عادل احمد

نقد النقد للموقف من معركة الموصل


 

ان ما يجري في القتال في الموصل من جميع الجوانب، ليس حربا، وليس حربا ضد الارهاب، وليس حربا لتخفيف معانات الجماهير المحرومة، وليس حربا ضد البربرية والوحشية لداعش. ان توضيح هذه المسألة ليس صعبا اذا نظرت الى جميع الامور من منظور الطبقة العاملة والجماهير المحرومة في الموصل والعراق والمنطقة. ان لتوضيح هذه المسالة لا نحتاج الى السفسطة النظرية والكلام الشيق للماركسيين الابطال والمحاميين الفاشلين لاراء ماركس ولينين ومنصور حكمت.. ولا يحتاج تشبيه ما يجري اليوم بالبارحة.. كل ما نحتاجه فقط هو التمعن بحياة ومعيشة هذه الفئة المحرومة وما يحوم حوله كل هذه الذئاب القاتلة. لتوضيح هذه الصورة البسيطة علينا ان نحلل الظروف والقوى الداخلة لكل هذه العمليات والحشود وواقعهما واهدافهما وما ينفذوه على الأرض.
تبعد الموصل عن أمريكا الاف الاميال والعراق بأي شكل كان لايعرض المصالح الامريكية الى الخطر. ان حشد كل هذه القوة العسكرية والاسلحة الفتاكة والمدمرة واسقاطها على رؤس الابرياء في العراق واحتلاله بحجة التخلص من الدكتاتور صدام حسين، وحتى عند أنسحاب قواتها من العراق أستمرت بالتدخل عندما لا تجري الامور حسب مصالحها ولا تأتي الرياح بما تشتهيه سفنها. في ظل هذا التدخل وسياسة الغطرسة هذه، تكونت الظروف والارضية الخصبة لنمو الارهاب ومنها ارهاب القاعدة وداعش وعصائب اهل الحق والنصرة واحرار الشام وغيرهم من اكلي لحوم البشر في المنطقة. واتضح فيما بعد بان كل هذه الحروب وتجربة انواع الصواريخ والاسلحة الفتاكة، ليس الا لاظهار قوتها العسكرية أمام العالم. أحتلال العراق لم يقضي على الديكتاتورية البعثية وأنما حولها الى دكتاتوريات مصغرة من الطائفيين والقوميين، لتعم الفوضى والقتل والجوع والتشرد والتهجير، واليوم أمريكا تقود "تحرير الموصل" من الأرهاب صنيعتها، أن الغطرسة السياسية الأمريكية لاتعرف غير لغة القتل والتدمير ودعم الأنظمة الوحشية.. والطرف الثاني هي الدولة الشيعية العراقية ومليشاتها الوحشية باسم الحشد الشعبي المدعوم من الجمهورية الأسلامية الأيرانية.. تلك المليشيات الغارقة في الرجعية من راسها الى أخمص قدميها والمعروفة ببربريتها طوال 13 سنة من تسلطها على المدن والشوارع في العراق وماخلفته من نهب وتدمير، بسياسات الأنتقام والقتل والتهجير الطائفي من مناطق تواجدها.. هذه هي القوة المشاركة في الحرب التي يسمونها "تحرير الموصل"، فاي ابادة واي أنتقام سيتعرض له ساكني الموصل وماذا سيكون مستقبل المنطقة برمتها..
الطرف الاخر هم القوميين الكرد وقوات البشمركة الكردية. فطوال الـ 25 السنة الماضية من حكمهم في كردستان، لم يبقوا سياسية معادية للجماهير في كردستان لم ينتهجوها، الأقتتال فيما بينهم وسياسة الترويع والترحيل القسري وتبادل قتل الأسرى فيما بينهم، أطلاق ايادي الجمهورية الأسلامية الأيرانية وتركيا في كردستان وجعلها وكرا للأطلاعات الأيرانية والميت التركي، ناهيك عن الفساد والنهب وسرقة قوت المواطنين طوال تاريخهم في السلطة.. ان هذا الطرف لا يقاتل داعش وارهابه لان داعش يوجد تحت اجنحته وبرلمانه طوال تاريخه، كما وأنهم تواطؤا مع داعش وسلموه مناطق الأيزيديين خلال ساعات قليلة. ان هذا الطرف يحاول ان يكون لها انياب في الموصل من بعد داعش ، وجر المنطقة الى حرب قومية من اجل ايجاد موضع قدم في صراع الاقطاب.
أضافة الى وروسيا الطرف الخفي بالصراع في العراق والمنطقة، والتي تخلف الدمار في كل شبر تتدخل فيه لأسكات منتقديها كما في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا.. تدخلها في العراق ليس بشكل مباشر ,انما عن طريق أطرافها الأقليمية كأيران وقسم من الأحزاب الكردية.. تدخل روسيا في الموصل مرتبط بالنزاعات في المنطقة ومحاولة أثبات تواجدها كقطب عالمي مقابل امريكا. وروسيا مستعدة ان تحول المنطقة الى كتلة دمار واسعة من اجل حضورها في المنطقة كقوة دولية في مقابل القطب الغربي والامريكي. وان تدخلها ليس من أجل الخلاص من داعش وهمجيته بقدر أرتابطه بمصالحها في المنطقة.
ان كل هذا التجيش واستخدام القوة العسكرية هي في الظاهر ضد داعش وتعريفه كقوة شر ووحشية، والذي هي حقا من أعتى القوة وحشية ويقف في اقصى درجات الرجعية والبربرية.. لكن داعش لم يكن الا مشروعا امبرياليا استخدم في صراع الاقطاب العالمية ولا يزال ياخذ هذا الدور. وان وجود داعش يخدم اجندة واهداف كل الاطراف الداخلة في الصراع، الكل تحت لواء محاربة داعش تشن الحرب ضد الجماهير المحرومة في المنطقة.
ان وجود داعش هو مصيبة كبرى وان فنائه هو مصلحة لكل البشرية وان هذا يجب ان يحصل ولا يهم من يقوم بهذا العمل فانه خطوة ايجابية، ولكن ليس بأي ثمن! اذا ذهب داعش بهذا المنطق للقوى الداخلة واهدافها، فأن القتال الطائفي والقومي سوف يقطع رؤوس الجميع. سوف تصبح التصفية القومية والطائفية سياسة يومية، وستظهر حركات بديلة عن داعش لاتقل عنه وحشية أن لم ستكون أكثر منه دموية وبربرية.. وان اوليات الاطراف الداخلة في حرب الموصل التي ذكرتها أعلاه، لاتبشر بغير هذا المستقبل.
وان الطرف الوحيد باستطاعته الوقوف بوجه هذا المستقبل هو القوة الطبقة العاملة والجماهير المحرومة والاحرار والشرفاء. والكل يعرف بأن هذه القوة غير حاضرة في ان تأخذ هذا الدور، ولكن ليس امامنا الا ان نعتمد على هذه القوى واخراجها من سباتها. لا يمكن بغير الاعتماد على هذه القوة لقلب الموازيين لصالح الفقراء والمحروميين. ان افكارنا ومحاولاتنا العملية يجب ان تسير في هذا الا تجاه لا غير. ان اشباه الماركسيين يراهنون على صراع الاقطاب العالمية والاقليمية لأنهاء الارهاب الداعشي. وكأنهم لا يعرفون حتى الف باء الصراع الطبقي وما يترتب على هذا الصراع في قلب الموازين دائما لصالح الطبقة العاملة والجماهير الكادحة. ان التفكير دائما بقوة الاعداء من اجل حل المشاكل لا يمت باية صلة بالماركسية والشيوعية. ان الشيوعيين مهما يكون مستوى حركتهم ودرجة ضعفهم، فيجب ان يفكروا بهذا القوة وكيفية تحريكها وتقويتها. الماركسي يراهن على هذا ولا شيء اخر.

مقالات