عادل احمد

حرب داعش والأرهاب العالمي


ان ما يجري في عملية ما يسمى "بتحرير الموصل"، وما وراء هذه العملية، يتطلب وقفة وتمعن واتخاذ مواقف سياسية وعملية من الصورة الشاملة لاساس هذه العملية وما يجري في المنطقة. ان الدعاية الاعلامية من كل الاطراف الداخلة في هذه القضية وكذلك الاعلام المأجور، تصب في نفس الخانة وتخدم نفس المصالح للجميع وهي تشويه الحقائق وتشويه الاسباب الكامنة في كل هذه العمليات لكل كلا حسب مصالحه. يقال بأن هذا الحرب هي حرب ضد الارهاب وتحديدا الارهاب الاسلامي الداعشي، ويجب كنسه من العراق وسورية ومن منطقة الشرق الاوسط. وان الدعاية الاعلامية والسياسية هي عبارة عن تجميل القوة العسكرية والسياسية المهيئة لهذه العملية للسيطرة على الارهاب الداعشي ووحشيته. اي ان الاعلام يعكس فقط شيئا واحدا وهو مخاطر ووحشية داعش والقضاء عليه. ولكن ما هو داعش وماهي القوى والدول من وراء خلقه؟ وماهي الاسباب التي اوجدته، وعلى ماذا يتغذى الارهاب الداعشي؟ وماهي اسباب قوته وانتشاره؟ كل هذه التساؤلات لا يتحدث عنه الاعلام ولا يقترب منها اعلام القوى الداخلة في هذه العملية ويخفيه عن الرأي العام ولا يتطرق اليه بأي شكل من الاشكال.

ان الحرب على الارهاب كما يدعيها كل اطراف هذه الحرب، من امريكا وروسيا والعبادي والحشد الشيعي والحشد السني وتركيا والسعودية وقطر وايران والقوات الكردية، حربهم بالضد من الارهاب الداعشي هي اكبر كذبة على الاطلاق. وان محاربة الارهاب الداعشي بكل هذه القوة العسكرية الضخمة والحشد العسكري الضخم، وحشد صواريخ الكروز والتوماهوك والسفن الحربية والطائرات وغيرها من الأسلحة المدمرة الى المنطقة، وتواجد آلاف الخبراء العسكريين في المنطقة من كل الاطراف وخاصة من الدول والاقطاب العالمية للقضاء على خطر الارهاب الداعشي، فهي اكبر كذبة واكبر تضليل للراي العام العالمي حول ما يجري في العراق وسوريا والمنطقة. 

ان امريكا والغرب بالدرجة الاولى هم من صنع داعش والقاعدة والنصرة والمجاهدين الاسلاميين في كل مكان، بواسطة الدول الاقليمية امثال السعودية وقطر وباكستان، وبالضد من اليسار والشيوعيين والقوى التحررية ومن ثم استعمالها من اجل مصالحها في المنطقة والعالم. استخدمت القاعدة والمجاهدين الاسلاميين ضد الاتحاد السوفيتي السابق والقوة التحررية في الشرق الاوسط وبالضد من القوميين الموالين لروسيا. أمريكا خلقت داعش كما صرحت هيلاري كلنتون في احدى المقابلات، بالضد من بشار الاسد وبالضد من النفوذ الروسي، ودعمت ارهابه لوجستيا وماديا وجهزته بالاسلحة والعتاد من اجل اسقاط الحكومة السورية. ولا تزال تدعم بقوة جبهة النصرة واحرار الشام في سورية وحتى تدعم داعش بطريقة أو باخرى. وان محاربة كلبهم المسعور وطفلهم المشاكس تحت مسميات الحرب على الارهاب هي كذبة يحاولون تصديرها للرأي العام لاخفاء مخططاتهم وسياساتهم الغير انسانية. ان استخدام كل هذه الاسلحة الفتاكة والمدمرة لقتل الابرياء من ساكني الموصل ولتدمير البنية التحتية وكل المظاهر المدنية، وارعابهم تحت مسمى الحرب على الارهاب هي عملية ارهابية صرفة وخطيرة، وان خطورتها تعد بعشرات الاضعاف من خطورة الارهاب الداعشي، وسوف تبقى اثارها في مستقبل كل المنطقة لان هذا الحرب وهذا القتال ليس من اجل طرد داعش وانهائه، وانما هي عملية تصفية حسابية بين الاقطاب العالمية امريكا والغرب من جهة وروسيا والصين من جهة اخرى، على زعامة العالم وتقسيم مناطق النفوذ بعد التشقق في عالم احادي القطب بزعامة امريكا وبروز القطب الروسي، لآخذ زمام الامور في المنطقة بعد فشل سياسات امريكا في العراق وسورية. ان هذه الحرب في حلب والموصل هي حرب بين هذه الاقطاب ولا ربط لها بالحرب ضد الارهاب والقضاء على داعش والنصرة والاسلاميين الارهابيين، وان حتى برحيل داعش سوف تظهر دواعش أخرون تحت تسميات اخرى. ان الحرب ضد الارهاب لا تتم بالارهاب وانما هي عملية سياسية ويمكن القضاء عليه بالقضاء على مصدره. ان الارهاب يعتاش على الاوضاع التي جلبتها امريكا والغرب الى الشرق الاوسط، ومن دعمهما لاكبر الدولة الارهابية والعنصرية كأسرائيل الأرهابي الكبير بحق الفلسطينيين العزل، أضافة الى دعم السعودية وقطر واللتان هما مصدر الاسلام السياسي والارهابي.. ناهيك عن تدخلهما في شؤون الدول وفرض سياساتهما الامبريالية والتي هي مصدر كل الارهاب في العالم. ان روسيا تدخل عن طريق ايران والحكومة العراقية وميليشلتها الحشد الشعبي وعصائب اهل الحق والحرس الثوري، امريكا تدخل عن طريق تركيا والحشد الوطني والاتحاد الديمقراطي الكردستاني وطائراتها وصواريخها ومستشاراتها العسكرية على الارض. فأن كلا القطبين الروسي والامريكي رجعيين حتى اخمص القدمين، وان مايسموه تحرير الموصل ما هو الا الصراع للسيطرة على مناطق النفوذ والهيمنة السياسية والعسكرية على المنطقة. ولا برط له بطرد داعش والحرب ضد الارهاب.

ان هذا هي الصورة الحقيقية لما يجري في الموصل وما يسمى بعملية تحرير الموصل. وان الموقف الشيوعي والماركسي يجب الاخذ بنظر الاعتبار كل هذه اللعبة ومخاطرها وابعادها السياسية واللاانسانية، لكل القوى السوداء الداخلة في هذه العملية وتأثيراتها على مستقبل المجتمع في هذه المنطقة. ليس خافيا بأن داعش هي قوة رجعية ووحشية يجب كنسها والقضاء عليها بقوة ولكن حرب تحرير الموصل لا ربط له بهذا الهدف ولا ربط له بالقضاء على الارهاب، وانما هي تحول سياسي لتغير داعش الى قوة اخرى وتحت مسمى اخر لخدمة امريكا والغرب وجعلها تحت وصايتها. اما بالنسبة لمحور روسيا فأن ظهور حليفاتها على ارض الواقع بقوة وتنفيذ مخططات القطب الروسي وظهورها كقوة فعالة في توازن القوى وتأثيراتها على المسار السياسي في الشرق الاوسط. اذن هي شريك في كل هذه اللعبة تحت اية ذريعة مثل دعم الشيطان للقضاء على الارهاب الداعشي، او السكوت امام هذا الارهاب العالمي بحجة محاربة داعش هي خاطئة وغير ماركسية. ان داعش وارهابه ووحشيته يجب القضاء عليه هذا مطلب ثوري وحقاني ولكن امريكا والغرب لا يتجه نحو هذا الهدف وانما يستعمل هذا الذريعة امام تمدد القطب الروسي. وان القضاء على داعش هي مهمة الانسانية المتمدنة وليس بالارهاب الدولي.

ان الموقف الشيوعي والعمالي هو عدم الانخراط وعدم التوافق مع سياسات ومخططات الاقطاب الارهابية ونزاعاتهما، وهي عدم قبول سياساتها اللاانسانية بتدمير المدن والبنية التحتية والمدنية وقتل الاف الابرياء والمدنيين بالصواريخ والقاء القنابل عن طريق الطائرات والسفن الحربية، بحجة الحرب على داعش ويجب ادانتها ومحاولة ايقاف هذا الحرب الارهابية وحرب القتل والتدمير، والتي لا ربط لها بالحرب على داعش والقضاء عليه. ان محاربة داعش هي مهمة انسانية وهي مهمة الجبهة الانسانية وليس مهمة الجبهة الارهابية العالمية. على الجماهير في الموصل ان تفصل افاقها واهدافها مع كل القوة الارهابية الدولية وان تنظم نفسها بصفوف مستقلة وان تحارب داعش وكل القوة الارهابية المحلية والعالمية. وعلى الجبهة الانسانية الوقوف بوجه تطاول سياسات الاقطاب الارهابية العالمية الامريكية والروسية. ان مخاطر هذا الحرب اكبر من مخاطر داعش.. لان الداعش ما هي الا احدى الحلقات لهذا الصراع العالمي ويجب ايقافه.

مقالات