سمير عادل

حثالة البرجوازية والموازنة


 

اهم المسائل في مشروع قانون الموازنة لم تمسها سياسة التقشف، هي عدم تقليل الرواتب الفلكية لجميع المناصب الرئاسات الثلاثة واعضاء البرلمان والقضاء في المحكمة الاتحادية وغيرها، سوى البند العام في الاستقطاع والذي اشار الى ٤,٨٪، وعدم الغاء العديد من المناصب الطفيلية والزائدة في مجمل مناصب العملية السياسية المذكورة، اسوة ما ذهبت اليها شروط صندوق النقد الدولي كما ذهبت الى عدم توظيف العاملين في مؤسسات الدولة، ومنح الاجازات الى الموظفين لمدة ٥ سنوات براتب اسمي، والمسألة الاخرى تحويل الاستقطاعات الى مؤسسة غير رسيمة وهي الحشد الشعبي ولم يقرها البرلمان. والحق يقال ان الموازنة ذهبت في تقليل عدد مركبات الرئاسات الثلاثة ونواب رئيس الوزراء، والتي لا تشبع ولا تسمن في سد عجز الميزانية الذي يقدر بـ٢١٪. ولكن بموازاة ذلك كما اشرنا في مناسبة اخرى، أعيدت الاستقطاعات لرواتب اعضاء البرلمان والتي تقدر بـ٤٠ مليون دينار لكل شخص منذ بداية العام الحالي. ونترك جواب السؤال التالي للقارئ، لماذا لم يتبرع لا البرلمان ولا الحكومة الحالية بـ٤٠ مليون دينار الذي اعيد لكل عضو في البرلمان للحشد الشعبي والنازحين؟
بيد ان اهم القضايا التي تعتبر غير قانونية وغير دستورية في الموازنة هي التخصيص المالي لمؤسسة الحشد الشعبي من استقطاعات رواتب العمال والموظفين والمتقاعدين، اذ تعتبر عملية التفاف كبيرة على سرقة تلك الشرائح الاجتماعية بوضح النهار من جهة، وعلى تمويل ميليشيا مسلحة غير قانونية من ميزانية الدولة بشكل رسمي. والا لماذا لم يلحق تمويل الحشد الشعبي بميزانية وزارة الدفاع؟ والجواب واضح كي تكون هذه المؤسسة مستقلة عن وزارة الدفاع ماليا وعسكريا، وتستخدم كجهاز قمعي بيد قوى الاسلام السياسي الشيعي في ضرب المعارضين، وعدم اعطاء اية فرصة بمن يستلم وزارة الدفاع في تهميش الحشد الشعبي او نقل قياداته او تغيير تركبيته، وخاصة الكل يعلم بأن وزارة الدفاع من حصة "السنة" على الاقل خلال المدى المنظور.
لنعود من جديد الى مشروع قانون الموازنة، ويعتمد بنسبة اكثر من ٩٠٪ على ريع النفط والقروض والضرائب. لنبدأ بريع النفط فيذهب قسم اساسي منه الى تمويل الدواوينية الطفيلية التي تتكون من اعضاء الرئاسات الثلاثة ومجلس النواب ومجلس القضاء، من معاشات ورواتب ومصاريفهم الخاصة وملحقاتهم من الحمايات والمركبات والموظفين الدرجة الاولى، والى وزارة الدفاع والداخلية التي اثبتت احداث العاشر من حزيران ٢٠١٤ يوم سقوط الموصل بأنها أكثر المؤسسات الفاسدة على الاطلاق، وحرابها ابدا موجهة ضد العمال والموظفين والعاطلين عن العمل لفرض القوانين القمعية والتعسفية المذكورة عليهم. والقسم الاخر من ريع النفط يذهب لتمويل مشاريع السرقة والنهب الوهمية والحقيقية اضافة الى فوائد قروض المؤسسات الدولية كما هو واضح في الموازنة. اما الجزء الاخر لتمويل الموازنة، فيستند على الضرائب. فكما هو معروف في بلدان العالم الذي هناك فيها الحد الادنى من احترام آدمية البشر، فهناك ضرائب يدفعها العمال والموظفين من رواتبهم، ولكن يحصلون في مقابلها على خدمات الكهرباء وتعبيد الشوارع وتنقية البيئة والصحة والتعليم وتوفير المتنزهات في المناطق والاحياء وتنظيف الشوارع. الخ. لكن في "العراق الجديد" يفرضون الضرائب على المجتمع دون اي مقابل. فلا الكهرباء موجودة ولا الشوارع معبدة، وجبال من الزبالة تزيين المدن بدل من المتنزهات، وفي فصل الشتاء تغرق البيوت نتيجة الامطار الممزوجة بالمياه الاسنة والمستشفيات اصبحت خاوية وهكذا دواليك. وكما قال عادل امام في مسرحيته الشهيرة "شاهد مشافش حاجة" التي عرضت في عقد السبعينات، انه يدفع فاتورة التلفون وليس لديه تلفون. وفي التحليل الاخير، ان المواطن يدفع "إتاوة" وليس ضريبة لأنه محظوظ اذ ولد بغفلة من الزمن في جغرافية اسمها العراق والتي اعتبرت من اسوء البلدان الثلاثة للمعيشة في العالم.
وتزامنا مع مشروع قانون الموازنة سن قانون حظر المشروبات الروحية، واصدرت وزارة التعليم العالي، قرار بمنع حرية اللبس في الجامعات بالنسبة للطلبة. وهنا لا نقصد ابدا الزي الموحد، بل نقصد مواصفات اللبس بأن لا تلبس الطالبة "تنورة" فوق الركبة ولا تكون ضيقة والتدخل حتى في أرتفاع كعب الحذاء بأن لايتجاوز 5( سم)، وينطبق عدم اللبس الضيق على ايضا على الطلاب. واذا ما تمعنا بحزمة القوانين والقرارات الصادرة في العراق ، بدءا بالبطاقة الوطنية العنصرية، وسياسة التقشف التي كل يوم تزيد من شد الاحزمة على بطون العمال والموظفين، وقانون حظر المشروبات الكحولية، وتأسيس ميلشيات مسلحة اسمها الحشد الشعبي وقانون الاحزاب التي هي نسخة طبق الاصل من قانون الاحزاب رقم ٣٠ عام ١٩٩١ الذي صدر في زمن نظام صدام حسين، ومشروع قانون حرية التعبير الذي يخنق التعبير بامتياز اذ ذيل بعبارة وجمل "ان لا يخل بالنظام العام والآداب" الفضفاضة، حيث اجري عليه قراءة اولى، فأن العراق يمضي الى دولة افقار ودكتاتورية اسلامية طائفية وفاشية سافرة كما نوهنا من قبل.
ومن تتبع تلك القوانين والقرارات، فأن الطبقة البرجوازية الجديدة الحاكمة في العراق والتي تشكلت بعد الاحتلال، بفضل سرقة ريع النفط وتجويع الجماهير، ليست لديها اية مشكلة مع البرامج الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي طرحتها حكومة المالكي او التي تطرحها حكومة العبادي، في خنق العمال والموظفين والعاطلين عن العمل والنساء والشباب على جميع الاصعدة، فهي متفقة فيما بينها. ولكن مشكلتها تكمن في تشرذمها السياسي التي تكمن في الصراع على حصة الامتيازات والنفوذ.

مقالات