى بتحويل العراق الى دكتاتورية اسلامية فاشية-العدد 366)). وبالفعل اثبت اندلاعالاحتجاجات ضد ذلك القانون صحة توقعاتنا. وبهذه المناسبة اتجرا في نشر هذا المقال الذي يصب في نفس الاتجاه.

 

 

استوقفني مقال للكاتب والصحفي خالد القشطيني نشر في صحفية "الشرق الاوسط" تحت عنوان "يوم بكيت على العراق" وهو يتساءل عن سر تطرف الشعب العراقي، ومن ضمن ما تطرق اليه المقال، ذكر ثلاثة حوادثمتفرقة وهي بين الاحداث والحوادث ان صح الوصف، تشير الى تحول الشيوعيين والماركسيين الذين كان يوما ما يحتلون مواقع امامية في صفوف الحركة اليسارية في العراق الى تقدم الصفوف في البكاء واللطم في المواكبالحسينية في هذه الايام.

اقول استوقفني المقال المذكور ليشحذ بي الذاكرة الى نهاية عام 2003، حيث جاءني خبر وفاة والدي، وكنت يومها سافرت من بغداد الى اربيل وقد اعدت نفسي للسفر لزيارة اسرتي خارج العراق بعد عام من عودتي الىالعراق وتحديدا عشية الحرب وغزو العراق في كانون الاول 2002. وفي اليوم الثاني عدت ادراجي الى مدينة كركوك حيث كان يسكن اهلي واخوتي هناك. وقد تفاجأت بعد دخول الشارع الذي يقع فيه بيت العائلة، بتعليق لافتةكتب عليها جملة دينية، تنعى رحيل والدي مع ذكر اسماء اخوتي جميعهم باستثناء اسم شقيقتي التي كانت يومها عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العمالي العراقي. ولم اعرف سر عدم وجود اسمها، وخمنت حينهاانهم نسوا اسمها نتيجة صدمة رحيل والدي، وعندما وصلت الى البيت وجدت صوت "ملا" يقرأ خليط من التراتيل الدينية عبر تسجيل صوتي، واستقبلني حينها اثنين من اخوتي وامي التي عندما رأتني احتضنتني وبكتبحرقة. وبعد ذلك طلب مني حينها أحد اخوتي بالذهاب الى "الحسينية" وقلت له لماذا؟ قال لان مجلس العزاء يقام هناك ويجب حضورك. وانتابني حينها نوبة من الغضب ضد جميعهم وقلت لهم نحن شيوعيون، وافنينا عمرنابالدفاع عن كل القيم المتمدنة والمتحضرة والانسانية والراقية، والنضال ضد كل الترهات والتقاليد المتخلفة منذ كان نظام البعث الدموي يبحث عن الشيوعيين واليساريين بالميكرسكوب لاقتناص حياتهم، ولا نعترف بكل التقاليدالدينية، ووالدنا ايضا كان في فترة من فترات حياته شيوعيا، وكان حتى مماته لم يؤمن بأي دين، فكيف تريد ان اذهب الى "الحسينية"؟ وقلت لهم كيف سمحتم ان يقام مجلس العزاء في "الحسينية" الستم بشيوعيين؟وناديت على امي وقلت لها ما هذا الصوت الديني؟ لم يعترف ابي لا بالملالي ولا بالشيوخ، ولا بالجنة ولا بالجهنم، فما سر صوت هذا الملا؟ فقالت لي لا اعرف انه التقاليد، فقلت لها نحن من نصنع التقاليد. وبعد الظهر جاءخوالي وعدد من اقربائي، بعد سماعهم بموقفي، يحثوني للذهاب الى "الحسينية" لان الجميع بانتظاري لتقديم التعازي لي، لأني أكبر اخوتي. فقلت لهم من يريد تقديم العزاء لي، عليه ان يأتي الى المكان الذي انا فيه. ردواعلى بأنني اخجلهم بموقفي هذا واجلب لهم العار، فقلت لهم انتم تخجلونني بموقفكم وتجلبون لي العار. ان كل تاريخي هو النضال من اجل الشيوعية، وقد اعتقلت وتعذبت في سجون صدام حسين لأني شيوعي، وهربت منالعراق وعشت في المنفى لأني شيوعي، واسقطت الجنسية عني لأني شيوعي، وكدت أفقد ابني غرقا اثناء هروبنا وعبور نهر الخابور على الحدود التركية لأني شيوعي، وتحملت ما تحملت لأني شيوعي، والان انتم تريدونتلطيخ وتشويه هذا التاريخ. انكم تجلبون العار لي ولعائلتنا. وقلت لهم لن اذهب الى "الحسينية" ولن ادع اخوتي ان يذهبوا ايضا، وعليكم برفع هذه اللافتة لأنها دينية ولا يوجد اسم شقيقتي عليها والتي عرفت لأنها امرأة فلايجوز ادراج اسمها ضمن اللافتة. وهكذا تحول مجلس العزاء الى بيتنا، كما الغيت الفصل بين النساء والرجال في بيتنا اثناء تناول وجبات الغداء.

 

يقول ماركس ان الثقافة السائدة في المجتمع هي ثقافة الطبقة الحاكمة. في العراق اليوم يدير السلطة هو الاسلام الشيعي، الذي يسعى ليل نهار بتبليه المجتمع العراقي عن طريق المناسبات الدينية والاعلام المأجور وانتزاعقرار العطل الدينية التي تقدر بين 150-175 يوم من البرلمان ليكون اللطم والبكاء والعويل وضرب القامات ولسع الظهور رسميا في "العراق الجديد" وطوال ايام السنة مع استراحات قصيرة، وإطلاق المليشيات وفبركةالاساطير والخرافات، من اجل فرض الهوية الشيعية على الدولة والمجتمع، ويأتي كجزء من معركة حسم مصير السلطة السياسية لصالحه، واضفاء الطابع الاسلامي الطائفي على المجتمع العراقي. ان شخص مثل وزيرالنقل والمحسوب على التكنوقراط، لم يكن له القدرة والجرأة في سوق الخرافات والاكاذيب وفبركة القصص التاريخية حول المركبات الفضائية قبل 5000 الاف عام، في زمن سهولة الحصول على المعلومات دون عناء، لو لا ماالت اليها الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي وصلت في العراق. 

اننا نقول للزميل خالد القشطيني، لك الحق ان تبكي على ما وصلت اليها الاوضاع في العراق، ولكن لا تعطي الفرصة لهم في البكاء في مجالسهم، فكل شيء سيترجم ويجير الى مناسباتهم. وحينها سيقفون في اعلى التلويقولوا: لقد أصبنا بتحميقهم وتحويلهم الى بلهاء، وهو سر نجاحنا في نهبهم وسرقتهم.

ان سر "التطرف" في المجتمع العراقي، يعود الى أحد عوامله الرئيسية الى السلطة السياسية اسوة ببقية المجتمعات الانسانية. فعراق السبعينات، عندما ساهمت السلطة السياسية في تقوية المد التحرري والتقدمي، كانالمجتمع العراقي واحد من المجتمعات الراقية والانسانية في المنطقة، وبعكس المجتمعات الخليجية، فلان السلطة السياسية فيها رجعية فظلت المجتمعات ايضا متخلفة وترسخت فيها كل التقاليد البالية والمتعفنة بالرغم كانهناك رياح تقدمية وتحررية تجتاح المنطقة.

واخيرا علينا ان نحول حسراتنا وبكائنا الى غضب ثوري، ولن نسمح بطأطأة رؤوسنا ولا بتملقنا للإسلاميين ولا لتقاليدهم ولا لمناسباتهم. ان "الشيوعيين والماركسيين" الذي لا يواجهون هذه الممارسات المتخلفة والرجعية حدالنخاع مثلما تحدث عنها الزميل القشطيني، هم يمكن وصفهم بكل شيء ولكن لن يستحقوا بتقليدهم وسام الشيوعي والماركسي كي يصفون بها. علينا ان نوجه سياط نقدنا لكل ما هو موجود دون رحمة ولا هوادة الى كلمظاهر التخلف والرجعية والتقاليد الاجتماعية والمناسبات الدينية والاعراف التي تحط من قيمة الانسان وقدره وتكريس التمييز بكل انواعه الجنسي والعرقي والقومي والديني، التي يراد منها تجميد العقل والسيطرة عليه مناجل انتفاخ جيوب الملالي والشيوخ الممثلين الجدد للبرجوازية العراقية بأموال السرقة والنهب. فعندما يكون العقل طليقا فسيشطح بالتفكير بالثورة، وهذا هو سر مهنة تبليه وتحميق المجتمع. 

ان البديل الوحيد امامنا هو السعي لتحقيق فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم، والغاء كل العطل الدينية، والغاء كل صفة للإشارة الى الدين من كل الوثائق الرسمية، والغاء الاوقاف الدينية، والاقرار على المساواة الكاملةبين المرأة والرجل، وتحريم كل اشكال الطقوس التي تؤدي بالحاق الضرر والاذى الى جسم الانسان. عندها يتحول اشباه الشيوعيين واشباه الماركسيين الى ابواق للدعاية لكل شيء تقدمي مثلما كانوا في حقبة السبعينات.

مقالات