سمير عادل

سرك الفضائح الجنسية والخيار بين الطاعون والجدري

الخيار بين مرض الطاعون وبين مرض الجدري، هو يشبه الخيار بين المرشحَيِن هيلاري كلينتون ودونالد ترامب بالنسبة للناخب الامريكي او حتى المراقب الخارجي.

ان سرك الفضائح الجنسية الانتخابي الذي نشاهده اليوم يركز بالدرجة الاولى على الفضائح الجنسية لترامب وبيل كلنتون زوج هيلاري المرشحة للرئاسة الامريكية. ويتناول ترامب شخصية هيلاري من زاوية تواطؤها وتسترها على الفضائح الجنسية لزوجها. وهذه الفضائح تعود بنا الى كل الدعايات التي روجت وتروج حول الشيوعية والشيوعيين بأنهم اباحيين، او يدعون الى الاباحية الجنسية. ولكن في كل يوم يثبت بأن كل الدعايات التي تروج ضد الشيوعيين من مختلف التيارات البرجوازية بإسلاميها ودمقراطيها وليبراليها ليس الا تغطية على الاباحية والفضائح الجنسية والقاذورات الاخلاقية لتلك التيارات بأشكالها المختلفة. فاذا كان على سبيل المثال لا الحصر ان زواج المتعة للإسلام السياسي الشيعي الذي شرع الابواب الشرعية له عبر فتح مكتب رسمي له في منطقة الجادرية في بغداد قبل أشهر ويديره صادق الموسوي أحد الشخصيات الاسلامية وتبوء مركزا مهما في هيئة الاعلام، هو اطلاق للدعارة والبغاء بشكل علني وبحماية الحكومة والمليشيات الشيعية، فأن فضائح التيارات الديمقراطية والليبرالية في سرك الفضائح الجنسية للانتخابات الامريكية ليس اقل وطأة من الاباحية الجنسية لأكثر التيارات البرجوازية متعفنة ورجعية مثل الاسلام السياسي الشيعي.

بيد ان ما يكشف عن شدة مرارة هذا الخيار، الخيار في اختيار بطل سرك الفضائح الجنسية، هو الانحطاط الاعلامي الذي تمارسه وسائل الاعلام الامريكية لحرف انظار المجتمع الامريكي عن البرامج الاقتصادية والسياسية على الصعيد الداخلي والخارجي للهيئة الحاكمة ومرشحيها، الطاعون والجدري، اي كلنتون وترامب.

وفي الحقيقة ما توصلت اليها لعبة السرك التي هي مشاهدة ومتابعة الانتخابات الامريكية، هي تتويج للانحطاط الاخلاقي والسياسي للطبقة الرأسمالية الحاكمة في الولايات المتحدة الامريكية. فلقد تحولت المنافسة بين المرشحَيِن الى منافسة في نشر غسيل فضائح بعضهما. وهذه المنافسة اضافة الى انها تعكس المحتوى الاخلاقي والسياسي للطبقة البرجوازية، فأنها مغرضة ومخطط لها من اجل تبليه وتحميق وتضليل المجتمع وحجب حقائق هذه الطبقة التي تعتاش على عرق وكد العمال. فليس هناك اي طرف يتحدث عن اتفاقية التجارة الحرة عبر المحيط الهادي التي وقعها اوباما مع ثلاثة عشرة دولة، وتعني توسيع رقعة البطالة في الولايات المتحدة الامريكية بنقل الشركات الامريكية الى الطرف الاخر في بلدان المحيط الهادي، ومن الجانب الاخرى فرض شروط عمل قاسية على الطبقة العاملة في تلك البلدان لتصنيع سلع رخيصة قادرة على المنافسة في السوق الرأسمالية.. لا احد يتحدث عن العنصرية المتجذرة في الشرطة الامريكية التي تقتل السود بدم بارد، او التعامل العنيف للشرطة في الشارع وفي السجون الامريكية التي ادانتها منظمة "هيومان رايتس وتش"، لا احد يتحدث عن مآسي المهاجرين من المكسيك الى الولايات المتحدة الامريكية والتعامل العنصري لدائرة الهجرة معهم. ولا احد يتحدث عن معاملة الشركات ورجال الاعمال مع العمال المهاجرين في فرض شروط عمل قاسية عليهم من جهة ومن جهة اخرى وفي حالات عديدة اما يماطلون في دفع الاجور لهم او يتنصلون من الاساس بعدم دفع الاجور مستغلين لا قانونية وجودهم في الولايات المتحدة الامريكية. ولا احد يتحدث من ابطال السرك عن اللوبيات مثل "اتحاد المستشفيات" و "اتحاد الطب الامريكي" وسعيهما الدؤوب دون حصول المواطن الامريكي على طبابة مجانية او مدعومة من الدولة. لا أحد يسلط الضوء على دعم الادارة الامريكية الحالية للإسلام السياسي الذي يسمونه كذبا وخداعا ونفاقا بالإسلام المعتدل المتمثل بإخوان المجرمين اي اخوان المسلمين وجبهة النصرة واحرار الشام وفتح الشام وجيش الفتح وقبل ذلك ابو بكر البغدادي الذي اعلن بزوغ فجر دولة الخلافة البربرية والوحشية، للإجهاض على الثورتين المصرية والتونسية ونسيمهما من اجل الحرية والخبز والرفاه والعيش الكريم. لا أحد يتحدث عن ما فعلته الادارة الامريكية الحالية الديمقراطية وبالتعاون مع بريطانيا وفرنسا بالدرجة الاولى وتحت مظلة حلف الناتو في تحويل ليبيا واليمن الى دول فاشلة. لا أحد يتحدث عن الادارة الامريكية التي تغض النظر عن كل جرائم اسرائيل بقيادة نتنياهو ضد الفلسطينيين.

ان الطبقة الرأسمالية الحاكمة في امريكا تعيش أكثر فترات سعادتها وفرحها بالسرك الانتخابي الذي ابطاله ترامب وكلنتون. ان هذه السعادة تكمن عندما يخيم على ذهنية العمال بفعل الاعلام المأجور، بأنهم ليسوا طبقة واحدة في مواجهة الطبقة الرأسمالية الامريكية وممثليها ترامب وكلنتون، بل يقسمونهم الى بيض او سود البشرة، مكسيكيين او امريكيين بيض، مسلمين او مسيحيين، مهاجرين او من الاصول الاوربية، وبأن المنقذ ترامب الذي يكن العداء والعنصرية للماهية الانسانية. اي بعبارة اخرى، يٌنَسَوّنَ العمال او يخدعونهم بأن ترامب وكلنتون ممثلي الطبقة البرجوازية التي تعتاش على فائض قيمة عملهم، وانهما عدو طبقي واحد ويتنافسان على طريقة استثمارهم بأفضل الطرق لدر الارباح. وتكمن سعادتها ايضا بتضليل المجتمع الامريكي بامتياز عن كل ما يدور من سياساتها المناهضة للإنسانية.

اليس من السخرية، ان يصور الاعلام بأن أقذر شخصية جلبتها النخبة الحاكمة الامريكية مثل هيلاري كلنتون تمثل نساء الولايات المتحدة الامريكية، وانها المدافعة عن حقوق المرأة. تلك المرأة الكاذبة والمنافقة والوصولية والانتهازية ولا يهمها اي شيء سوى مصالحها الشخصية ومصالح اصحاب البنوك والشركات والمؤسسات المالية التي تقف ورائها. لقد كانت واحدة من المدافعين عن سياسة الحرب على العراق وغزوه، وبعد ذلك وحسب مصالحها غيرت من موقفها، وهي من مهدت لظهور دولة الخلافة الاجرامية عندما شغلت منصب وزيرة الخارجية في الدورة الاولى لولاية اوباما ودعمت بكل قوة الجماعات الاسلامية في شمال افريقيا وسورية. ان هيلاري كلينتون رمزا للمرأة البرجوازية التافهة التي لا تختلف عن اخلاقيات دونالد ترامب الا بتفننها واتقانها للكذب والنفاق كمهنة، في حين يفتقر ترامب الى تلك المؤهلات.

للمعجبين بالديمقراطية الامريكية عليهم الاستمتاع بمشاهدة هذا السرك، فلا خيار امامهم اما الطاعون او الجدري.

 

مقالات