ريبوار احمد

حميد تقوائي في تمجيد عملية -تحرير الموصل-!

 

في حوار اجراه تلفزيون "كه نال جديد" -القناة الجديدة- مع حميد تقوائي حول عملية "تحرير الموصل" يوم 19 اكتوبر، قيّم حميد تقوائي بصورة سافرة حملة امريكا وحلفائها على الموصل بوصفه عمل "ايجابي". وبهذا الطريقة، مهر توقيع تاييد الحزب الشيوعي العمالي الايراني لهذه الحرب. اذ يتحدث:

"ان اي تغيير يكون سببا في اخراج الموصل من يد داعش هو تغيير ايجابي. سواء من الناحية الانسانية او السياسية. من الناحية السياسية، لان داعش الان هي قوة رئيسية للاسلام السياسي والارهاب الاسلامي لا في العراق، بل في المنطقة والعالم. ستكون ضربة مدمرة لداعش ان تم انتزاع الموصل من يدها. بانتزاع الموصل، يبدأ العد التنازلي لداعش. فيما يتعلق بالجانب الانساني، ربما يتمتع الامر باهمية اكبر. وذلك لانه مرت سنتين على الجرائم التي يرتكبها داعش في الموصل، وهي جرائم لامثيل لها في التاريخ" (خط التاكيد مني)

وامتدادا لحديثه في الرد على كيف ان بوسع هذه القوى ان تقوم بخطوة ايجابية للانسانية، يرد:

" بغض النظر عما تكون عليه اهداف هذه القوى، ان كانت نتيجة عملهم هي اخراج داعش من الموصل، فانه امر ايجابي برايي... انها حركة ايجابية بغض النظر عن من قام بها وباي اهداف" خط التاكيد من قبلي

وخلال هذا الحوار، عرّف تقوائي مراراً حملة امريكا وحلفائها هذه على انها امر ايجابي، دون ان ينطق باي كلمة نقد، وحتى ولو لمرة واحدة، تجاه اي من جوانب هذه الحملة. كما لو ان امريكا وحلفائها ستخرج الموصل من يد داعش كاخراج شعرة من حليب. دون ان يلقي تقوائي حتى اي نظرة على اعمال القصف والقتل وتدمير البنى التحتية للمجتمع. ان تبرير حميد تقوائي، الى الحد الذي يتعلق بداعش وانهاء داعش، لايختلف قيد شعرة عن تبرير البارزاني وعبادي واوباما واوردوغان و... وان دليله لتاييد عملية الموصل هو ما يقوله:

"ان سالت اي عابر سبيل عن تحرير الموصل؟ سيقول لك انه امر ايجابياً لاني اعلم في اي جهنم تعيش جماهير الموصل". خط التاكيد من قبلي.

ان هذا المنطق هو بالضبط منطق مام جلال واحمد الجلبي لتبرير النزعة الداعية للحروب واحتلال العراق من قبل امريكا عام 2003. كانوا يقولون بالضبط: اذا سالت اي مواطن عراقي بان الجيش والطائرات والصواريخ الامريكية ياتون لازالة صدام، ماذا تقول؟ سيرد: اهلا وسهلاً ويستقبلهم بالورود. ولكن حين يهبط مستوى التحليل والتقييم و... السياسي لساسة الى مستوى تصور مواطن عادي في الشارع، مواطن يئن تحت بربرية داعش والحملات الدعائية للاعلام الخانع، ولم يبقوا له اي خيار سوى ارهاب داعش والارهاب الدولي لامريكا، سيتحدث مثل تقوائي دون شك ويقول مضطرا نعم و"ايجابي" ويرضخ لتمجيد عملية الموصل التي، طبقا لاخر احصائيات قادة هذه العملية، فان لا اقل من مليون ونصف مليون انسان مدني في هذه المدينة في ورطة تحت رحمة القصف.

ولكن من زاوية الشيوعية والبشرية التحررية والتقدمية، مع اناس على مستوى العامة ايضا، ليسوا مجبرين على اختيار احد مابين النزعة الحربية الامريكية والفاشية الاسلامية. ان مهمة الشيوعية هي اعطاء رد مختلف ومستقل، ان تضع بيد هذه البشرية راية خندق مختلف ونضال طليعي. تتمثل مهمة الشيوعية بان تلعب دورها الطليعي في جلب الصف المستقل للجماهير التحررية للميدان ضد المسابقة الارهابية لهذه الاقطاب الرجعية. ولهذا العمل، ليست مجبرة مثل تقوائي وعابر السبيل ذاك الذي يستلهم منه تقوائي ان يعرّف العمل الارهابي لاحدهم بوصفه امرا ايجابياً. ان عمل الشيوعية هو ارشاد الانسانية لخندق وميدان حرب مختلفين ومستقلين، وان تكون عنصراً طليعياً في هذا. ونظرا لان حميد تقوائي يصم اذان المستمعين بكون هذا الموقف باسم الشيوعية العمالية والاستلهمام من راية منصور حكمت. ولهذا، وللرد على تصورات حميد، الى الحد الذي يقتضي الامر، ان اورد بعض المقتطفات من كتابات منصور حكمت لتبيان بعد وغرابة موقف تقوائي عن راية منصور حكمت. اذا القينا نظرة على رؤية منصور حكمت فيما يخص حملة امريكا على افغانستان، والتي يُتوقع لعملية الموصل ان تكون اكثر ماساوية مقارنة بعملية افغانسان، يقول منصور حكمت في العالم مابعد 11 ايلول:

" في الحقيقة ان امريكا لم تاتي لهذا البلد لتحرير افغانستان. هم من جلبوا طالبان للسلطة. قد يضعفوها هذه المرة، ولكنهم يقبلوها كامر واقع. وعدوا مشرف ان تكون الحكومة المقبلة لافغانستان مرة اخرى مبعث رضا باكستان. من المقرر ان يزيلوا عدة وحوش ليضعوا مكانهم عدة اخرى من القماش نفسه. ان الموقف المبدئي هو المشاركة جنب الى جنب معارضة طليعية في افغانستان للاطاحة بطالبان في حمية الاوضاع الراهنة واقامة حكومة منتخبة من قبل جماهير البلد. ينبغي فرض هذا على الغرب وامريكا والامم المتحدة. ينبغي ادانة اي شكل من اشكال حملة القوات الامريكية وحلفائهم على المدنيين في افغانستان وتدمير المدن والقرى والبنى التحتية والادوات المادية لحياتهم. ان اي اتفاقات والاعيب مابين امريكا وباكستان وايران وباقي الدول لفرض جماعة اخرى من فوق جماهير افغانستان هو امر مدان. بيد ان الاطاحة بطالبان من قبل جيش اجنبي ليس بحد ذاته امراً مداناً" خط التاكيد مني.

ساتطرق لاحقا الى الاختلافات الكثيرة مابين حرب افغانستان وعملية الموصل. ولكن رغم هذا، وفي هذا المقتطف من مقال منصور حكمت نرى، وقبل ان يقول بسطر واحد "ان الاطاحة بطالبان على يد جيش اجنبي ليس بذاته امرا مداناً"، يرفع الغطاء عن اهداف وغايات امريكا من هذه الحرب ويعرضها لنقد شديد. انه يتحدث عن ان الموقف المبدئي يتمثل بالمشاركة جنب الى جنب مع المعارضة الطليعية في افغانستان للاطاحة بطالبان في رحم اوضاع الهجمة على افغانستان والسعي لاقامة حكومة جماهيرية منتخبة. وبعدها يدين اي من اشكال الحملات لقوات امريكا وحلفائها على المدنيين في افغانستان وتدمير المدن والقرى والبنى التحتية والادوات المادية لحياة الناس. ان هذا الموقف لايختلف مع تعريف عملة التحالف على الموصل بكونها امرا ايجابيا، وبالتالي تمجيدها فحسب، بل يتناقض.

ان حديث حميد صريح وواضح، بث الامل في الجماهير كي يضعوا اياديهم على ركبهم ويرنوا بانظارهم الى امريكا وحلفائهم كي يهدوهم بهذه المنافسة الارهابية والحرب التدميرية بشارة "تحرير الموصل". في الوقت الذي يتمثل عمل الشيوعيين بكشف اللثام عن الحقائق التي خلف هذه الموجة الكبيرة من الكذب والرياء اللذان صما اذان العالم. ان هذا هو شرط اساسي لتنظيم وجر صف مستقل للبشرية التحررية الميدان بوجه مجمل السباق الارهابي الذي لايمثل عملية الموصل سوى حلقة لها، ولايعرف احد الى متى يدوم. وبهذا الصدد، يقول منصور حكمت حول حرب افغانسان مايلي:

"لايحتاج الامر الى وعي كبير وخاص لفهم ان هذه الجماهير العريضة صاحبة الضمير والشرف في العالم لاتقف في حرب بوش وبن لادن، اصدقاء الامس واعداء اليوم، جنب اي منهم. ان هذه الجماهير المتمدنة التي تم اخراسها بالحملات الدعائية وغسل الدماغ والتخويف في الغرب والشرق، ولكن يمكن وبسهولة ووضوح رؤية انهم لم يقبلوا بهذه الترهات. انها قوة عظيمة. بوسعها ان تاتي للميدان. من اجل مستقبل وغد البشرية، يجب ان تاتي للميدان".

لايمكن تحت اسم الشيوعية العمالية والتاكيد على خط منصور حكمت ان ترهن البشرية بوهم وتمجيد النزعة الداعية للحرب وارهاب امريكا. وبدلاً من توعية الجماهير بعدم قبول بربرية اي طرف، يقيّم نزعة امريكا الداعية للحرب وحلفائها على انها امر ايجابي. بيد ان منصور حكمت، على العكس من ذلك، يؤكد في ذلك المقال على:

"لارساء حركة جماهيرية مستقلة بوجه هذه المجابهة التي مثيل لها والمميتة للاقطاب العسكرية والارهابية الدولية، ينبغي انتزاع هذه التغيرات التي خلف اعلان الحرب ومبررات المعسكرات المتضادة، ونضعها امام انظار الجماهير".

من وجهة نظري، كرايي الشخصي، ينبغي عدم الوقوف بوجه اي حرب ضد داعش بذاتها. اي قوة او طرف يريد ان يوجه ضرية لداعش ويدمرها، وبغض النظر عن اي اهداف اخفاها وراء هذه العمل، فان ذات الحرب ضد داعش ليست مبعث ادانة. لقد تحدثت عن هذا سابقاً في مقالة "حرب ....ضد داعش-2 ايلول 2014" وكذلك بحث "عملية الموصل ام حرب الاقطاب الرجعية-اكتوبر 2016". ولكن اولاً، ان عدم الادانة لايعني اخلاء الكاهل من امر توضيح الحقائق التي تقف خلف الاصطفافات الايديولوجية والدعايات الكاذبة والمقلوبة. للمسائل للجماهير. ثانياً، ان عدم ادانة الحرب ضد داعش بذاتها لايعني عدم ادانة الجوانب الماساوية والكارثية لهذه الحرب بشدة وان لاتُدعى الجماهير التحررية للوقوف ضدها. ثالثاً، ان هناك فرق واختلاف كبيرين مابين عدم ادانة الحرب ضد داعش بذاتها وتجليل الحرب واعتبارها امراً ايجابيا. رابعاً، الموقف المبدئي هو، بغض النظر عن الادانة من عدم الادانة، لايغير قيد انملة من وجوب ان تكون الشيوعية طليعة جلب الصف المستقل للبشرية التحررية، وليس اعتبار طرف ما امراً ايجابياً، وبالتالي، ايهام الجماهير بذلك الطرف. بالنسبة للشيوعيين الذين يستلهمون من ماركس وحكمت لايمكن ان يتم تمجيد حرب ما جراء وصف الحرب ضد داعش بانها امر "ايجابي"، ليس هذا وحسب، بل ينبغي عد السماح لايهام الجماهير بعقد امالها على اي قوة او طرف تدس السم للجماهير باسم "الحرب على داعش والارهاب" وتصيغ سيناريو كالح اخر لتحله محل سيناريو داعش الماساوي والكارثي. ان مهمة الشيوعية التحررية ان تلف الجماهير التحررية حول رد مستقل ورد وخندق مستقلين. ومثلما يقول منصور حكمت في المقال ذاته:

(مقتطف حكمت)

ويؤكد منصور حكمت بصورة صحيحة على ان بغض النظر عن العداوة مابين هاتين الجبهتين هي افضل من وئامها، وبمعزل عن انه لاينبغي ادانة حرب طرف ضد الارهاب الاسلامي، في الوقت ذاته لاينبغي ولايمكن تحت حجة بربرية اي طرف من هاتين الجبهتين الارهابيتين ان يغمض الاعين عن بربرية الطرف الاخر، او يدع الجماهير ان تنخدع باحد القطبين الارهابيين جراء سخطها على الطرف الاخر. ولهذا يقول والا:

" فان البشرية المتمدنة ستخلي الميدان للارهابيين الغربيين والشرقيين. اذا اردنا غد ما، فانه امر مرهون بايجاد وطرح برنامج عمل فعال، تحرري وطليعي في مقدمة صفوف الجماهير. ان هذه مهمة شيوعيي ماركس. انها مهمتنا".

ان التاكيد على هذه القضية وبالاخص في الاوضاع الراهنة للعالم والمنطقة هو اكثر ضرورة اليوم من اي وقت اخر. لانه نظرا لللسخط والقلق اللامحدودين للجماهير من الارهاب الاسلامي من جهة، والدعاية الاعلامية الواسعة المضللة لوسائل الاعلام الخانعة والذليلة والقوى القومية والاسلامية المتحالفة مع امريكا من جهة اخرى، قد وضعت ضغطا رهيبا على وعي جماهير المنطقة والعالم بحيث يتم تصوير النزعة الداعية للحروب والبربرية الغربية بزعامة امريكا بوصفها ملائكة انقاذ البشرية المتمدنة من خطر الارهاب، وبالتالي جعلت البشرية تغط في النزعة السلبية والرضوخ والتسليم لافق وراية هذه البربرية. لحد ادى الامر في الغرب نفسه الى اسكات الحركة الساخطة.

اذ يقيّم حميد تقوائي في هذا الحوار ولمرات كثيرة وصفه عملية الموصل بكلمة "ايجابي" ويعتبر عملية الموصل سبيل:

" ستكون ضربة مميتة لداعش ان فقدت الموصل. بالسيطرة على الموصل، يبدأ مسار العد التنازلي لداعش برايي"

ولكن يوما من الايام، بين المكتب السياسي لحزبه في وثيقة له ربما كتبها تقوائي نفسه، مؤرخة بتاريخ 25 اب 2005 باسم "كيف يمكن استئصال الارهاب الاسلامي"، تصوراً يتناقض تماماً مع رؤية تقوائي اليوم. حيث ورد فيها:

"لاستئصال الاسلام السياسي، ينبغي تناول جذره. ان "سبل الحل" الراهنة للدول الغربية قد اخفقت وبينت عن فشلها لمرات ومرات. ان الحملات والعمليات العسكرية الواسعة ليست رداً، لم تؤدي الى تضييق من حدود ونطاق الارهاب الاسلامي، ليس هذا وحسب، بل كانت نفسها من خلقت الارضية وحلقة لتوسع الاعمال الارهابية. انها نفسها نموذج حي على عمل الارهاب الحكومي" خط التاكيد مني.

ينبغي ان نضع كلا التصورين المتناقضين جنب بعض امام تقوائي ليقول لنا اي منهما هو الصحيح؟

الموصل مابعد داعش

يطمئننا حميد تقوائي بثقة في حواره بان الموصل بعد داعش ستكون افضل، وستتوفر اوضاع مناسبة اكثر لاحياء ارادة الجماهير والحركة اليسارية والتقدمية. فبهذا الخصوص يقول:

" كلي امل بان تحرير الموصل من ايدي داعش واضعاف داعش، تتوفر فرصة افضل افضل للحركة العلمانية، هذه الحركة المناهضة للاسلام والدين وتتقدم للامام. ان احد النتائج الايجابية لهذه الاوضاع برايي هي ان القوى الرجعية توجه الضربة لنفسها، وان يكن يوجهوا الضربة لبعضهم البعض. الا ان مثلما هو الحال مع الحرب العالمية الاولى، ضعفت الحكومة القيصرية وقامت الجماهير بانتفاضة وثورة اشتراكية. ولهذا، في هذه الحرب بين القوى الرجعية، ان اي منهم يتلقى ضربة، يؤدي الى تقدم القوى اليسارية والتقدمية. كلي امل انه مع توجيه الضربة لداعش، تتوفر الامكانية لسيادة القوى اليسارية والتقدمية اكثر في الميدان".

في هذا القسم، يتبين كثيرا ان تصور تقوائي يتخطى كثيرا امر ادانة ام عدم ادانة الحرب نفسها ضد داعش. انه يامل ويتفائل بهذه الحرب بحد بحيث ان هذه المجابهة الارهابية تخلق مثل الحرب العالمية الاولى الارضية للثورة الاشتراكية! لندع جانباً هل ان الحرب العالمية لعبت هذا الدور الحسن او التقييمات المقلوبة لتقوائي تصيغ لها هذا الدور؟ بدءاً، ان مشكلة تقوائي هو في فهمه للاشتراكية والثورة الاشتراكية. انه يعتبر اي تحرك او هبة بغض النظر عن اي افق سياسي يسود عليها والى اين يذهب بها ثورة، من الواضح ان الثورة الاشتراكية التي يقصدها، هي اي نوع من هذا القبيل.

اقامت بربرية داعش دون شك جهنم حقيقي لسكان مجمل تلك المناطق التي تحت سلطتها، ينبغي تدمير داعش دون شك، ولاينبغي دون شك تقبيح اي قوة او دولة او طرف يعلن الحرب على داعش، بيد ان جميع هذه لاتبرر تمجيد واعتبار اي عملية باسم الحرب على داعش امراً ايجابياً. الاسوأ من هذا هو ايهام الجماهير بهذه العملية وتحسن اوضاعهم بعد ذلك. على النقيض من مجمل اشكال التفاؤل وعقد الامال الذي يقوم به حميد تقوائي المنهمك باقامة جسر ما بين هذه الحرب وتعبيد الطريق لحضور اليسار والعلمانية وحتى الثورة الاشتراكية، ففي الحقيقة ان احد المخاطر الكبيرة التي تعترض حضور اليسار واي حركة تقدمية في المنطقة هو تواجد امريكا والناتو والدول الغربية في المنطقة. وعليه، فان احد شروط تحقيق اي ثورة لاهدافها هو ابعاد هذه القوى وتقصير اياديها في المنطقة. وعليه، لاينبغي على الجماهير التحررية ان تثق مثل حميد تقوائي بان هذه الحرب تخلق ارضية مناسبة لارتقاء وتقدم الحركة اليسارية والعلمانية والجماهيرية الميدان. في الواقع، لايمكن الركون الى تصوراته وارائه. لانه نفسه سابقا وعلى الغرار ذاته، قام بعقد الامال على عمل مثل هذا ومجد قصف الناتو لليبيا وتدمير ذلك المجتمع. برر في وقتها تمجيد قصف الناتو بمبرر انه يمد يد العون للثورة. وبهذا الخصوص، وتمجيداً لتدخل الناتو واعمال القصف التي يقوموا بها، قال:

" على اية حال، وباي هدف يتدخلوا، من هذا الرؤية اعطي المجال لاستمرار ثورة ليبيا في هذه الفترة، كان الناتو نشطاً ضد القذافي سواء عبر القصف الجوي، اشكال الدعم الاخرى. بيد ان نقطة مهمة اخرى هنا هي ان مثل هذه الاشكال من التدخل لم تشابه او ليست على غرار الهجمة على العراق وافغانستان والمناطق الاخرى. اننا نرى نتائجها"

ان ماهو صحيح هو فقط هذه العبارة الاخيرة من مقطع كلامه. اذ نستطيع الان ان نرى بصورة واضحة عواقب تدخل الناتو في ليبيا التي مجدها تقوائي باسم التعاون وسبب استمرار الثورة ومواصلتها. اذا كانت هناك ادنى حدود الحقوق والتمدن والمدنية في سلطة القذافي الاستبدادية تمكنت من البقاء، فانها قد تعرضت للدمار على ايدي الناتو والثوار الذين يقصدهم تقوائي. لقد جرت عملية قتل لعدد لايحصى من سكان ليبيا، والذين تمكنوا من الفرار بموجات او تحولوا الى طعم الامواج والحيوانات المتوحشة في البحار، تحولت ليبيا الى ميدان صراع العصابات الرجعية والارهابية.

قال تقوائي الامر ذاته بخصوص سوريا وتمجيد تدخل امريكا وحلفائها في ذلك البلد، حيث قال:

" هناك جانب اخر نراه بالاخص في الاشهر الاخيرة وهو ان الدول الغربية وكذلك تلك القوى التي انشقت عن جيش الاسد والقوى الاسلامية قد نشطت. لقد نشط هؤلاء والان تلك المواجهة في دمشق على الابواب. ليست على شكل تظاهرات وحشد الصفوف وانتفاضة الشوارع ، بل مجابهة القوى المسلحة. ان هذا الحدث الذي جرى في الاشهر القليلة المنصرمة هو نفسه انعكاس ثورة الجماهير على صعيد "فوق" بين القوى الرجعية. على اية حال، ان الحصيلة العامة لهذا الوضع بلغت ان بشار الاسد يرحل، وبرحيل الاسد، ستشرع مرحلة جديدة تماما من السياسة في سوريا وكذلك في المنطقة كما قلت. الى الحد الذي يتعلق بسوريا والاجواء التي ستنفتح بحيث تشكل مرحلة جديدة وتغير تركيبة القوى. جماهير سوريا كانت القوة الاساسية الحاسمة في هذا التغيير" (حوار اصغر كريمي مع حميد تقوائي تحت عنوان "بعد الاسد الدور على الجمهورية الاسلامية" في جريدة انترناسيونال العدد 462. خط التاكيد من قبلي.

وبهذا الخصوص يقول حميد تقوائي في مقابلة له بتاريخ 1 ايلول 2013 باسم "الى اي جهة تمضي سوريا"، ومع تقريع الحركة المناهضة للحرب، يقول:

"بعد الاطاحة بالاسد، برايي، تتغير الاوضاع في سوريا تماماً، يتنظم الشطرنج السياسي من جديد، وهناك مرة اخرى تتوفر الفرصة لتلك القوى الثورية والتحررية لكي تتمكن من التقدم للامام وتلعب دورها وتتدخل وتترك تاثيرها على الاوضاع السياسية. طالما الاسد موجود، هذه المرحلة لاتكون قائمة". خط التاكيد مني

ولكن تبين الاحداث والوقائع خلاف تصورات حميد تقوائي بالضبط. راينا ان تدخل امريكا والغرب وقصفهم دمر وحطم ذلك المجتمع. وعلى النقيض مما يقوله حميد، ، لم تُحيى ارادة المجتمع، ولم ينفتح المجال اكثر لنزول الجماهير الميدان، ليس هذا وحسب، بل تم تدمير وطحن ارادة الجماهير بصورة تامة، وانفتحت الابواب مشرعة امام انواع من الجماعات والعصابات الرجعية والارهابية الاسلامية والقومية والتي لاتمثل داعش سوى احداها. قتل مئات الالاف من المدنيين، وتهجرت الملايين في المنطقة والعالم.

وعليه، وفقاً لرؤية بحث حميد تقوائي، وقبل ان يشرع هذه المرة حول عملية الموصل بتمجيد وبث الامل وتكرار تفاؤلاته، لقد كان امراً متوقعاً جدا انه ما ان يتحدث حتى يمجد هذه العملية ويتحدث عن انفتاح الاجواء امام الثورة واليسار. لانه في السنوات الاخيرة، كان يتطلع بانظاره دوماً الى القصف والطائرات الامريكية والغربية لاي مكان تقصفانه حتى يقول ان هذا امراً ايجابيا ونافذة للتغيير ويشرع الابواب امام تقدم اليسار والجماهير. وهذه المرة على النقيض من تصورات حميد تقوائي، فان القوى المتدخلة في هذه العملية والدول القاصفة قد رسموا سيناريو رجعي لموصل مابعد داعش، وان مخاطر جدية تهيم فوق رؤوس موصل مابعد داعش سواء من حيث الكارثة الانسانية او من الناحية السياسية او اتساع النفوذ الرجعي، قد لاتكون باقل ماساوية من ماساة الوجود تحت سلطة داعش. ان الخطر الجدي المطروح هو ان تتحول الموصل الى ميدان حرب واراقة دماء طائفية وقومية، وان تلك القوى قد اخرت لفترة طويلة عملية الموصل بسبب صراعها ونزاعها الشديد حول حصتها في موصل مابعد داعش، وان هناك العديد من المليشيات القومية والطائفية المسلحة والمستعدة لاقامة هذا السيناريو الماساوي. ورغم هذا اقول، اكرر ان هذا ليس بوسعه ان يكون دليل على تكبيل ايادي اي قوة او دولة تهدف للاطاحة بداعش، ليست دليلا لادانة الحرب على داعش ذاتها، بيد انه لمهمة ومسؤولية كبيرة للشيوعية ومجمل الاطراف التحررية بان تقوم بتوعية الجماهير بهذا الصدد، ان تضع هذه المخاطر امام اعينهم وتعدهم لهذا الامر، ومن الان ان تجلب القوى التحررية للميدان لمجابهة هذه الوضعية واحباطها. مايقوم به حميد تقوائي هو عكس هذا بالضبط، يوهم الجماهير لينزلقوا في كمين مليء بالمخاطر.

وبهذا الخصوص، ينظّر تقوائي بصورة تامة لسياسة الانتظار، وينهل منها. ان نتيجة هذه التصورات هو ان تضع الشيوعية والجماهير التحررية سواء على الصعيد المحلي او العالمي اياديها على ركبها بانتظار ان يحسم مصير داعش على ايدي جبهة الارهاب الدولي. والى ان يطيح الارهاب الدولي لامريكا وحلفائها في عملية الموصل التي لها جانب سياسي ايجابي وكذلك جانب انساني ايجابي، مثلما يقول حميد، ليس لدى اليسار والعلمانية في هذه المرحلة مهمة وعمل سوى الانتظار وتمجيد الجوانب الايجابية لهذه العملية. اذ ما ان تنتهي الحرب ويركد غبارها، تقول امريكا والقوى القومية والدينية لليسار والعلمانية باحترام تفضلوا بحضوركم الميدان. وبهذا الخصوص، فان الامر بالضبط على النقيض من تصورات تقوائي، اذا لليسار والعلمانية حظ في ميدان مرحلة مابعد داعش، فانه مرهون بالضبط بماهو الدور الذي يلعبوه من الان في هذه المرحلة الحساسة جدا؟ ان دور اليسار والعلمانية يبدأ من اليوم بالضبط. باتخاذ سياسة راديكالية شيوعية وتحررية، وباتخاذ موقف وسياسة مستقلتين بوجه قطبي الارهاب الاسلامي والدولي لامريكا على السواء، وبلف البشرية التحررية في العالم خلف هذا الموقف والسياسة المستقلتين، يمكن ان يكون هناك دور في هذه المرحلة لصد الجوانب الانسانية الكارثية لهذه المجابهة، ولضرب الافق السياسي الذي يثقل على وعي الجماهير والذي هو سبب في فرض مستقبل كالح. فقط نتيجة هذا، وبهذا، يمكن للشيوعية والتحرر ان يكون لهما تاثير على مسار التحولات صوب ان يكون اليسار والتحرر في مرحلة مابعد داعش حضور في الميدان.

اختلاف عملية الموصل عن الحرب على افغانستان

ثمة اختلاف كبير مابين الاوضاع العالمية ابان حرب افغانستان والاوضاع العالمية الراهنة، وهناك اختلاف كبير مابين اوضاع كلا المجتمعين في العراق وافغانستان، وكذلك اختلاف كبير مابين خصائص الحرب ضد طالبان وعملية الموصل. وعليه، لايمكن استنساخ الموقف الشيوعي تجاه حرب افغانستان للاطاحة بطالبان لاتخاذ موقف شيوعي وتحرري تجاه عملية "تحرير الموصل". ابان حرب افغانستان، كان العالم لايزال احادي القطب بهيمنة امريكا على العالم، هذا القطب بوحده وجه الضربة لسلطة طالبان، ولم تكن هناك مخاطر لا في عملية الحرب ولا في مرحلة مابعد الحرب، اي صدامات اخرى مابين القوى العالمية والاقليمية بعدها. بيد ان اوضاع اليوم هي اوضاع ظهور عدة اقطاب، رغم ان عالم متعدد الاقطاب لم يثبّت نفسه بعد، ولكن هناك صراع سياسي وعسكري ودبلوماسي شديد وشامل واسع بينهم. ان ميدان حامي لصراعهم هو منطقة الشرق الاوسط، وتحديدا حرب سوريا، التي عملية الموصل امتدادا لها وجزء منها. وان "الحرب على الارهاب" نفسها تحولت الى ميدان صراع هذه الاقطاب. وان جميع الاقطاب وضعت اياديها في هذه الحرب سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة، وان هناك مخاطر بعد انتزاع الموصل من ايدي داعش، وهي استمرار هذا الصراع بشكل اخر وتواجه المنطقة مخاطر مجابهة دموية وحرب.

هناك اختلاف اخر الا وهو اختلاف كلي بين مجتمعي افغانستان والعراق وتحديدا الموصل التي غدت ميدانا اساسياً للحرب. يمكن بهذا الخصوص ايراد عدة عناصر، ولكنني ساكتفي بعنصر واحد فقط يتمتع باهمية كبيرة عند اتخاذ الموقف من الحرب. في وقتها حين كان منصور حكمت يفكر باتخاذ موقف من حرب افغانستان وضع نصب عينه ان هذا البلد تحت حكم طالبان لم تبقى فيه اي سمة مدنية، حتى انه تحدث عن ان امريكا وحلفائها تشعران بعدم الارتياح لان ليس هناك اي معالم مدنية في افغانستان، وليس هناك جسور او طرق او بنية تحتية تذكر بحيث يدمروها. بيد ان الموصل من ناحية البناء والطرق والبنية والتحتية ليست باقل من بغداد، مركز كبير للبنية التحتية والاعمار والنفط والمراكز العمالية الكبيرة، وعليه كانت على امتداد تاريخ العراق احد المراكز المهمة للحركة العمالية، كانت مركزا فكريا وثقافيا ومدنيا ودراسات عليا و... وان تم انقاذ هذا المركز المدني من ايدي داعش الان، فانه عرضة للتدمير التام. وعليه، فان البشرية التحررية والشيوعية لايمكن ان يقفا مكتوفي الايدي ويلزما الصمت على عملية الدمار هذه.

والاهم من هذا هي اوضاع الحرب هذه. على الاقل ان جماهير افغانستان لم توصد الابواب امام ان يتركوا بيوتهم، وبهذه الطريقة، مهما يكن فانهم بوسعهم انقاذ حياتهم من القصف. ولكن الوضع بالعكس من ذلك في الموصل. طبقا لاحصائيات الاطراف والدول المهاجمة نفسها، فان اكثر من مليون ونصف مليون انسان مدني هم في وضع رهينة في هذه المدينة، ولم يبقى اي منفذ ليفلتوا من خلاله. في الداخل، اعدت لهم داعش وضع جهنم، وان استطاعوا افلات رقابهم من تحت سكين داعش، فان حياتهم عرضة لمخاطر جدية من تلك المليشيات المحاصرة للموصل. ان تجربة الفلوجة والرمادي ماثلة في اذهانهم، تجربة كيف يقتل المدنيين على ايدي المليشيات الشيعية وذلك لجرم كونهم سنيي المذهب. وسائل الاعلام القومية الكردية من الان وبصورة يومية ختمت على جباه الناس الناطقين بالعربية لهذه المنطقة ختم "عرب داعش"، وواضح من هذا كيف سيتعاملون معهم. تحدث يوم 22-10-2016 مسؤول عالي الرتبة من شرطة كركوك في مؤتمر صحفي وللعديد من القنوات الاعلامية حول الهجمة التي شنتها داعش في اليوم ذاته على هذه المدينة، تحدث بصراحة ووضوح ان سبب تسلل داعش هو ان هناك 600 الف مهجر عربي في المدينة، كلهم داعشيين! رغم انه حاول بعد ذلك اجراء بعض الرتوش على كلامه وقال اذا كان بينهم 100 شخص داعشي فهذا رقم كبير ايضاً!

ان الدول القاصفة لهي من الوحشية بدرجة، وطبقا لقتارير وسائل الاعلام الكردية والعربية، رمت بملايين "ويقولون هم سبعة ملايين" من البيانات على رؤوس الناس، وان الطريق الوحيد الذي طرحته امام الجماهير في هذا البيان لصيانة ارواحهم من الصواريخ وقنابل القتل الجماعي هو دعوتهم ومطالبتهم بالبقاء في بيوتهم ولايخرجوا منها! لنضع هذا امام اعيننا، اي ان مليون ونصف مليون مدني، من بينهم مئات الالاف من الاطفال، ينبغي ان يبقوا في بيوتهم تحت القصف وينتظرون مصيرهم وحتفهم. ان هذا وقبل ان ينزف اصبع اي احد هو من الان كارثة كبيرة. انها ليست امر ان تنظر الشيوعية والجماهير التحررية الى هذه الكارثة ووضعا لانفسهم مهمة انتظار متى يتحقق موت هذه الجماهير الرهينة، ليصدروا بعدها بيان ادانة. انها ليست كارثة ينتظر احد ما تحققها. انها تجري الان ومستمرة. بغض النظر عن اي موجة من المدنيين يذهبوا ضحية ذلك وكم يسعف الحظ اخرين ويبقوا احياء، فان نفس بقائهم في بيوتهم تحت رحمة القصف وهجمة صواريخ القتل الجماعي، هو بذاته كارثة انسانية. ليس بوسع الشيوعية ان تقوم بهذا العمل بسطرين من هذا القبيل:

"من الواضح ان قصف مدينة الموصل وتدمير الاماكن العامة واماكن حياة جماهير الموصل وتلك المدن والقرى التي هي ميدان اوسع حرب، هو امر ينبغي ادانته بشدة وينبغي الكف عنه -بيان الحزب الشيوعي العمالي الايراني-الحكمتي 19-10-2016"

ان تمرير هذه الاسطر وسط كل ذلك التحريض على بربرية داعش وضرورة كنس داعش عبر هذه الحرب، لايبقى اهمية تذكر للجم البربرية الامريكية وحلفائها التي اطلقت عنانها من الان. ان الجوانب الماساوية لهذه الحرب، وتحديدا اغلاق طريق الخلاص بوجه المدنيين ومطالبتهم بانتظار موتهم تحت القصف والصواريخ هو جريمة حرب كبيرة، وهو مايجري الان. ان هذه الماساة لاتحدث عفويا وخارج ارادة احد ما، بل سياسة سافرة معادية للانسان وتجري عن قصد ورصد. اعلنت الحركة القومية الكردية بصورة سافرة ان خرج هؤلاء الناس وتهجروا، فانهم لايستطيعون استقبالهم وتوفير ملجاً لهم. ان مبرر ذلك هو "هناك ازمة اقتصادية ولانستطيع تامين مكان لهم وتامين الضروريات الحياتية" او التبرير الرجعي "تغيير ديموغرافية كردستان" وكذلك جراء "يفتح الباب امام تسلل داعش"! ان المليشيات الشيعية تهدف الى الانتقام من تلك الجماهير وذلك لسنية مذهبهم. قاموا بهذا العمل في الفلوجة والرمادي وتلك المدن التي خرجت من يد داعش. بالنسبة لهم يعد قتل الجماهير وتدمير الموصل افضل مئة مرة من ان تكون موصل مابعد داعش مركز سلطة سنية في الصراع السياسي للعراق والمنطقة. ولهذا، فان مجمل هذه القوى المهاجمة لهي من الوحشية درجة بحيث تتفق على غض النظر عن كارثة انسانية كبيرة. اذ لايخفون ويقرون بالاخص بسبب هذه القضية، ان عملية الموصل ستكون كارثة انسانية كبيرة. ولكنهم يريدون غسل دماغ ووعي البشرية التحررية بان هذه القضية الانسانية لامفر منها وينبغي القبول بها من اجل انهاء داعش. لايمكن للشيوعية واي قوة تقدمية ان تغض النظر عن هذه الماساة وتصمت بحجة ايجابية ضرب وانهاء داعش. اذا يريدون انهاء داعش، فليقوموا بذلك ولاينبغي على احد ان يقف بوجههم، لكن لايمكن للشيوعية والبشرية التقدمية ولاينبغي عليها القبول بهذه المصيبة وان تسكت عليها. ان الحضور للوقوف ضد هذه الكارثة يبدأ من الان. الان ودون تاجيل، ينبغي ان تشدد البشرية التحررية من ضغطها على الدول المهاجمة للكف عن اعمال القصف الاعمي والتدمير، لتسهل طريق خروج الجماهير تلك، لتكبيل ايادي تلك المليشيات القومية والدينية التي تهدد حياتهم، لتامين مكان وضروريات حياة النازحين. لاينبغي اعطاء المجال والفرصة للدول المهاجمة لان تتنصل عن هذه المسؤولية تحت مبررات فارغة.

ثمة اختلاف اخر وهو ان اي هجوم على افغانستان، سيؤدي الى الاطاحة بطالبان، وان اي سلطة ووضع اخر ياتي لن يكون اسوأ من الوضعية الكارثية التي تحت حكم طالبان. ولكن موصل بعد داعش، ويقر بذلك حتى اطراف الحرب انفسهم، ان نتيجة تجابه القوى القومية والطائفية وتدخل الدول الرجعية، بعد طرد داعش، هي ان هناك مخاطر كارثة كبيرة. كارثة ليست من الناحية السياسية وهيمنة الاجواء الرجعية، بل من الناحية الانسانية، قد لاتكون اقل من كارثة سلطة داعش.

وعليه، وعلى النقيض مما يتنبأ به حميد تقوائي بان تكون نتيجة هذه العملية هي توفر الاجواء لحضور الحركة الجماهيرية واليسارية والتقدمية الميدان، فالان في كردستان هناك حركة احتجاجية جماهيرية، لكن وبسبب اجواء الحرب، ترزح تحت ضغط كبير. اذ شنت السلطة في كردستان حملة دعائية شديدة مليئة بالاهانة والاستخفاف بالجماهير الساخطة. يقولون ان البيشمركة في جبهات الحرب فاتحة صدورها للرصاص، فيما هناك اناس ضعيفوا النفوس منهمكين في وقت الحرب بالاحتجاج وخلق المشاكل للسلطة المنهمكة باستئصال خطر الارهاب وتحرير المناطق المقتطعة من كردستان. ان لهذا الضغط تاثير سلبي كبير على الحركة الجماهيرية وينظم اجواء المجتمع ضدها.

من الضروري ان اقول في الختام حين ذكرت انه لايمكن استنساخ الموقف الشيوعي في حرب افغانستان وتطبيقه على مسالة اتخاذ الموقف من عملية الموصل، لايعني ذلك ان حميد تقوائي قد اتخذ تجاه هذه الحرب حتى موقفا مثل موقف منصور حكمت بوجه حرب افغانستان. برغم كل الفروقات تلك وبعض الجوانب التي ذكرتها، رغم هذا لم يمجد منصور حكمت في حرب افغانستان هجمة امريكا ولم يشير لها على انها امر "ايجابي"". اذ قال:

(منصور حكمت)

ان العمل الذي يقول عنه منصور حكمت ان يمكن القيام به بحق طالبان كي يتم تجفيف منابع وجودها، يمكن ان يكون سبب تجفيف منابع وجود داعش. ولكن لايقومون حتى بهذا، وذلك لان الارهاب الجوي اكثر سلامة، واكثر وضوحاً وبروزا وتراه العين، واكثر عبرة للجماهير الساخطة في العالم واكثر دلالة على "قوة عظمى".

لم يعرف منصور حكمت هجمة امريكا وحلفائها على افغانستان على انها امر ايجابي، بل دعى البشرية التحررية للحضور في الميدان بصف مستقل ضد هذه المجابهة الارهابية ووضح برنامج عمل هذه الجبهة. ينبغي ان يكون هذا العمل امر تاكيد الشيوعية والبشرية التحررية اكثر من تلك المرحلة. ان هذه الجبهة، رغم انه لايمكن ادانة الحرب ذاتها وهجمة امريكا وحلفائها على داعش، ولكنها ينبغي ان تحضر الميدان بصورة فعالة ضد العواقب الماساوية لتلك الحرب. ينبغي ان تمارس الضغوطات الشديدة على الاطراف المهاجمة للرضوخ امام برنامج عمل الجبهة التحررية. ينبغي بدلا من ايهام الجماهير، ينبغي التحذير الجدي والواضح للجماهير حول النتائج والعواقب الماساوية لهذه الحرب والمجابهة الارهابية، ينبغي توجيه سياط النقد الشيوعي للافق السياسي لتلك القوى، على الجماهير التحررية ان ترفع راية بلاتفورمها لاحباط مخاطر كارثة مابعد داعش وكيفية ترتيب اوضاع مابعد داعش لصالح الحرية والتمدن وانهاء تطاول القوى القومية والدينية. ان القيام بهذه الامور هو فعلا عمل الشيوعية ومهمتها.

24 اكتوبر 2016

مقالات