ريبوار احمد

-تحرير الموصل- أم حرب الأقطاب الرجعية؟!

حرب مدمرة وضعت المنطقة والمجتمع البشري أمام خطر كبير. وسائل الإعلام الخائنة منشغلة جداً بغسل أذهان جماهير المنطقة والعالم. أنهم يقولون أن عملية الموصل مأساة مرعبة وهي قريبة الوقوع. هذه الحرب تدفع بالصراع حول مستقبل العراق والشرق الأوسط الى مرحلة أخرى. هذا الموضوع هو بحث شامل بخصوص هذه الحرب. محاوره الرئيسية عبارة عن:

- النتائج المدمرة لهذه الحرب والأيديولوجيا المبررة للنتائج الواقعية الكامنة خلف هذه الدعاية الحربية.

- دور دول المنطقة، إيران، السعودية، تركيا، وكذلك السلطات في العراق وكردستان، ومشاركة البيشمركة.

- نتائج هذه الحرب على أمن المنطقة والعالم وعلى مستقبل العراق.

- الخطوط الأساسية للسياسة الاشتراكية، والموقف الأممي.

 

عملية "تحرير" الموصل أم تدميرها؟!

 

الموصل هي ثالث أكبر مدينة عراقية بعد بغداد والبصرة. وهي محافظة مليونية وأحد المراكز الحضرية والثقافية ومراكز الدراسة والصناعة. وقد تم تسلميها في وضح النهار ووفي ظرف ساعات قليلة لداعش من قبل الجيش العراقي المسلح بشكل هائل. فقد تعرضت خلال أكثر من سنتين للتدمير والتخريب تحت سيطرة داعش الوحشية وتحولت الى جحيم يحرق سكانها. ويبدو أن استعدادات كانت تجري خلال هاتين السنتين لتحريرها. فخلال هاتين السنتين جرى تدريب الجيش العراقي والحشد الشعبي ومختلف الميليشيا التي صنعتها النظام الوحشي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكذلك تدريب قوات البيشمركة من قبل أمريكا رئيسة إرهاب الدولة العالمي وجرى إطعامها المقويات والأدوية المنشطة من أجل "عملية تحرير الموصل".

مدينة الموصل تحترق الآن من الداخل على يد داعش ومحاصرة من كافة الجهات بقوات عسكرية متنوعة ضخمة جداً. فكل قوة دولية وجماعة مجرمة معادية للبشرية تحولت الى جزء من هذا الحصار العسكري. لقد تم جمع العديد من المليشيات الشيعية وتهيئتها لإراقة دماء كل شخص ختم على جبينه تسمية "سني". كذلك تم جمع قوات البيشمركة بالتعصب القومي الكردي من جانب، وقوات الجندرمة المدربة بالفاشية التركية من الجانب الآخر لتكون جزءاً من هذا الحصار. ولكن مازال هذا هو الظاهر فقط، وإلا فإن كل دولة إرهابية وملطخة الأيدي بالدم في العالم والمنطقة لها يد في هذا الحصار وهذه العملية. فالجمهورية الإسلامية التي أعدمت بشراً بقدر عدد سكان الموصل، إسرائيل المشهورة عالمياً بقتل البشر، السعودية ودول الخليج التي تعتبر رمزاً للرجعية والإعدام بحد السيف، الدولة الفاشية التركية المعروفة بالإبادة الجماعية للأرمن والتي تقوم الأن بأبشع أشكال الإرهاب في قمع وقتل جماهير كردستان وفرض العسكرتارية عليها، سوريا بشار الأسد مصاص الدماء، وبقايا الحركة القومية العربية ذات التاريخ الملطخ بالدماء... جميع هذه الجماعات الدموية توزعت على جبهتين ضد بعضهما البعض الآخر حيث تقود أمريكا أحدهما، أي المستخدم الوحيد للسلاح النووي في العالم حيث حولت في ظرف لحظات عشرات الآلاف من البشر الأبرياء في هيروشيما وناغازاكي الى رماد، فيما تقود الجهة الأخرى روسيا التي مازالت قنابلها وقصفها المدمر للشيشان وحلب المدمرة مستمراً.

لقد تحولت سماء الموصل الى طريق ضيق بحيث أن الطائرات الحربية لأمريكا والغرب وروسيا والجماعات التابعة لهذه الأطراف على وشك الاصطدام ببعضها البعض. وإذا أغفلنا رصاص الأسلحة الكلاسيكية والصغيرة، مازال هناك من القنابل والصواريخ التي أعدت لإمطارها على سماء هذه المدينة ما يتجاوز عددها عدد سكان الموصل بأضعاف مضاعفة. كل هذا يأتي في الوقت الذي تمت فيه محاصرة أكثر من مليون إنسان بريء وأعزل في هذه المدينة وفقاً لإحصاءات الدول والقوى التي تقوم بالحصار. وإذا أرادت الناس الهرب عليها قبل كل شيء أن تنقذ رأسها من سكين داعش الدامية، وبعد ذلك ستقع بيد المليشيا الشيعية التي ستبيدها كلها. وإذا حالف الناس الحظ ووصلت الى كردستان ستبقى على قيد الحياة وستقضي أيامها عزلاء وعرضة للتحقير والاهانة والاتهام بتهمة "عربي داعشي". وإلا فإن عليها البقاء في انتظار الموت داخل الموصل المحاصرة وفي ظل القصف ووحشية داعش. كذلك إذا قدر لمخطط عملية "تحرير الموصل" أن يتم تنفيذه، من الصعب بقاء أية آثار للمدينة والتمدن والمدنية فيها. وإذن فإن العملية التي يتم فيها أبادة جماهير الموصل جماعياً وتتحول المدينة الى خراب، ليس بوسعها إلا أن تكون عمليه تدمير لا تحرير. إنه بالضبط مثل ما قاموا به باسم "تحرير" أفغانستان من يد طالبان والعراق من يد صدام حسين، حيث بالإضافة الى الإبادة الجماعية للناس الأبرياء وتدمير هذا المجتمع، لم يبقوا أية آثار للمدنية وحولوها ساحة لظهور القاعدة والصدر وبدر وداعش.

المبررات الأيديولوجية لهذه الحرب

 

بالتزامن مع هذا الحصار والاستعدادات العسكرية واستقطاب القوى الداخلية والإقليمية والعالمية، تقصف كل قوة وكل كتلة وكل طرف في هذه الحرب أذهان الجماهير بالدعاية والقصف الدعائي ووضع عقول الجماهير في العالم والمنطقة بين فكي كماشة أيديولوجيا الحرب. فالهيئة الحاكمة في أمريكا وحلفائها والجماعات التابعة لها علقت على ياقاتها ميداليات بطولة "الحرب ضد الإرهاب وحماية الناس في العالم من الإرهاب". ويصورون أن الحرب ضد داعش وعملية "تحرير الموصل" على وجه الخصوص هي مقطع مهم من هذه الحرب للقضاء على الإرهاب وداعش. يصورون أن أمريكا والغرب هم قادة التمدن وحماة هذه الحضارة من وباء الإرهاب الذي لم يغرق فقط جماهير الشرق الأوسط بالدم بل وأنه يجر المواطنين أفواجاً في قلب الحضارة الغربية والبلدان الأوروبية نحو الموت. ويبدو للجماهير القلقة والفاقدة للبديل التي شهدت المجازر في فرنسا وألمانيا وبلجيكا والحادي عشر من أيلول والعديد من الكوارث الأخرى أن لا شيء أكثر بديهية من أن عليها مدح وتعظيم أمريكا وحلفائها والجماعات التابعة لها لأنها كما يبدو تثأثر لأولئك الضحايا وتحرر البشرية من هذه الوحوش القاتلة! وقامت روسيا بدورها في قافلة هذه المنافسة القائمة في المنطقة بمساندة الجمهورية الإسلامية والدفاع العلني عن السلطة القمعية لبشار الأسد. وفي فرصة سانحة بعد ذلك، جعلت من عدم فاعلية هجمات أمريكا والغرب وحلفائهما حجة ودخلت مباشرة بغموض أكبر الى الساحة. لقد جعلت روسيا من إصرارها على دحر داعش وسلب ميدالية البطولة في "القضاء على الإرهاب" من يد الكتلة الأمريكية دعايتها وأيديولوجيتها الحربية. في حين أن تركيا والسعودية ودول الخليج وإيران وإسرائيل اصطفت وفقاً لمصالحها واتخذت مكانها الى جانب احدى هاتين الكتلتين، وعدا عن دعاية المشاركة في حماية العالم المتمدن من خطر الإرهاب، جعلت من حجة الحفاظ على أمنها القومي والوقوف ضد مخاطر تقسيم العراق على أمنها الإقليمي إطاراً لأيديولوجيا الحرب ومبرراً لتدخلها في هذه الحرب. لقد خلق الجميع مناخاً يبدو فيه بأن العالم إذا ما امتلك كل هؤلاء الحماة ليس على البشرية التحررية أن تقلق من الإرهاب! ولكن مع ذلك هناك قلق شامل يسيطر على العالم. وفي الحقيقة فإن البشرية التحررية وعلى الرغم من أنها عاجزة أمام هذه القصف الدعائي والأيديولوجيا الحربية وتفتقر للوضوح التام، إلا أنها في قرارة نفسها لا تستطيع تصديق هذا الاهتمام المنقطع النظير بها من قبل هذه الدول والكتل التي تقطر أنيابها دماً.

وعلى المستوى الداخلي العراقي فإن المليشيا الشيعية بقيادة حكومة العبادي والأطراف الإسلامية الشيعية التي تسير في الواقع بخطط وأوامر الجمهورية الإسلامية تقطف أذهان الناس بأنها كحكومة وممثل لجماهير العراق تمارس واجبها لتحرير أراضي البلد من يد الإرهاب وتوفير الأمان للمواطنين. وتبالغ كل الحركة القومية الكردية وأحزابها وسلطتها في اعتبار المشاركة في هذه العملية مبعثاً للفخر. حيث تظهر الأمر وكأن قوى البيشمركة حصلت على الصعيد العالمي على شرف محاربة الإرهاب بالنيابة عن جماهير العالم كله وحققت لقب البطولة العالمية في هذه المرحلة. ويعتبر قادة الحركة القومية الكردية وحكام إقليم كردستان من هذه الناحية أن العالم المتمدن مدين لهم. وعدا عن ذلك فإنهم يعتبرون المشاركة الفعالة لقوات البيشمركة في هذه العملية، بالاضافة الى هذا الفخرن فانها واجباً وطنياً وقومياً مقدساً و عمل ضروري لاستعادة "المناطق المقتطعة" الى إقليم كردستان. فمسعود البارزاني يتبجح بمظهر القائد الميداني لهذه الحرب من دون أن يهتم بأن جماهير كردستان والعالم مازالت تتذكر تصريحه قبل عامين حين احتلت داعش الموصل حيث صرح دون أدنى اهتمام بالأمن العالمي قائلاً: "ليس لداعش أية مشكلة مع الكرد ونحن ليست لدينا أية مشكلة مع داعش، ففي هذه الفرصة التي دخلت بها داعش، استعدنا جزءاً من مناطقنا المقتطعة وسنؤسس الدولة الكردية المستقلة".

اما داعش يعتاش من اضطهاد سنة المذهب العراقيين على يد الحكومة المركزية وكره أهالي المنطقة لظلم أمريكا والغرب. فما نراه في قلب أوروبا المتمدنة من شباب مستعدين للتخلي عن حياتهم والانضمام لمجاهدي داعش الإسلاميين أو ارتداء احزمة داعش المفخخة وجر أفواج من الناس الأبرياء معهم الى الموت، هو قضية أعمق وأكثر تعقيداً من تحليلها كنوع من الجنون والحماقة. لقد دمرت أمريكا مجتمعاً متمدناً كالعراق بحجة تحريره من دكتاتورية صدام وحولته الى جحيم تحترق فيه الناس لثلاثة عشر عاماً ويُجرُّ مئات الآلاف الى الموت. أمريكا التي تساند علناً ودون خجل دولة إسرائيل الدموية التي تغرق جماهير فلسطين بالمآسي والويلات. وفي قلب الحضارة الغربية أتعبت العنصرية الناس والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين ٢٠٣٠ عام والذين ولدوا في الغرب حيث لا يعتبرون أي مكان بلدهم غير البلد الذي ولدوا فيه، والذين لا يعرفون التكلم بلغتهم الأم حتى، يتم التعامل معهم كأجانب بسبب لون شعرهم الأسود أو لأن أصولهم عربية أو مسلمة. والمرشح الرئاسي في أمريكا يريد الفوز بالانتخابات بشعار معاداة المسلمين والسود وإغلاق الباب بوجوههم. وفي داخل العراق ومنذ اللحظة التي أمسك بها الإسلام الشيعي بمقاليد السلطة الرئيسية مارس حرب إبادة ضد سنيي المذهب حيث وصل هذا الظلم الى القمة في عهد نوري المالكي. والآن وقع ملايين المواطنين الذين ليس لهم أي ذنب عدا أنهم سنة في المذهب ووقعوا تحت لطمات وصفعات داعش، وإذا هربوا من يد داعش نحو مناطق العراق الأخرى ستبيدهم المليشيات الشيعية. وإذا وصلوا الى كردستان يتم اهانتهم واتهامهم ك"عرب ودواعش". وإذا نجوا من أمواج بحر إيجة ووصلوا الى أوروبا لا يتم منحهم حق اللجوء. فما هو الحل لهذه الملايين من البشر الأبرياء؟ في غياب بديل فعال متمدن وثوري، تنبع داعش كتيار إسلامي وحشي وإرهابي ودموي بالضبط من ظلم هذه الملايين من البشر الأبرياء الذين أصبحوا ضحايا التمييز ضدهم. أنها تستفيد من ظلم وسخط أولئك البشر وردود أفعالهم العمياء وتضع رايتها بأيديهم. هذه هي أيديولوجيا حرب وانتحار داعش، وليس الاصطفاف للذهاب الى الجنة والحوريات الممشوقات القامة والاسترخاء على ضفاف أنهار من الحليب والعسل.

الحرب "ضد الإرهاب"

إن أكبر الكذب والرياء والخديعة تكمن خلف هذه العبارة. ليس هناك مقدار ذرة من الحقيقة في ذلك المحيط من الدعاية التي تغسل أدمغة جماهير العالم خلف هذه العبارة. لقد دمروا أفغانستان المدمرة أكثر باسم الحرب ضد الإرهاب ومن ثم وضعوا عميلاً لهم على كرسي السلطة، ومع ذلك لم يُبقِ الإرهاب هذا المجتمع في قلب عذاب كبير فقط حتى الآن بل وإنه وضع العالم كله أمام خطر كبير أيضاً. وفي عام ٢٠٠٣ أشعلوا حرباً دموية وأعادوا المجتمع الى الوراء لعشرات السنين بحجة القضاء على خطر أسلحة الدمار الشامل التي تهدد الأمن العالمي وتحرير جماهير العراق من صدام الدكتاتور والداعم للإرهاب، وبعد ذلك أحلوا العشرات من أشباه صدام والجماعات الإرهابية محله وأغرقوا المجتمع بالإرهاب. وفي ليبيا أطلقوا سراح الإرهاب لينقض على الجماهير بحجة القضاء على دكتاتورية القذافي. وفي سوريا حولوا البلاد الى عش للإرهاب وخلقوا هذا الجحيم الذي تغطي قمته على كل جماهير المنطقة بسم القضاء على استبداد بشار الأسد. وهاهم يجعلون هذه المرة من "عملية تحرير الموصل" منجنيقاً لضرب جماهير المنطقة. يا ترى ما هي الحلقة القادمة من هذه الوحشية والرياء؟ ووفقاً لما جرى اختباره حتى الان، أية موجة إرهاب يا ترى ستخلقها هذه العملية وتضعها في مواجهة جماهير المنطقة؟ بعد كل هذه السنوات من الإرهاب الدولي والقتل والتدمير بأسلحة الإبادة الجماعية والقصف وبعد سنوات من تربية الإرهابيين الإسلاميين وفسح المجال أمام الإرهاب هل هناك من حاجة لمأساة أخرى كي يظهر لجماهير العالم حقيقة كذب وخدع أمريكا والغرب والقوى الكبرى؟ أنهم هم من جلب هذه السيناريوهات القومية والدينية والطائفية المريرة التي جعلت جماهير المنطقة تنهش بعضها بعضا. قبل هذه السيناريوهات البربرية لم يطبل أي احد في العراق باسم الشيعة والسنة الذين يبقرون الان ويمزقون بطون بعضهم البعض الآخر.

جميع الحركات الرجعية والإرهابية الإسلامية وحتى نفس داعش هي فقط وفقط صنيعة قادة الحرب "ضد الإرهاب" الحالية. فالإسلام السياسي هو في الأساس حركة إرهابية واستراتيجيته تقوم على أساس الإرهاب والرعب والتخويف والقمع. ليس هناك أي تيار إسلامي دون أن يكون إرهابياً بطبيعته. بروز الطابع الإرهابي لذلك التيار الإسلامي او عدم بروزه مرهون بالظروف والأوضاع وتوازن القوى والفرص المتاحة. فطوال التاريخ كان الانتحار وما زال موجودا خارج الإرهاب الإسلامي، ولكن الإسلام السياسي هو من جعل الانتحار تقليداً للقتل الأعمى والجماعي للمدنيين وظل تقليدا لديه هو فقط. هذه العصابات الإسلامية برسالتها المهترئة والرجعية، بعدائها الأعمى لكافة الأماني وتطلعات الإنسانية والتحررية، باغترابهاعن أشكال الحياة المعاصرة، بسخفها ورجعيتها مقابل المرأة وحقوقها ..و.. لم يكن لها نتيجة نشاطها وممارستها السياسية والتنظيمية وانتشار فكرها وأيديولوجيتها في أي وقت من الأوقات أي دور في الساحة السياسية ليس على صعيد العالم فقط بل وحتى في منطقة الشرق الاوسط وأفريقيا. تاريخ اكتساب هذه الوحوش لدور ما يعود الى مرحلة اشتداد الصراع وتصاعد الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية. كذلك فإن صراعات النصف الثاني من القرن العشرين في مجتمعات الشرق الاوسط وأفريقيا عرَّضت مصالح الكتلة الغربية للخطر. خصوصا وأن هذه التيارات كانت صنيعة يد أمريكا والكتلة الغربية قبل أي طرف الاخر. هي من دربت تلك التيارات وساندتها وسلحتها ودعمتها مالياً، كي تحركها في الحرب الباردة ضد الكتلة الشرقية، وكي تخلق مشاكل للحركة القومية العربية فيما يتعلق بقضية فلسطين، ومن الذي توظفها ضد الحضور والدور الكبيرللحركة اليسارية العمالية في المنطقة..و.. فقبل ذلك كانت هذه العصابات على هامش مجتمعات هذه المنطقة وكانت منشغلة في جحورها باصطياد يد القمل والقراد المتكاثري على رؤوسها ولحاياها.

وقد سلّحتها في حرب أفغانستان بكافة الاشكال كي تحارب الاتحاد السوفيتي ومن ثم أوصلتها الى السلطة. وفي العالم العربي وبشكل مشخص في مصر وفلسطين التي كانت في ذلك الوقت تصطف الى جانب الكتلة السوفيتية، قوت الكتلة الغربية بقيادة أمريكا الجماعات الإسلامية مقابل الحركة القومية العربية. وفي إيران ساندت الخميني وحزب الله في الوصول الى كرسي السلطة كي تقمع بهما ثورة ١٩٧٩ ضد النظام الملكي. وبهذا الشكل اتخذ الإسلام السياسي مكانه كحركة إرهابية ذات دورفي الساحة السياسية في المنطقة.

ولكشف هذه الحقائق ليس من الضروري العودة الى تاريخ العشرات من السنوات السابقة. فالجماعات الإسلامية الآن في ليبيا اكتسبت دورها الحالي بمساعدة الغرب والناتو لإخافة الذين يخرجون من طوع أمريكا على شاكلة القذافي. نفس داعش الحالية التي وضعت العالم أمام خطر الإرهاب هي صنيعة أمريكا. وقد اعترفت السيد هيلاري كلنتون بصراحة أنهم هم من صنع داعش والجميع يواجهها الان في حملتها الانتخابية بهذه الحقيقة وهي عاجزة عن انكارها. أمريكا هي من انجبت خلال السنوات القليلة الماضية داعش من رحم المعارضة "الثورية" السورية وسلحتها وربتها وأوصلتها الى هذا اليوم مقابل بشار الاسد الخاضع للتأثير الروسي. لندع الأمس والسنوات القليلة الماضية جانباً، ولنرَ أمريكا الان مشغولة بشكل مباشر أو غير مباشر بتسليح الجماعات (الجیش الإسلام وجبهة النصرة في سوريا) التي ستكون داعش المستقبل.

وقد تحدث بهذا الخصوص ممثل روسيا في الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، يوم الاحد الثاني من تشرين الاول في الاجتماع الخاص لمجلس الأمن بشكل رسمي عن هذه المسألة. وفي تقرير من أسنا في الشبكة الخبرية راشتودي، يقول أحد القادة العسكريين في جبهة النصرة بسم (أبو العز) في مقابلة مع كل يورغن تودنهوفر مؤلف كتاب " عشرة أيام من العيش مع داعش في الخلافة الإسلامية" ومراسل صحيفة كوئلري الألمانية في حوار جرى في حلب يوم السابع عشر من أيلول: "يتم إرسال السلاح والعتاد إلينا من قبل واشنطن، وقد جاء مدربون أمريكيون الى سوريا لتدريب جبهة النصرة في كيفية استخدام تلك الأسلحة للانتصار ضد الحكومة السورية". كذلك يقول: "إن تلك الدبابات التي تُرسل إلينا تأتي من ليبيا وتصلنا عن طريق تركيا حيث يصل معها أحياناً قواعد لإطلاق الصواريخ. نحن لدينا الآن صواريخ (تاف) الأمريكية وبهذا الشكل أستطعنا السيطرة على بعض المناطق. وفي الوقت الذي حوصرت فيه جبهة النصرة كان معنا أشخاص تابعين لدول تركيا وقطر والسعودية وإسرائيل وأمريكا ساعدونا في الاستفادة من الأقمار الصناعية والصواريخ وأجهزة المراقبة الأمنية الخاصة". كذلك يقول أيضاً:"حصلت جبهة النصرة لمرات عديدة على دعم مالي من تلك الدول لتحقيق أهدافها. فقد استلمت، على سبيل المثال، ذات مرة خمس مائة مليون ليرة سورية من السعودية، واستلمت مرة أخرى مليون ونصف مليون دينار كويتي من السعودية أيضاً للسيطرة على مركز تدريب عسكري في (المسلمة). وتتعاون معنا الآن إسرائيل أيضاً لأنها في حرب مع الدولة السورية وحزب الله. كذلك يمهد الغرب الطريق للمجاهدين كي يوصلوا أنفسهم الى سوريا. فنحن لدينا مجاهدون كثيرون من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا وكل الدول الغربية". ونفس الصحفي ينقل عن لسان في محمد علوش، أحد القادة العسكريين للحركة الإسلامية، والعضو في اللجنة العليا لحوار المعارضة مع الحكومة السورية، في حوار معه: "كانت مجموعتنا في البداية جزءاً من جبهة النصرة وكانت سابقاً في تركيا ومن ثم ارتبطت بالمعارضة الحرة".

في الحقيقة ليس بوسع الإسلام السياسي البقاء حتى في الشرق الأوسط نفسه كقوة ذات دور وحضور بارز لولا مساعدة ودعم الغرب والدول الخاضعة له. المشكلة الحالية للغرب وأمريكا وروسيا ومعهم جناب البارزاني القائد العام لقوات البيشمركة ليس الإرهاب. فجميعهم على استعداد لرفع قبعاتهم لداعش شرط أن لا تطيل مد أقدامها أطول مما مسموح لها به وأن لا تخرج عن طوعهم وأن لا تعرض مصالحهم للخطر. أي على سبيل المثال شرط أن تمارس قتلها فقط في حدود الشرق الأوسط وان لا تمد يدها على أمريكا وأوروبا، تماماً مثل وجود العديد من العصابات المسلحة في الصومال وأفريقيا والتي أنقضت على حياة الناس ومازالت تمارس إبادتها الجماعية لهم، دون أن ينطق الغرب بكلمة حول إرهابها أو يقول بعملية للقضاء عليها. فكل واحد من هذه الكتل والاصطفافات على استعداد لمد البساط الأحمر لخليفة داعش شرط أن يأخذ بنظر الأعتبار مصالح الغرب وأن يجد له مكاناً الى جانبها. ألم يساومهم البارزاني قبل عامين حين احتلت داعش الموصل؟ ألم يبعث لها برسالة السلام والتصالح علناً ويصرح أن ليست لديه مشكلة معها؟ ألم يقدم لها سنجار مثل باقة ورد؟

 

ولنتجاوز ذلك، أليس هناك شيء أوضح وأكثر صراحة من أن داعش لو كانت الآن ماتزال معهم لكانت الآن تحرك بالمساعدة الشاملة وغير المحدودة من السعودية وقطر وتركيا، كلاب أمريكا، سلطتها وإرهابها المنفلت العقال؟ هل يوجد هناك أحد لا يعرف أن تركيا هي حاضنة داعش ومعبرها وقناة تجارتها ومشفى جراحها و..و..؟ هل من الخفي على أحد أن السعودية تضع حتى أموال الحج بيد داعش؟ هل هناك من لا يعرف أن قطر هي بنك داعش؟ ملف تجارة الرأسماليين والقادة في حكومة الإقليم مع داعش، ملف يعرفه كل أهالي كردستان. هل من ممكن أن يكون الإرهاب والقضاء عليه مشكلة هؤلاء الإرهابيين الدوليين والحاظنين لداعش؟ لو كانت لهم ذرة مشكلة مع الإرهاب، فليتوقفة عن الحرب والبطولة وتدمير المجتمع والقتل والتدمير، وليسعوا بدل ذلك للملمة أنفسهم والخروج من المنطقة. وبدلا من محاربة داعش ليجرو اذن عملائهم كي يوقفوا مد داعش بالسلاح والعتاد والأموال وقطع المساعدات عنها. وبهذا الشكل يستطيعون إطفاء داعش من المصدر الرئيسي مما يمكن جماهير هذه المناطق التي تسيطر عليها داعش من طردها بالركل والحجارة. ألم تقم جماهير كوباني بهذا الأمر رغم دعم كل تلك الدول لداعش؟ وفي كردستان ليفكر البارزاني وأحزاب الحركة القومية الكردية بمصير خلايا الدواعش النائمة في كردستان بدلاً من التحول الى أبطال عملية التدمير النهائي للموصل ووتقديم فلذات أكباد العمال والكادحين للموت لتنفيذ أومر سادتهم وتصعيد الصدام القومي، وليذهبوا لمواجهة داعش الكردية المقنعة، ولينظفوا قوانينهم من الداعشية والاهتمام بوزارة الأوقاف التي تحولت الى معمل لأنتاج داعش.

مثلث الصراع على السلطة

في الجانب الآخر من الدعايات وايديولوجيا الحرب لكل الأطراف في هذه الحرب الإرهابية التي يخدعون بها جماهير العالم والمنطقة، ثمة حرب رجعية دموية على سلطة ونفوذ الكتل العالمية والجماعات المحلية التابعة لها. هذه الحرب ليست ضد الإرهاب، وليست حول الإرهاب، وليس هناك أي طرف أو مشارك في هذه الحرب له مشكلة جدية مع الإرهاب نفسه وليس خال من الإرهاب. فليست عملية تدمير الموصل غير حرب إرهابية على السلطة ومناطق النفوذ. إخراج الموصل من يد داعش لن يقلل من خطر الإرهاب على العالم. أمريكا والغرب وبعد فشلهما في العراق وسوريا وإنقلاب الأوضاع في المنطقة في صالح الجمهورية الإسلامية المرتبطة بالكتلة المقابلة التي تقودها روسيا، كذلك بعد فشل إناطة مهمة جبهات هذه الحرب لعملائهما المحليين مثل السعودية وقطر وإسرائيل وتوركيا، جعلا من إرهاب داعش ذريعة ومبرراً للمشاركة المباشرة مجدداً في حروب المنطقة وحسمها لصالحهما وتقوية نفوذهما في المنطقة. أهداف أمريكا عبارة عن تثبيت وتصعيد هيمنتها على المنطقة والعالم، وعبارة عن تقصير يد منافسيها. وهي تستفيد كما كانت دائماً من أية فرصة لترسيخ قاعدتها في العالم والمنطقة والشرق الأوسط من خلال استعراض القوة والحرب والغطرسة. إن أهداف أمريكا والغرب والناتو من كل هذا السيناريو الذي قاموا به في سوريا على وجه الخصوص أزاحة بشار الأسد الخاضع لروسيا المنافسة وحليف الجمهورية الإسلامية المتمردة على أمريكا، وهم يقومون بكل هذا بثمن القصف الأعمى والقتل الجماعي للناس الأبرياء والتدمير. إن امريكا هذه المرة ليست بحاجة لوضع قواتها المسلحة في قلب هذه الحرب وإخلاء جثث جنودها القتلى بالتوابيت. بل إنها تمارس بدلاً من ذلك القصف والقتل الجماعي للجماهير المسحوقة. وجميع ذلك المديح الذي تطلقه على القوى العراقية هو من أجل أن تستخدمها هذه المرة بدلاً من جنودها "ككلاب الصيد" وإذا ما سقط ضحايا في هذه الحرب سيكونون من تلك القوى العراقية، وبعد ذلك وبعد انتهاء القصف وتسوية المدينة بالأرض وسكون الغبار، سترسلهم خلف الجثث الفاقدة للحياة.

وللقطب المقابل بقيادة روسيا، فإن التدخل في الحرب السورية باسم الهجوم الحازم للقضاء على داعش والإرهاب، إنما يهدف لإخراج السيطرة على أوضاع المنطقة من يد أمريكا والغرب والإبقاء على بشار الأسد وسوريا تحت نفوذه. بمعنى آخر فإن الحرب الحقيقية في سوريا والمنطقة، أي الحرب القائمة باسم القضاء على داعش والإرهاب والتي ستطبح أعنف ببدء عملية الموصل، حرب هذين القطبين العالميين الذي يمتلك كل طرف منهما مجموعة من الدول التي تخدمه وتخضع له في المنطقة، إنما هي حرب على السلطة وعلى مناطق النفوذ والسيطرة والترتيبات السياسية في المنطقة.

إن التوابع الإقليمية لكلا القطبين في إطار المصالح العليا لكلاهما، وكذلك الصراعات الإقليمية لها أهداف محددة. فقد ربطت الجمهورية الإسلامية التي تسيطر على حكومة العبادي والقوى الإسلامية الشيعية العراقية ذيلها بالقطب الروسي. وتعتبر الجمهورية الإسلامية العراق منطقة لنفوذها. إذ أن السلطة في العراق تبدو كمثلث ذو ضلع كبير وضلعين صغيرين. حيث ضمنت إيران لنفسها الضلع الأكبر أي الإسلام الشيعي ذو القاعدة الراسخة والرئيسية في السلطة. والضلع الآخر للمثلث هو الحركة القومية الكردية حيث يعد الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير ضمن إطار النفوذ الإيراني. تسعى إيران في هذا الصراع للحفاظ بالأسنان والمخالب على مناطق نفوذها وعدم خسارتها. وإنهيار وحدة أراضي العراق هو تهديد آخر لمناطق نفوذها. فالقلق الكبير لإيران من تقسيم العراق هو أنها تعتبره خطراً كبيراً يؤدي لتشيكل دولة سنية تعتمد على تركيا والسعودية. والأكثر خطورة في كل صراع تركيا-السعودية وإيران أنها سينتهي بصالح الطرف الأول. حتى أن تبلور الدولة القومية الكردية هو موضع قلق جدي لإيران لأنها تعتقد أن هذه الدولة ستعتمد على أمريكا وسيخرج أحد أضلاع ذلك المثلث من يدها. وليس هذا فقط، بل سيخلق تشكل هذه الكيانات في المستقبل جملة من المشاكل والصداع داخل إيران نفسها بالنسبة للجمهورية الإسلامية. ولذلك فإن النظام الإيراني في موضع المنتصر في حرب العراق وهاهو يدخل في حرب خلقها له منافسيه للدفاع عن مناطق نفوذه. وهو يصر بهذا الخصوص بشدة على المشاركة في عملية الموصل سواء بتدخل مباشر أو من خلال الجيش العراقي والعديد من المليشيا الشيعية صنيعة إيران والتي يقودها ويشرف عليها قاسم سليماني.

وفي الطرف المقابل فإن محور تركيا-السعودية-قطر راهن على القوى السنية والحركة القومية العربية والحزب الديمقراطي الكردستاني كقوة مهيمنة في كردستان وكذلك يلعب هذا المحور ببطاقة التركمان. أهدافهم وخطتهم واضحة حيث أنهم يريدون كسب رهانهم مع إيران، وعلى الأقل استقطاع جزء من مناطق نفوذ إيران لهم. غير أن الاختلاف هو أن هذا المحور هو على العكس من إيران التي تشارك في حرب قامت بمعزل عن رغبتها وإرادتها، إنما يشارك في حرب قام بخلقها هو نفسه، وهو من ساعد ويقف خلف داعش وكل الإسلام السني. أنهم مايزالون حتى الآن يسلحون داعش ويقوونها بالتزامن مع ممارستهم الخداع والتضليل واختلاق المبررات للهجوم والتدخل وكأن الأمر حرباً ضد الإرهاب. هذا المحور ومن موقع القطب الفاشل في العراق وفي سوريا أيضاً يريد في هذه الحرب أن يغير توازن الأوضاع بصالحه وتوجيه مسار الترتيبات السياسية القادمة في العراق وسوريا والمنطقة وفقاً لمصالحه. وبهذا الشكل تقدم خطوة في حرب جرابلس. تركيا لا تخفي ذلك وتصر بصراحة على أن إيران إذا ما ضمنت الضلع الرئيسي في المثلث السياسي العراقي فإن الضلعين الآخرين أي الحركة القومية الكردية والقوميين العرب والسنة هما موضع أمل لتركيا لتحقيق موقع والتأثير على أوضاع العراق السياسية. ومن هذه الناحية يصر أردوغان في مقابلة مع قناة روتانا العربية بشدة على أن "الموصل لأهل الموصل وتلعفر لأهل تلعفر، ويجب أن يبقى في الموصل بعد تحريريها أهاليها فقط من السنة العرب والسنة التركمان والسنة الأكراد". ومع أن تركيا موضعت قواتها العسكرية في المناطق المحيطة بالموصل، وكذلك مع أن أردوغان والمسؤولين الأتراك يعبرون عن موقف متشدد، ولكن السؤال فيما إن كان الجيش التركي سيدخل عملياً في حرب الموصل ومدينة الموصل مباشرة ودون أي اذن أو لا، فإن هذا لا يغير من حقيقة أن تركيا تستفيد من كل فرصة لتقوية التيارات الإسلامية السنية وتستخدم بطاقة التركمان كي تتقدم خطوة الى الأمام في المواجهة مع إيران على مستقبل السلطة والخريطة السياسية للعراق. ومن غير شك أنها ستستفيد من ذلك الأمر للتستر على أزماتها الدخلية الشاملة وكذلك لوضع حدود لتلك القوى الكردية التي خلقت لها مشاكل كبيرة.

 

يعرف كلا هذين القطبين والقوى المكونة لهما، وحتى ذيولهما العراقية مصالحهما وأهدافهما بوضوح ويعملان على تحقيقها بشكل مخطط. الطرف الوحيد الذي يتحرك في هذه الاثناء بكسل وتخبط وحتى أنه يمارس دور الوسيلة لضرب الأطراف الأخرى هو سلطة وأحزاب الحركة القومية الكردية. هذه الحركة وأحزابها التي كانت سياسة الاستفادة من الصراع بین دول المنطقة والعالم تكتيكها واستراتيجيتها أيضاً تتطلع الان لهذا الصراع وتسعى من خلال ذلك للحصول على موقع أكبر لها. أنها منتشية أن يسمى جناب البارزاني القائد الميداني وتصله رسائل الشكر من نائب الرئيس الأمريكي مقابل استعداده للقبول بأوامر أمريكا والمشاركة الفعالة بقوات البيشمركة باسم "التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب". حصة هذه الأحزاب التي توزعت الآن على الأقطاب الاقليمية والعالمية مل من منظار قطبه الخاص، ولكنها متفقة جميعها على المشاركة. وهي على استعداد للعمل بأوامر وفداءاً ليساسة القوى العظمى الرجعية. في الحقيقة ليست الدولة الكردية التي تفتقر لأي مستقبل واضح فقط بل حتى البرجوازية القومية الكردية وقضية الكرد تفتقر لذلك المستقبل، وليس لها أي مكان في سياسة واستراتيجية أي واحد من هذين القطبين، بل أنهما يستخدمان الأحزاب القومية الكردية كبطاقة ووسيلة لضرب الأطراف الأخرى ويتعاملان الآن مع سلطتها كأمر واقع. وليس من الواضح الى متى سيستمر هذا الامر الواقع. ولكن من الواضح أن النتائج المأساوية والكارثية للارتهان بسياسة القوى العالمية والإقليمية ستكون في النهاية ستقع كما كانت دائماً على رأس جماهير كردستان. ويريدون هذه المرة جعل مصير هذه الجماهير ضحية الأمل بأن أفقاً سينفتح في المستقبل أمام سلطتها المتأزمة كثمن لهذه العمالة.

وأياً كان الطرف الأخر للحرب، أي داعش، فإنها تصارع من أجل السلطة أيضاً. وتسعى داعش كعصابة إرهابية مقطوعة اللجام خارجة عن السيطرة استطاعت جر قسم من الحركة القومية العربية العديمة الأفق خلفها لكسب السلطة السياسية أيضاً. والمسائل الي تمسك بها من مثل مصائب الجماهير العربية والمسلمين، ظلم الغرب للشرق، معاداة الدول الغربية للمسلمين، الظلم والاضطهاد والقتل الجماعي لسنة المذهب من قبل حكومة المالكي والمليشيا الشيعية والجمهورية الإسلامية..و..هي مهمة فقط وفقط لداعش طالما أنها تستفاد من تلك المصائب لتعبئة وتحريك القوى خلفها في سبيل تقوية موقعها وسلطتها في تركيبة السلطة البرجوازية في المنطقة. العداء الأعمى لداعش مع أمريكا والغرب هو رأسمال سياسي في مجتمعات هذه المنطقة التي ترى في أمريكا والغرب، وهي محقة في ذلك، سبباً رئيسياً في مصائبها ومشاكلها، مصائب من مثل الحرب والاحتلال وتدمير المجتمع، مصائب جماهير فلسطين على يد دولة إسرائيل الإرهابية، مصائب سنة المذهب على يد السلطات الشيعية في العراق...إن الإرهاب وسيلة رئيسية بيد كل الإسلام السياسي لتعميق الهوة والصراعات الدينية والمذهبية والقومية في الشرق الأوسط. هذا التناقضات والصراعات والانقسامات تخلق الأرضية المناسبة لتناميهم وتمهد السبيل لوصولهم الى السلطة السياسية.

الحرب الإرهابية تزيد من مخاطر الإرهاب

هذه الحرب الإرهابية التي تبدو كحرب للقضاء على الإرهاب واجتثاثه من جذوره، لا تعجز عن القضاء على خطر الإرهاب فقط، وحتى أنها لن تقلل منه أيضاً، بل ستجعله أكبر وأكثر خطورة. بإخرج الموصل وحتى الرقة من يد داعش، فإن هذا التيار يتخلى عن قسم من سلطته ولكنه هو سيذر الرماد ويهاجم من مكان آخر ويرفع رأسه مرة أخرى. طالما بقيت تلك الأسباب والأسس التي تنتج داعش والإسلام السياسي موجودة وقائمة، وطالما استمرت مساعدة الدول الغربية والدول التابعة لها للإرهاب الإسلامي، فإن هذا النوع من العمليات لم يقلل من خطر الإرهاب مقدار ذرة. بالنسبة لهم الرمادي أو الموصل، العراق او سوريا، سوريا او ليبيا، آسيا وأفريقيا وجميع تلك المجتمعات التي دمرتها أمريكا والغرب والناتو هي أعشاش ملائمة للإرهاب.

لقد كنا على الأقل بعد الحادي عشر من أيلول يوميا شهود عالم من الدعاية باسم الحرب للقضاء على الإرهاب. كنا شهوداً كل يوم على حلقة جديدة من الهجمات والحروب والتدمير والقتل الجماعي للجماهير المضطهدة باسم الحرب ضد الإرهاب. إعداد ضحايا هذه الحروب التي كانت تبدو كأنها لإعادة الأمن والطمأنينة لجماهير العالم كانت كبيرة لدرجة أنها تتجاوز العد والإحصاء. إعداد تلك المدارس والمستشفيات والرياض والبيوت والبنايات والجسور والطرق التي تم هدمها كانت أضعاف ما دمره الإرهاب الإسلامي. هذا التراجع الذي تم فرضه على مجتمعات الشرق الاوسط هو أكبر مما قام به الإرهاب الإسلامي. وأن تلك الانقسامات والصراعات التي تصاعدت وتعالت بين الأقوام والأمم واتباع الديانات والمذاهب بسياسة وممارسات أمريكا والغرب والناتو وتحولت الى أرضية الى تنامي وأعاده إنتاج الإرهاب الإسلامي كانت أكثر من تلك استطاعت الظهور التنامي بسبب الدور المباشر لهذه الحركات الإرهابية. ومع ذلك فإن خطر الإرهاب يتزايد يوما بعد يوم وعاماً بعد عام. إذا كان الهدف قبل ١٥ عاماً هو قتل الناس الأبرياء في أمريكا، وإذا كان الهدف قبل ١٣ عاماً هو فقط تدمير بغداد ومدن العراق وقتل مواطني هذا المجتمع الأبرياء في الشوارع والأسواق ومحلات عملهم وسكنهم، والذين كانت أيديهم على قلوبهم حين تم جرهم الى الموت، فإنه بعد ١٥ عاماً من إبادة وتدمير العديد من المجتمعات وبعد عدة حلقات من الحرب المتواصلة "ضد الإرهاب"، حققت داعش والإرهاب الإسلامي سلطة على مناطق واسعة. والأكثر من ذلك أن الإرهاب الإسلامي اليوم يغرق بالدماء المجتمع من إفريقيا حتى شرق الاوسط، من آسيا حتى أوروبا وأمريكا وأستراليا، من بغداد حتى باريس وبروكسل وبرلين وواشنطن. هذا التاريخ مكتوب بالدم والموت والمآسي. وهذا مما لا يبقي أي شك بخصوص الادعاء الباطل عن "الحرب ضد الإرهاب". ما يجري الآن بسم الحرب ضد الإرهاب ليس سوى حرب إرهابية بين الإرهابيين، ليش أسوأ حد من بين الإرهاب الدولي بقيادة أمريكا مع الإرهاب الإسلامي الذي كان بالأمس تقوده القاعدة واليوم تقوده داعش وستقوده في الغد احدى العصابات المصنوعة بيد أمريكا والغرب. لذا طالما تستمر هذه الحرب وطالما أن البشرية التحررية والمتمدنة في العالم تترك الميدان لهذه الأقطاب الإرهابية علينا أن ننتظر تصاعداً ونمواً أكبر وضحايا أكثر.

لم تكن اهداف قادة "الحرب ضد الإرهاب" وهذا النوع من الحروب والعمليات العسكرية، في أي وقت من الأوقات، القضاء على الإرهاب والإسلام السياسي، بل كانوا يخفون دائما خلفها أهدافاً رجعية. وبقدر تعلق الأمر بالمواجهة مع الإرهاب الإسلامي، لا يعدو الأمر أن يكون سوى استعراض للقوة لكي يعرف حدوده وكي لا يتقدم أكثر ويخرج عن السيطرة. فلو بقي في هذا الإطار لكان بوسعه حتى البقاء والحكم كدولة إسلامية إرهابية مسيطرة. اما ما يجلبه من مصائب لسكان المجتمع فإنه أمر اعتيادي جداً بالنسبة للغرب وامريكا. وحتى يمكن إرهابه أن يتصاعد وينمو أيضا شرط أن تكون الضحايا من الجماهير البريئة لمجتمعات الشرق الاوسط وأفريقيا وأن لا يمد يده على الغرب وامريكا. غير أنه بمعزل عن ذلك، فإن القضاء على الإرهاب الإسلامي بعملية من هذا القبيل هو من الأساس ضجيج فارغ ودون أي معنى. وكما يقول منصور حكمت: " إن تحليلاتهم (أي الغرب وأمريكا) تبين أن الإسلام السياسي والإرهاب الإسلامي لا يمتلك مقرا مركزيا وقيادة واحدة وتنظيما هرميا، إنه حركة دولية متكونة من خلايا وتنظيمات وشبكات ومحافل دولية ارتبطت مع بعضها في سلسلة من العلاقات الرسمية وغير الرسمية، في هيئة حركة سرية، لها ابتكارات واسعة على الصعيد المحلي". إن فعلا عسكرياً من هذا النوع وإخراج الموصل من يد داعش من دون اتخاذ سبيل فعال للقضاء على أسس داعش والإسلام السياسي ومن دون قطع الأيدي التي تساعدهم وتمدهم بالسلاح، لن تكون له من نتيجة سوى أنهم وبدلاً من جمع قواهم في الموصل أو أي مكان آخر، ينشرون خلاياهم ومجاميعهم في العالم لإسالة أنهر من الدماء. وحتى أنهم سينتقمون لهزائمهم العسكرية بهجمات أوسع في الشرق والغرب ضد المواطنين المدنيين.

كردستان وعملية "تحرير الموصل"

هذه الحرب ليست حرب الجماهير، وسأتحدث عن هذا الموضوع على الصعيد الدولي لطرح سياسة أممية لكافة البشرية المتمدنة، ولكنني سأتحدث في هذا القسم عما يحمله هذا الموقف من معنى خاص جداً بالنسبة لجماهير كردستان بسبب أن الأحزاب البرجوازية الكردية الحاكمة عزمت أمرها كما كانت دائماً لتقديم خدماتها الجزيلة لأمريكا وحلفائها من خلال التضحية بجماهير كردستان ووضعها في الخط الأمامي لهذه الحرب. لقد غسلت أذهان الناس وتصوير الأمر وكأنه جزء من اعادة "المناطق المقطعة" من كردستان الى أراضي الإقليم! وكأنها حققت حتى الآن الرفاه العميم لسكان الإقليم!

إن هذه هي مغامرة بالغة الخطورة ليس فقط بحياة أبناء العمال والكادحين الذين تم تسليحهم في صفوف قوات البيشمركة والتضحية بأفواج منهم بهذا الشكل، بل إن الأخطر من ذلك هو جعل مصير كل جماهير كردستان في مأزق التخبط والمآسي الكبيرة وجره الى داخل اضطراب بالغ الخطورة. وفقاً لما خطط له وحتى وفقاً لما يعترف به بصراحة نفس قادة هذه الحرب والمسؤولين في وزارات الحرب الأمريكية والغربية فإن حرب الموصل ستكون مأساة وكارثة مرعبة، مأساة يسجلها التاريخ بالدم. مشاركة جماهير كردستان وقوات البيشمركة في خلق هذه المأساة باسم جماهير كردستان، سينتج انقساماً قومياً كبيراً ويجلب معه عداءاً مخيفاً وخطيراً ليضعه في عنق جماهير كردستان حيث لن ينتهي بسهولة. فذلك القسم من سكان تلك المناطق التي سيحالفها الحظ وتنجو من هذه الحرب المأساوية، وكذلك الجماهير الناطقة بالعربية على العموم، ستعتبر قوات البيشمركة وبهذا الشكل جماهير كردستان شريكاً في المجازر والقتل والتدمير الذي يجري على يد القوى الإمبريالية والدول والمليشيا الشيعية وستزرع روح الانتقام في داخلها. إرسال قوات البيشمركة الى داخل حرب بهذا الشكل من أجل إرضاء القوى العظمى وبأمل الوصول الى الأهداف التي أعلنوا عنها وتمتع الحركة القومية الكردية بمكانة في مستقبل العراق وتوسيع مناطق سلطلتها الفاسدة والعشائرية الحالية، هو ما يرتجى من الأحزاب القومية الكردية التي تمارس السلب والنهب واللصوصية لخمسة وعشرين سنة ووصل ظلمها لدرجة أنه أنسى الناس فاشية وقمع النظام البعثي.

جناب البارزاني القائد العام للقوات البيشمركة الذي كان يساوم داعش في الأمس وقدم لها سنجار، يريد اليوم إرسال قوات البيشمركة الى الموصل كي يقوي أسس سلطته غير المشروعة أكثر فأكثر. ولذلك لا يهمه، خصوصا بعد الرسالة التي أعلنها بأنه على ما يبدو سيعيد المناطق المقتطعة الى أراضي كردستان، أن تعتبر جماهير الموصل قوات البيشمركة قوة احتلال وحربة ضاربة بيد الإمبريالية. أن هذا هو لعب بالنار ومصدر أضطراب مدمر وكارثي. ليس هناك من شك أن هذا الأمر لن يكون فيه أي نصيب من السيادة والمستقبل الأفضل والتحرري لجماهير كردستان. فمازالت جراح هتاف قادة الحركة القومية الكردية للحاج بوش في مجازر جماهير العراق في عام ١٩٩١ ومن ثم تقدم جيوش جورج بوش الإبن في حرب احتلال العراق لم تلتئم بعد بين الجماعير الناطقة بالكردية والناطقة بالعربية. ومع ذلك هاهم الآن مشغولون بالمشاركة في تدمير الموصل وتعميق الجرح أكثر فأكثر.

إذا كانت القضية هي إعادة المناطق المختلف عليها والمقتطعة، فإن ذلك لا يحتاج لا الى قتل الناس العرب ولا الى تعريض البيشمركة بشكل لامسؤول للموت. لهذه القضية سبيل حل سياسي. فسلطات عشائر البارزاني والطالباني بوسعها أن تتوقف عن الطمع والسلب والنهب، ولتبدأ في تأمين الرفاه لهذه المناطق التي تورطت جماهيرها بها وتعاني على أيدي هذه السلطات ونزلت الى الشوارع ضدها، عند ذاك تستطيع جذب انتباه أهالي تلك المناطق الى الارتباط بها. بوسع السلطات في كردستان ان تزرع بذرة ارتباط تلك المناطق بها في جدول أعمال تلك الجماهير وترغبهم بهذا الانظمام من خلال تأمين الرفاه والحرية والإزدهار للجماهير. والا فان فان القسم الاعظم من سلطة مدينة كركوك الان هو بيد الحركة القومية الكردية. في الوقت الذي فيه ذلك القسم من السكان الناطقين بالكردية والذين معاشهم بيد العبادي هم اكثر حظاً من اؤلئك الذين معاشهم بيد البارزاني والطالباني. اذن لماذا يتمنون اختيار الالتحاق بمملكة تحت حكم عائلتي البارزاني والطالباني؟!

الحرب الإرهابية، مستقبل العراق وميدان كفاح الجماهير التحررية!

الخطوط العامة للسياسة الإشتراكية على صعيد العراق وكردستان

إن نظرة قصيرة على مضمون وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية، على البلاغات والتصريحات التي يطلقها قادة الأطراف المشاركة في هذه الحرب، وإذا تعمقنا في معرفة أهداف كل طرف من هذه الأطراف، يظهر لنا بوضوح أن عملية الموصل تتجه نحو دفع صراع الأطراف على مصير العراق والسلطة السياسية الى مرحلة جديدة. وبمعزل عن أهداف القوى العظمى التي تحدثنا عنها سابقاً، فإنها تدفع في هذه بتصعيد الصراع والنماذج القومية والدينية الى الأمام. وعلى صعيد القوى الداخلية العراقية فإن كل واحدة منها تشارك في تصعيد الصراعات القومية والمذهبية بهدف الوصول الى حصة أكبر في مستقبل العراق. تتخذ جميع تلك الأطراف وبالرغم من تناقضاتها الشديد وصراعاتها ومصالحها المتضادة دورها باتجاه إيصال تلك الصراعات والتناقضات القومية والمذهبية الى مستوى أكثر خطورة مما هي عليه الآن. جميع تلك القوى مصرة على تعريف السلطة والدولة أياً كان شكلها ومساحتها بتعريف قومي ومذهبي. فلنلقِ هذه المرة نظرة قصيرة من هذه الناحية على دورها وأهدافها ومقاصدها.

حكومة العبادي والمليشيا الشيعية التابعة لإيران تذهب الى حرب الموصل لضرب مواقع السنة والتصدي لإحتمال بلورة سلطة سنية، أو بمعنى آخر لفتح قلعة كبيرة للقوى سنية المذهب. قيس الخزعلي زعيم كتائب الحق يقول بهذا الخصوص بصراحة: "ستنتصر قوات الحشد الشعبي في حرب الموصل وستبقى في هذه المدينة". ومن المنتظر أن يكرروا بشكل أكبر المآسي والمجازر الجماعية التي جرت في الرمادي والفلوجة والمناطق الأخرى التابعة لنفوذ القوى السنية. وإذا لم يقوموا بذلك لن يستطيعوا فتحها والبقاء فيها.

وما تتطلع إليه القوى السنية المذهب ومليشيا العشائر والقوميين العرب من المشاركة في هذه العملية بشكل محدد هو السعي لبقاء الموصل والمناطق المحيطة بها تحت نفوذ سلطتها بعد إخراج داعش واتخاذ دور بهذه المكانة لتحديد الخارطة السياسية والسلطة الرجعية والداعشية الطائفية في مستقبل العراق. ولهذا ربطت مصالحها بمحور السعودية-تركيا من أجل هذا الغرض. يعتقد هذا المحور أنه إذا ما تمكن من ضمان هذه المنطقة كمنطقة نفوذ له، فإنها ستكون عاملاً مهماً لمستقبل مكانة السنة في الترتيبات السياسة للسلطة البرجوازية في العراق وكذلك لإطلاق يد تركيا والسعودية كي تستخدم البطاقات المختلفة في المواجهة مع إيران ونفوذها في العراق والمنطقة. ولم تخفِ تركيا رغبتها بهذا الخصوص في إقامة إقليم الموصل.

وتعتبر الحركة القومية الكردية المشاركة في هذه الحرب سبيلاً لضمان وترسيخ موقعها في الترتيبات السياسية القادمة. فهم يريدون الأستفادة من هذه الفرصة لتوسيع مناطق نفوذ سلطتهم و"إعادة جزء من أراضي كردستان المقتطعة الى أراضي الإقليم" على حد قولهم. ويعتقدون أن بوسعهم فرض سلطتهم في هذه الفرصة على جزء من تلك المناطق كأمر واقع والتقدم في المستقبل بجدالهم وصراعهم من هذا الموقع مع السلطة المركزية في العراق. في نفس الوقت يعتبرون هذا الأمر فرصة جيدة لتسليح وتدريب وتقوية دور وموقع قوات البيشمركة في المعادلة العسكرية المقبلة في العراق. في هذه اللحظة التي نزلت فيها جماهير كردستان الى الشارع ضد سلطتهم الفاسدة والمتأزمة، يشكل هذا الأمر فرصة لهم لجعل ضجيج "عملية تحرير الموصل" سبيلاً للتنصل عن مطالب الجماهير.

وبقدر تعلق الأمر بالبديل التحرري للبشرية المتمدنة وجماهير العمال والكادحين والشيوعية، فإن سبيل الحل الفعال لكل المشاكل والمعضلات ولمستقبل حافل بالرفاه يتيسر فقط من خلال الثورة العمالية وإقامة مجتمع اشتراكي. ولكن من المؤسف أن لا يبدو هنا من أفق قريب لإنتصار هذا البديل بسبب عدم جهوزية واستعداد الطبقة العاملة والمكانة الضعيفة لشيوعية هذه الطبقة في قلب هذه الأوضاع. يضاف الى ذلك أن بقاء العراق موحداً على الأقل في ظل دولة غير قومية وغير دينية تنظر الى كافة المواطنين بعين المساواة بعيداً عن التصنيف والتقسيم القومي والديني بوسعه، من غير شك، أن يكون مستقبلاً أفضل لهذا المجتمع. إن عراقاً موحداً غير قومي وعلماني هو الضمانة أن تضع الجماهير أيديها بيد شركائها في المصير بتجاوز الهويات المصطنعة القومية والدينية بدلاً من تورط المواطنين بالصراعات والمشاكل والاضطرابات القومية والدينية، النموذج المفروض من الغرب وأمريكا على هذه المجتمع. حينها سيكون لهذه المجتمع مستقبل أفضل من كافة نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والمدنية والتقدم والأمن والطمأنينة والرفاه. ولكن من المؤسف أيضاً أن فرصة هذا البديل تبدو قد انتهت في هذه المرحلة بسبب عدم جهوزية واستعداد الصف التحرري والعلمانية والطبقة العاملة والشيوعية.

إن الأمر الواقع الآن هو أن العراق مقسم عملياً على مناطق النفوذ القومية والمذهبية المحلية. فالهوة والانقسام بين الشيعة والسنة، والصراع بين القوميات بسبب سياسات أمريكا والغرب والقوى المحلية القومية والدينية والطائفية على درجة من العمق بحيث أن إبقاء هذه المجتمع في إطار الخريطة السياسية العراقية الحالية سيديم عملياً فقط الحروب والصراعات الرجعية وغير المحسومة الحالية. أي أن استمرار هذه الأوضاع لا تعني عملياً سوى استمرار الصراع والاضطرابات والفوضى التي ظلت تحترق فيها الجماهير لثلاثة عشر عاماً وتواجه الموت أفواجاً أفواجاً. الإصرار على العودة الى عراق موحد، على الأقل في ظل هذه الأوضاع هو أمر خيالي وأمر رجعي أيضاً وهو حافل بالمصائب لمواطنين يريقون دماء بعضهم البعض الآخر بالهوية القومية والدينية المصطنعة. هو خيالي لأنه وعدا عن صعوبته ليست هناك أية قوة ذات مكانة ودور سياسي جدي بمعزل عن مسألة إن كانت برجوازية أو العمالیة لا ترفع هذه الراية الآن. ورجعي لأن الإصرار الظاهري في هذه الأوضاع على وحدة العراق بدون أستراتيجية سياسية واضحة لهذا الغرض يعني عملياً الانظواء تحت راية تلك القوى البرجوازية التي تريد باسم وحدة العراق وأشكال الفدرالية القومية والدينية، قرع طبول الحروب القومية والطائفية الى الأبد. وبالنتيجة فإن مصائب هذه الأوضاع واضحة لأن هذه القوى زرعت روح الطائفية والتعصب بين أوساط الجماهير وسلمتها رايتها. بقاء هذه الأوضاع ليوم آخر سينتهي بثمن القتل والدمار والتراجع أكثر ووضع عقبات أكبر أمام المستقبل الحر والثورة التحررية للعمال والجماهير المضطهدة. حتى أنهم وبسبب اخذهم بنظر الاعتبار الاضطراب القومي والطائفي، وبسبب الأوهام التي أصابتهم بها دعاية تآخي العمال والبرجوازية على أساس المذهب المشترك والقومية المشتركة، ولأنه ليس من المعلوم في هذه الأوضاع المتشابكة من هو المسؤول عن توفير المستلزمات والخدمات الأساسية للحياة، كل ذلك يشكل عقبة كأداء أمام حتى إقامة حركة أحتجاجية وسياسية ثورية قوية قادرة على فرض المطالب وتحقيق التغيير الأساسي.

من منظار الشيوعية والجبهة التحررية، يجب النظر على هذه الأوضاع بعيون مفتوحة. وبدلاً من التعامل الأيديولوجي يجب التعامل بشكل سياسي وواقعي مع هذه الأوضاع. يجب الأخذ بنظر الاعتبار ما أصبح أمراً واقعاً، وهو انقسام العراق عملياً الى عدة مناطق تسيطر على كل واحدة منها سلطة محلية ومليشيا مسيطرة. ولهذا فإن ميدان حرب الطبقة العاملة والشيوعية والتحررية والعلمانية، ليس ميدان الصراع على الخريطة السياسية لهذه المساحة التي تسمى العراق، فلا وحدة العراق، ولا التقسيم وإضفاء الطابع الرسمي على التقسيم على أساس قومي وديني، ولا اللصق الفدرالي للسلطات المليشياتية، أيٌّ منها لا تستطيع أن تكون راية هذه الحرب التي يجب تقوم بها جبهة التحررية والطبقة العاملة ضد الظلم والاضطهاد وغياب الأمن والأضطراب. الميادين الرئيسية للكفاح اليوم عبارة عن مايلي:

أولاً/ ميدان النضال والتأكيد على تجسيد إرادة الجماهير في السلطة ولاقومية ولادينية أية سلطة تنبثق في أي مكان. أي تركيز الصراع على ماهية السلطات التي تتشكل في تلك المناطق المقطوعة عن بعض كأمر واقع. عدم السماح لتعمق وثباث الهويات القومية والدينية والتمييز بين المواطنين بدستور وقوانين وممارسات السلطة. لا ينبغي السماح بتكون ورسمية أية سلطة وحكومة قومية ودينية لأنه نتيجتها لن تكون غير الحروب والتصفيات القومية، وحرب ومجازر هذه المرة ستستمر تحت تسمية دولة الشيعة والسنة، ودولة الكرد والعرب. تقسيم العراق لم يصبح رسمياً بعد، ولكن التقدم في ميدان الصراع على طابع السلطة وعلى تجسيد إرادة الجماهير ولاقومية ولا دينية أية سلطة تتأسس في مناطق العراق المجزءة، هو أحد ميادين كفاح العمال والكادحين اليوم لإعطاء مسار نحو التحسن، وكذلك هو أساس جيد فيما لو بقي في مسار التغيرات خيار بقاء العراق موحداً، أو على الأقل فيما لو تأسست دول تكون حسنة الجوار وصديقة وتكون لدى مواطنيها روح المصير المشترك مع بعضها البعض الآخر بدلاً من العداء. وبالأخذ بنظر الاعتبار مجمل الأوضاع الحالية فإن هذا هو سبيل مستقبل الشراكة في المصيروعلى الأقل بعيداً عن العداء بين تلك الجماهير التي تم تصنيفها وجعلها أعداء بعضها البعض الآخر على أساس الأديان والمذاهب والاقوام المختلفة. إن الميدان المهم لهذا النضال القادر على ابعاد هذا المجتمع من مصائب ومآسي داعش وكافة الأطراف البرجوازية القومية والدينية، هو حضور الميدان بصف مستقل للتأكيد على لاقومية ولادينية السلطة والدستور والقوانين.

ثانياً/ الدفاع عن المدنية والحقوق والحريات المدنية والرفاه. خلال ثلاثة عشر عاماً الماضية فرضوا تراجعاً كبيراً على هذا المجتمع. ولكن مازال مسار هدم المدنية وسحق أبسط الحقوق المدنية أكثر مستمراً. وذلك المستقبل الذي صاغته أمريكا والغرب لهذه المنطقة، كذلك دور وممارسات القوى القومية والدينية والمذهبية تدمر المدنية أكثر فأكثر وتفرض تراجعاً أكبر. وضع خندق الدفاع عن المدنية، عن الحقوق المدنية، الدفاع عن الحريات السياسية والاجتماعية، تصعيد الحركة الاحتجاجية الجماهيرية في سبيل فرص الخدمات والرفاه الاجتماعي، هو ميدان آخر من ميادين نضال الشيوعية والطبقة العاملة والجماهير التحررية. يجب وضع السلطة تحت ضغط شديد لفرض المدنية و الحرية والرفاه الاقتصادي والاجتماعي. لا ينبغي السماح بانتهاك الحقوق والمعايير المدنية بحجة الحرب أو الأوضاع الخاصة.

ثالثاً/ وفيما يتعلق بهذه الحرب القائمة الآن، ساتطرق لاحقاً لموضوع السياسة الاشتراكية مقابل الحرب الإرهابية والتدخل الإمبريالي والدول الرجعية في المنطقة بشكل عام. ولكن في هذا القسم وبقدر تعلق الأمر بالموقف الأكثر خصوصية لجماهير العراق وكردستان مقابل هذه الحرب ونفس عملية استعادة الموصل، كجماهير يتم دعوتها وجرها الى الحرب، من الضروري التأكيد على أن هذه الجماهير لا ينبغي أن تكون جزءاً من هذه الحرب الإرهابية على السلطة التي تحشد لها القوى البرجوازية القومية والدينية. لا ينبغي أن تكون هذه الجماهير الجيش الأسود لهذه القوى التي تدعو لذلك باسم محاربة داعش وتحرير الموصل. فعدا أن المشاركة في هذه الحرب تجعل الجماهير ضحية للاهداف والأغراض الرجعية لتلك القوى والدول، وتدفع بالمجتمع الى داخل انزلاق أكبر في الصراعات والحروب القومية والطائفية. جماهير العراق وكردستان التحررية والقوى والجهات المناصرة للمدنية على صعيد العراق والمنطقة بوسعها وينبغي عليها الوقوف في الصف المتقدم لحركة البشرية المتمدنة لإنهاء الخرب الإرهابية وتقصير يد أقطابها.

هذه الحرب ليست حرب البشرية المتمدنة!

الموقف الدولي تجاه هذه الحرب، وظيفة الشيوعية كسر هذا الصمت!

لقد وضعت هذه الحرب الإرهابية مصير الإنسانية كلها أمام خطر كبير. فالبشرية المتمدنة هي الضحية الأولى والأخيرة لهذه الحرب. ولكن أي قطب من أقطاب هذه الحرب ليس بقطب الجماهير. على البشرية المتمدنة الانتظام بصف آخر مختلف وخندق مستقل ضد كافة أطراف هذه الحرب المدمرة. جبهة هذه الجماهير هي حضور ميداني مستقل على الصعيد الدولي للوقوف ضد الأسباب التي يعتاش عليها الإسلام السياسي، ضد سياسة ودول تقف خلف الإسلام السياسي والإرهاب الإسلامي، وبالنتيجة ضد الوحشية والهجوم والسياسات الرجعية التي تقوم بها الأقطاب العالمية باسم "الحرب ضد الإرهاب". وظيفة الشيوعية هي كسر الصمت الحالي والمبادرة لإحضار تلك الحركة العظيمة التي أعلنت عن نفسها في فترة حرب الغرب ٢٠٠٣ بقيادة أمريكا ضد العراق الى الميدان، خصوصاً بالأخذ بنظر الاعتبار أن الدول الغربية أصابت، بذرائعها الخادعة حول الحرب ضد داعش والقضاء على الإرهاب، الجماهير المتمدنة في الغرب بنوع من التخاذل، ليس فقط في ميدان الوقوف مقابل هذه البربرية التي تديرها هذه الدول في الشرق الأوسط، بل وحتى في ميدان النضالات الاحتجاجية العمالية والجماهيرية في الغرب نفسه لفرض مطالبها على الدول.

إرضاء الذات والتفاؤل بأن الدول العظمى والإمبريالية ستزيل بهذه الحرب مخاطر الإرهاب عن المجتمع البشري، هو وهم لا مبرر له وهو في الحقيقة سم يسممون به الجماهير. موقف البشرية المتمدنة لايمكنه أن يكون توهماً وخضوعاً مقابل البربرية التي يديرها هذان القطبان العالميان وامتداداتهما الإقليمية في العراق وسوريا والمنطقة باسم الحرب ضد داعش. اتخاذ موقف فعال وطليعي، وكذلك حضور العالمي العريض الى الميدان للتصدي لهذه البربرية وهزيمة كل أطرافها، هو ميدان كفاح البشرية المتمدنة. الإخراج العملي لهذا الحضور الميداني هو وظيفة الطبقة العاملة والشيوعية والقوى والحركات الإشتراكية والتحررية. ميدان كفاح وخندق البشرية التحررية هو خندق الدفاع عن حقوق جماهير فلسطين لتأسيس دولة مستقلة، خندق الوقوف ضد الظلم المذهبي والديني، خندق الوقوف ضد العنصرية والتعصب العرقي والقومي والديني والمذهبي، والإصرار على التضامن ووحدة مصير الجماهير التحررية والمضطهدة في العالم...خندق التأكيد والإصرار على حقوق الإنسان الشاملة والوقوف ضد فكرة "كل مجتمع وفقاً لثقافته"، خندق الإصرار على لاقومية ولا دينية السلطة والدولة والدستور والقوانين، خندق إجبار القوى العظمى والدول الرجعية للتخلي عن التدخل واطلاق حقوق الجماهير في تقرير مصيرها وحسم مسألة السلطة وفقاً لمطالبها وإرادتها الحرة...وكل هذا يتطلب حضور ميداني واسع وتدخل فعال وطليعي من الطبقة العاملة والقوى الاشتراكية والتقدمية في كافة أرجاء العالم.

لا شك أن القضاء على داعش وإخراجها من المناطق التي سيطرت عليها، وبشكل محدد تحرير جماهير مدينة الموصل الأسيرة، هو مطلب إنساني وتحرري وطليعي ويجب التأكيد عليه بشدة. ولكن هذا هو وظيفة وعمل جماهير الموصل نفسها وجماهير العراق بمساندة البشرية التحررية في العالم والقوى الراديكالية والثورية والاشتراكية وكافة القوى التي لا تعترف بأية هوية سوى الهوية الإنسانية وتناضل من أجلها. ومن دون ريب فإن الطرق على رأس داعش ليس عملاً تحتكره هذه الجماهير المضطهدة وتمسك يد أي طرف يريد ضرب داعش والقضاء عليها. ولكن هذا العمل لا يمكن أن يكون ممكنا بواسطة الحرب الإرهابية والقصف وتدمير هذه المدينة وقتل اهاليها على يد القوى الامبريالية العظمى والقوى الرجعية في المنطقة. على البشرية التحررية أن لا تسمح لهذه القوى الاستفادة بشكل سيء من السخط على داعش في سبيل أهدافها المعادية للإنسانية. يجب عدم السماح بتسويق الهجوم والحرب الإرهابية والتدمير للجماهير وكأنها "حرب ضد الإرهاب". ما على البشرية التحررية أن تفرضه على هذه القوى وما على هذه الدول والقوى الخضوع له تحت ضغط البشرية المتمدنة هو عبارة عن جمع معداتها وقواعدها والخروج من المنطقة، كذلك يجب إجبارها هي وعملائها على التوقف عن دعم وتسليح داعش والإرهاب الإسلامي. وبهذا الشكل يتم إطفاء هذه العصابات من الزر الرئيسي. وليتركوا العمل الأخير لجماهير المنطقة كي تقتلع هذه العصابات من جذورها وإقامة سلطلتها التي تتطلع اليها بإرادتها.

في ثلاثة فقرات

سيناريو الحرب والهجوم المقام في الشرق الأوسط هذا والذي من المقرر أن تكون عملية "تحرير الموصل" حلقته الأحدث ولكنها الأكثر مأساوية، ليست له أية صلة لا من قريب أو من بعيد بإرهابية داعش والقضاء على الإرهاب. داعش والعصابات والإرهاب الإسلامي هي صنيعة نفس أمريكا والغرب ليس فقط في سوريا والعراق بل في كل الشرق الأوسط وأفريقيا. لقد تربوا على أيديهم، وهم من سلحهم ووفر لهم الساحة لاستخدامهم ضد معارضيهم، لدفع سياساتهم ومقاصدهم المعادية للإنسانية والرجعية، لخلق ووضع العقبات والموانع أمام تنامي الحركات العمالية واليسارية والاشتراكية والتقدمية.

الحرب "ضد الإرهاب" التي يتم الترويج لها وتمارس باسمها هذا المجازر الجماعية والتدمير لمدة عقد ونصف من الزمان، هي حرب إرهابية من قبل كل الأقطاب على السلطة ولتقوية القاعدة السياسية ومناطق النفوذ. هذه الحرب الإرهابية وعلى العكس من الحروب التقليدية بين الدول، تجعل من التضحية بحياة المئات من المواطنين المدنيين الأبرياء والغافلين عن أسباب ونتائج هذه الحرب، في الشوارع والمدارس والأماكن العامة وداخل بيوتهم مقابلاً لدم كل جندي من جنود الدول الامبريالية والمتغطرسة. وبدلاً من قصف المواقع العسكرية ومواضع الجيش يتم تدمير عشرات المدارس والمستشفيات والرياض والطرق والجسور والملامح المدنية وأملاك الناس. وبهذا المعيار البسیط هي حرب إرهابية. فمن منظار أمريكا والغرب والدول القمعية المتحالفة معها كالسعودية وتركيا وقطر وإسرائيل هي وسيلة للتعويض عن هزائمها السابقة في العراق وسوريا والمنطقة. وهي من منظار كتلة روسيا وحلفائها مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحكومة العبادي في العراق وسيلة لإحباط مساعي الغرب وأمريكا وترسيخ قاعدتها السياسية والتصدي للسيناريوهات والمساعي التي تعرض المصالح العليا واللواحق والذيول المحلية للخطر. أما بالنسبة للإرهاب الإسلامي هي حرب على السلطة والحصول على مكان في التركيبة السياسية للسلطة البرجوازية في المنطقة. ليس لأي من هذين القطبين العالميين والمحليين أية مشكلة مع نفس الإرهاب الإسلامي وحتى مع حصوله على السلطة، بل أن غرضهم هو استعراض القوة وتدجينه وجعله سهل الانقياد وفقاً لمصالحم.

هذه الحرب ليست حرب جماهير العراق والبشرية المتمدنة، بل على العكس هي حرب لتدمير حياتها وإرادتها السياسية وتشويه مصيرها والقضاء أية ملامح مدنية مازالت باقية. هذه حرب لتقوية هذه البربرية التي تم فرضها في بداية هذا القرن على صعيد عالمي واسع على البشرية المتمدنة عموماً وعلى جماهير الشرق الأوسط على وجه الخصوص. وميدان كفاح البشرية المتمدنة هو بالضبط أحباط وهزيمة هذه البربرية، بإرهاب ومجازر داعش وكل الإرهاب الإسلامي على صعيد الشرق الأوسط وكافة مناطق العالم، بوحشية وإرهاب الدولة لكلا القطبين العالميين وحلفائهما وتوابعهما في المنطقة. أنه الحضور الى الميدان لدعم نضال الجماهير المتمدنة في المنطقة دفاعاً عن المدنية والحرية والرفاه. هذا العمل يتطلب حضوراً ميدانياً واسعاً وطليعياً أوسع وأشمل من الحركة المناهضة لحرب عام ٢٠٠٣، لتقصير يد أقطاب هذه المواجهة الإرهابية، لأحباط سيناريوهات توريط الشرق الأوسط بالصراعات القومية والدينية وإدامة حرب التصفيات القومية والمذهبية، لهزم عنصرية وفاشية وظلم الدول العظمى، للدفاع عن الحقوق العالمية الشاملة للإنسان وفرض الهوية الإنسانية والقضاء على الهويات الرجعية القومية والأثنية والدينية والمذهبية في الصعيد العالمي، للدفاع عن حق جماهير فلسطين في تأسيس دولة مستقلة. وفي جملة واحدة لاجتثاث واقتلاع كافة الأسباب والأسس التي تعتاش عليها داعش والإرهاب الإسلامي. البربرية ليست أمراً محتوماً، فتنامي الحركة التقدمية للبشرية المتمدنة على الصعيد العالمي العريض بوسعه إزالة هذا الخطر تماماً عن المجتمع البشري، بوسعه تشكيل ضغط شديد على الأقطاب العالمية وإجبارها على ترك هذه المنطقة وترك القرار على المصير السياسي للشرق الأوسط لجماهيره، بوسعه كسر هذه الأيادي التي تربي وتسلح وتفتح الساحة أمام داعش والإرهاب الإسلامي من أساسها وبهذا تتفق الجماهير نفسها على القضاء التام على الإرهاب والمجازر الإسلامية. أمان وطمأنينة ورفاه وازدهار العالم بحاجة لحضور البشرية المتمدنة العظيم الى الميدان ضد العنصرية والإرهاب الدولي والإرهاب الإسلامي والتمييز، بحاجة لتأكيد البشرية المتمدنة على شرق أوسط غير قومي وغير ديني وعلى الهوية الإنسانية وحقوق الإنسان الشاملة.

تشرين الأول ٢٠١٦

* تعبير استخدمه منصور حكمت في فترة حرب أفغانستان.

مقالات