عبدالله صالح

كلمة عن المعركة ضد داعش في الموصل وتناقض مواقف اليسار ازاءها!

 

الحرب هي امتداد للسياسة كما يقول لينين، ولو قسنا معركة الموصل على هذا القياس فان السياسة التي تقف خلف هذه المعركة هي سياسة رجعية بكل المعايير ومن كلا طرفي المعركة، فأمريكا وحلفاءها المحليين والاقلميين والدوليين هم من ساهموا في ولادة هذا النوع من الارهاب الاسلامي الداعشي المنفلت العقال، واليوم وبعد انتهاء صلاحية هذه النسخة الوحشية من الارهاب الاسلامي لدى الغرب وامريكا، فالوقت قد حان لقطافها وهم قاطفوها، ليس هذا من أجل سواد عيون حوالي مليون ونصف مليون من البشر الواقعين تحت أسر داعش في الموصل، وانما لتجاوز داعش الخطوط المرسومة لها من قبلهم.

أما القطب الرجعي الأخر، اي داعش، فان مصالحها تستوجب الدفاع المستميت في هذه المعركة خدمة لهدفها الستراتيجي في اقامة "شرع الله على الأرض" لذا فهي ستقاتل حتى الرمق الأخير.

وقف معركة الموصل فورا كما يقول الحزب الشيوعي العمالي العراقي في بيانه الاخير وكذلك الحزب الشيوعي العمالي الكوردستاني، ولو بصيغة أخرى، ومواقف بعض قوى اليسار كالحزب الشيوعي العمالي الايراني / الحكمتي، الداعي الى عدم مخالفة هذه المعركة كون من خلقوا داعش، يبادرون اليوم الى انهاءه عسكريا، هي المواقف السياسية المتناقضة التي خلقت حالة من الشد والجذب داخل اليسار في المنطقة عموما وفي العراق وكوردستان خصوصا.

قبل أن أدخل في التفاصيل أود التأكيد على موقفي الداعي الى عدم الممانعة من انهاء داعش عسكريا من قبل القوى التي أوجدت هذا السرطان، رغم قناعتي التامة بانها معركة رجعية، وقناعتي التامة بأن الحفاظ على حياة ضحاياها من سكان سهل نينوى ومدينة الموصل الابرياء من نساء واطفال وشيوخ وشباب هو ما يجب التأكيد عليه والضغط على الطرف المهاجم بالابتعاد عن قصف اماكن تواجد الابرياء وتوفير الملاذ الآمن للنازحين والمشردين جراء تلك المعركة الرجعية، ورغم قناعتي التامة بان هذه المعركة سوف لن تنهي داعش، ألا اننا لو عالجنا الموضوع كما هو واقع على الأرض دون الاستنجاد بالصيغ الأيدولوجية وقمنا بوضع ميزان لقياس معركة الموصل التي بدأت، بين ايقافها أو استمرارها حتى تتم الحاق الهزيمة بداعش لرأينا بأن الكفة الثانية، ستكون الارجح والأثقل رغم كون هذه النظرة محلية إلا انها أكثر واقعية، حسب اعتقادي المتواضع، ولاسباب من جملتها:

أولا/ غياب دور الشيوعية العمالية في قيادة نضالات الجماهير في الموصل، لا بل وفي العراق أيضا، واستحالة جعل مهمة دحر داعش من مهام هذه الجبهة الانسانية، في الوقت الراهن على أقل تقدير، وهي حقيقة يعتبرها كلا القطبين داخل اليسار أمرا واقعيا لا يمكن نكرانه، كذا الحال بالنسبة لتلك الجبهة الانسانية على صعيد العالم، فصعود اليمين المتطرف ووصوله للسطة كما حصل بالنسبة لترامب في أمريكا، وكذلك استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي دلائل واضحة على تراجع اليسارعالميا.

ثانيا/ خلال حوالي سنتين ونصف جعلت داعش مدارس المنطقة الواقعة تحت سيطرتها مكانا لتخريج دواعش فتيان وشباب، وفق مناهج تستند محتواها الى عقيدتهم الداعية للقتل وسفك الدماء وحيث تعرض ويتعرض جيل كامل من هؤلاء الفتية والصبيان الى عملية غسل الدماغ، هذا بالاضافة الى قيام داعش بذبح ضحاياها امام عيون التلاميذ والطلبة وفي بعض الاحيان اناطة اعدامهم بهؤلاء الفتية. اذا لنتخيل الجيل الذي سيخلفه داعش فيما لو استمر في الحكم.

ثالثا/ النساء وما فرض عليهن من تراجع بالقوة بدأ من ارتداء النقاب الاسود وفرض الاقامة الجبرية عليهن داخل المنازل ولا يغادرن الا بمرافقة محرم وصولا الى تزويج القاصرات. دعك من احوال السبايا.

رابعا/ البقعة الجغرافية التي يسيطر عليها داعش باتت خارج المنظومة البشرية بمنع كافة انواع وسائل الاتصال ومحاسبة المخالف باقسى العقوبات، ناهيك عن الوقوف بالضد من أبسط حقوق الانسان كالتدخين على سبيل المثال.

خامسا/ الاوضاع الاقتصادية المتدهورة في عموم العراق وفي منطقة سهل نينوى والموصل تحت سيطرة داعش على وجه التحديد.

سادسا/ الاعدامات بالجملة لكل معارض أو مخالف، فالداعشي هو المحكمة وهو الحاكم وهو المنفذ في ذات الوقت وزد على ذلك من وحشية هؤلاء.

انه حقا جحيم لا يطاق فازالة هذا الكابوس القابع على صدر البشرية مهمة ملحة باعتقادي رغم التحفظ الأنف الذكر. في معرض حديثه عن حركة طالبان، يقول منصور حكمت في لقاء اجرته معه جريدة انترناسيونال الاسبوعية في عددها 77 الصادر في 26 / 10 / 2001 حول العالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: (ان اعلان الحرب على طالبان من قبل أي كان وحتى من قبل أمريكا والغرب لا يمكن ادانته، طالبان يجب أن تذهب، وفي النهاية يجب أن تذهب بالقوة وبالعمل العسكري، إن العداوة بين الغرب وطالبان أفضل من الصداقة بينهما، لا أحد يقف حائلا دون طوي صفحة هؤلاء القتلة الذين أتى بهم الغرب نفسه). هنا طبعا لا بد أن نذكر بانه يؤكد على الفرق بين الحرب والارهاب وهذا صحيح، حيث كانت طالبان وقتها تختبيء في جبال تورا بورا والطائرات الامريكية تقصف المنطقة بلا استثناء عملا بالعبارة القائلة: تجفيف البحيرة لاصطياد السمكة الخبيثة! وهو بالتأكيد ارهاب، الا أن الحالة الآن تختلف مع داعش، فهي دولة، رغم كونها دولة غير متعارفة، تمتلك جيشا، ولها حدود، وتدير المجتمع من خلال وزراء ومسؤولين، ولو سنحت لها الفرصة لسكة نقود خاص بها، اذاً هذه المعركة جارية بين قوتين مسلحتين، أو بالاحرى بين جيشين يحاول أحدهما الحاق الهزيمة بالآخر وليس كما حصل مع طاليبان في تورا بورا.

لنعود الى أصل الخلاف السياسي الحاصل داخل اليسار الآن حول هذه المعركة، وجود خلاف سياسي حول هذا الموضوع أو مختلف المواضيع السياسية وحتى الفكرية، مسألة طبيعية جدا، ان كان داخل اليسار ككل أو حتى داخل الحزب الواحد، وهو ما يحصل الآن، إلا أن المؤسف في الأمر هو غياب الأفق الأشتراكي الذي يجب أن يخيم على هذا الجدال وافتقاره الى الاصول المتعارف عليها داخل حركة الشيوعية العمالية، وذلك بخلق جو وفضاء سياسي غير سليم يجري فيه هذا النقاش، لا بل وحتى وصل الامر الى توسل البعض بنفس سنن الاحزاب البرجوازية في التشهير بالطرف الآخر تشهيرا سياسيا أو حتى شخصيا، تُرى أين الشيوعية العمالية من هذه السنن؟ ألم يكن من الاجدر أن نعطي الحركة اليسارية والمجتمع ككل نموذجا سليما في كيفية ادارة الخلاف السياسي الحاصل بدلا من اعلان القطيعة بين هذه الجهة أو تلك؟ كنت أتمنى أن يدفع بنا هذا الخلاف الى البحث عن أنجع السبل والتاكتيك الشيوعي للتعامل مع هذه الحالة وفقا لمصالح الطبقة العاملة والكادحين بدلا من الجدل الجاري الآن وبهذا الاسلوب، فأن المعركة جارية على قدم وساق شئنا أم أبينا، فلماذا اذا لا نخطط لما بعد المعركة كما تفعل مجمل القوى على الساحة السياسية في العراق؟ سؤال يطرح نفسه بألحاح.

ختام الحديث هو كما يقول لينين في كراسه عن الاشتراكية والحرب: يستحيل القضاء على الحروب دون القضاء على الطبقات ودون إقامة الاشتراكية.

مقالات