عادل احمد

الانتخابات الامريكية والانتخابات المجالسية.. في ذكرى ثورة اكتوبر

في هذا الاسبوع سيكون أمامنا حدثين سياسيين مختلفين، الاول الانتخابات الأمريكية والثاني ذكرى ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا. ان التمعن بهذين الحدثين في الحقيقة هو التمعن في رؤية الطبقيتين المختلفتين عن الحياة والسياسة وشؤون الاقتصاد والحالة الاجتماعية والانسانية لمجتمعنا المعاصر، وهما الطبقة البرجوازية الرأسمالية والطبقة العاملة. ان الربط بين هذين الحدثين من الناحية السياسية والتاريخية ليس من باب الصدفة، وانما تطرقت اليه في مناسبات عديدة.. والربط بينهما هو بمثابة بديلين سياسين عن النظام الاقتصادي والسياسي للطبقتين المتصارعتين.

الحدث الاول بعد بضعة ايام سنستقبل الانتخابات الرئاسية الامريكية بين المرشحين هيلاري كلنتون من الحزب الديمقراطي ودونالد ترامب من الحزب الجمهوري. لندع مهزلة التشهير والتحقير الشخصي لبعضهما البعض جانبا، وهي الحالة الدونية التي وصلت اليها النخبة السياسية للبرجوازية الامريكية والمرشحان بالتحديد. لنتمعن قليلا في هذه الانتخابات وما وراء السياسة والسلطة ومسألة الحريات والحقوق المتساوية للمواطنين.

ان كل النقد التي يوجهه الساسة البرجوازيون والليبراليين وسماسرة المال والبنوك للاشتراكية والشيوعية هي حكومة الحزب الواحد والديكتاتورية، وعدم وجود الانتخابات الديمقراطية كل اربع سنوات وعدم تنوع المرشحيين لحكومة البلاد. ان هذا النقد هو محور كل توجهاتهم السياسية والاعلامية حول الحرية والحقوق بالضد من الشيوعية وسلطة الطبقة العاملة. لنرى سخافة هذه الحجة في الانتخابات الامريكية والتي تعتبر سيد وملك العملية الديمقراطية في الوقت الحاضر. ان في كل تاريخ الانتخابات الديمقراطية في امريكا من القرن التاسع عشر وحتى هذا اليوم هي بين الحزبين الرئيسين الديمقراطي والجمهوري، وتتناوب السلطة كل اربع او ثمانية سنة وتتداول السلطة بينهما. ليس هذا فحسب وانما كل الاعضاء في الكونغرس ومجلس النواب يبقون لاكثر من نصف قرن في مناصبهم، ويحددون مسار وتوجهات السياسية والاقتصادية لهذين الحزبين والذي لا يوجد فرق جوهري بينهما الا قليلا في الادارة وبعض الشؤون السياسية الخفيفة. ان احتكار هذين الحزبين الرئيسيين للسلطة السياسية بشكل مطلق ويتم تغير الوجوه كل اربع او ثمانية سنوات عن طريق الانتخابات، ولا يسمح بعد ذلك اي تدخل للمواطنين في السياسة وشؤون البلاد ولا يحق لهم الاعتراض على سياسات الدولة والحكومة المنتخبة، لان الجمهور هم من رشحوا الرئيس ويجب ان يقبلوا بالنتائج حتى تنتهي صلاحيته بعد اربعة سنوات. ان هذه العملية ليس الا عملية دكتاتورية ومستبدة للطبقة البرجوازية الحاكمة، وان الاعلام البرجوازي بأمكانه التحكم بسير العمليلت الانتخابية وتغيير ذهنية المواطنين حسب مصالحها. ان سخافة النقد البرجوازي لحزب الطبقة العاملة الوحيد تظهر هنا بشكل واضح وتظهر التشويه العمدي لافاق وتطلعات الانسانية من اجل عالم الافضل. واذا رجعنا الى المرشحين الحاليين في الانتخابات الديمقراطية من اجل الرئاسة كلنتون وترامب ونرى المهزلة وسخافة الديمقراطية البرجوازية بأوضح اشكالها. اليس هنالك بين اكثر من 300 مليون انسان الا الفاشي الخالص ترامب والرجعي الخالص كلنتون للرئاسة؟! اليس من المهزلة ان يحكم دولة مثل امريكا اشخاص مثل ترامب أو كلنتون، وان يحدد مصير مئات الملايين من المواطنيين بسياساتهم الفاشية والرجعية حتى اخمص القدمين. اليس من المهزلة ان تطرح البرجوازية هذه النماذج من الديمقراطية بمثابة الحرية؟. وان القول بأن النظام الديمقراطي اكثر الانظمة ملائما للبشرية هي الكذبة الكبرى بحق الانسانية. ان الديمقراطية بكل اشكالها هي ديكتاتورية الطبقة الرأسمالية على الطبقة العاملة والجماهير الكادحة.

والحدث الثاني هو الذكرى السنوية التاسعة والتسعون لاول ثورة اشتراكية في التاريخ. ان هذا الحدث يعتبر من اعظم الاحداث في القرن العشرين، وطبع الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذا القرن بطابعه وغير ملامح البشرية ومفاهيمها العديدة للحرية والحقوق والمساواة. وغير مفهوم التاريخ والجغرافيا السياسية للعالم. لندع كل هذا الوصف الحقيقي والواقعي لثورة اكتوبر ونرجع الى الاصل للمقارنة والربط التي ذكرتها في البداية.

لا شك بان الثورة الاشتراكية الروسية كانت تعتمد على الطبقة العاملة وتنظيماتها السياسية والجماهيرية. وعلى الرغم من وجود احزاب اشتراكية وعمالية مختلفة امثال البلاشفة والمناشفة والاشتراكيين الديمقراطيين والبونديين وغيرهم، والكل كان لهم نفوذ داخل الجماهير عن طريق المجالس العمالية، ولكن الحزب الوحيد القادر على التعبير عن مصالح الطبقة العاملة، كان الحزب البلشفي بقيادة لينين. ان هذا التعبير ليس مجازيا وانما كان التعبير الحقيقي عن مصالح البروليتاريا الروسية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. ان هذا التعبير كان الاصل لانجذاب الحركة المجالسية نحو البلاشفة ومن ثم نحو السلطة السياسية. اي ان الحزب البلشفي كان يعبر عن مصالح 90% من المسحوقين في المجتمع من العمال والفلاحين الفقراء والكادحين. وان الاحزاب الاخرى والتي كانت تدعي الاشتراكية وحقوق العمال مثل المناشفة والاشتراكيين الديمقراطيين والكيرنسكيين، كانوا في الحقيقة المدافعون عن الطبقات الغير عمالية، وبرهنوا بسياساتهم داخل المجالس وشراكتهم في الحكومة المؤقتة، انهم ليسوا جزء من مصالح البروليتاريا الروسية بل اعداء لها. ان هذا الانتخاب السياسي للسلطة السياسية في ثورة اكتوبر كان لاول مرة في تاريخ البشرية، عبر عن الاختيار والانتخاب السياسي الحقيقي وعبر بشكل واقعي وصريح عن السلطة السياسية. ان سلطة البلاشفة والمجالس على الرغم من نواقصها وضعفها كانت التعبير الحقيقي للانتخابات السياسية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالنسبة للطبقة العاملة والجماهير المحرومة. اما بالنسبة للطبقة البرجوازية والرأسمالية الروسية كانت اكبر دكتاتورية وهذا ما صرح به البلاشفة بصراحة، لان الثورة الروسية هي بالاساس كانت من اجل اقتلاع مصالح البرجوازية والرأسمالية في المجتمع وانهاء سلطتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولهذا السبب سميت بالحكومة ديكتاتورية البروليتاريا الروسية في سنواتها الاربع الاولى، والتي قضت على كل المقاومة التي ابدتها البرجوازية الروسية والعالمية لاجهاض السلطة الوحيدة للطبقة العاملة. وان السلطة المجالسية والتي تنتخب الممثلين الحقيقيين مباشرة عن طريق الاجتماع العام وبامكانهم أزاحتهم متى ما يريدون عن طريق اجتماع عام ايضا. ان هذا هو الانتخاب الحقيقي والواقعي والذي يعبر عن اعماق الناخبين في كل النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية

مقالات