سمير عادل

تحضير ارواح سياسة البعث الفاشي في كركوك والموصل

عندما يلتقي الحقد الطائفي مع الشوفينية القومية، فيجب ان ندرك بأن هناك مراسيم تعد لتحضير ارواح سياسة البعث الفاشي.

نادر ما سمعنا من الانظمة القمعية والدكتاتورية والقوى والاحزاب المتورطة بجرائم حرب، بأنهم سيسعون وسينظرون بشكل جدي الى تقارير حول انتهاكات حقوق الانسان صادرة من المنظمات المعنية مثل هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية. وليس هذا فحسب بل شخص مثل العبادي الذي لم يحرك ساكنا منذ ان قدمت تقارير وادلة مادية اليه حول تورط مليشيات "الحشد الشعبي"، في مدن ديالى وصلاح الدين والانبار بجرائم تعذيب وقتل تصل الى مستوى جرائم حرب، يٌحَمّلْ اي العبادي اليوم العفو الدولية مسؤولية نزوح سكان مناطق الموصل لان تقرير المنظمة التي ادانت جرائم الجيش والشرطة الاتحادية في مناطق الموصل، سيثير الفزع في صفوف سكان المدينة ويدفعهم الى الهروب والنزوح. بيد ان هذا الانتقام الطائفي الذي يجري على قدم وساق في معركة الموصل وتنشر "الى الأمام" نسخة من التقارير الدولية حولها في هذا العدد، يتم بالتزامن مع العقوبة الجماعية التي تقوم بها الحكومة المحلية في محافظة كركوك ضد السكان العرب من خلال هدم منازلهم وطرد اصحابها منها ونفيهم الى مناطق بعيدة، بسبب هجوم عصابات داعش الاخير على مدينة كركوك. وتعيد بنا الذاكرة الى سياسة النظام البعثي الفاشي ضد السكان الاكراد في مدينة كركوك وكل مدن كردستان العراق. وتحت نفس المبررات ارتكبت الجرائم والمجازر ضد الناطقين باللغة الكردية، لمجرد تثوير رصاصة او هجوم تقوم به قوات البشمركة على احدى نقاط او دوريات الجيش العراقي، ويقوم الاخير اي الجيش العراقي بعمليات انتقامية ضد المنطقة او الحي او القرية او البلدة التي انطلق من الهجوم المذكور. وهكذا فلقد رفضت الحكومة المحلية في مدنية كركوك تقارير منظمة العفو الدولية كما رفضتها حكومة العبادي.

وهنا نذكر الحكومة المحلية في كركوك وقواتها الامنية، بعمليات الانفال المجرمة التي اخفت من الوجود اكثر من ١٨٢ الف انسان لمجرد انهم ناطقين باللغة الكردية وتدمير اكثر من ٣٠٠٠ قرية، كتبرير للحيلولة دون حصول البشمركة على دعم لوجستي وحرمانها من حاضنتها الاجتماعية. كما نذكر التحالف الشيعي الذي يقوده اليوم حكومة العبادي، بأن نفس النظام البعثي دأب في تجفيف مياه الاهوار لعدم اتخاذها بؤرة لشن العمليات العسكرية لميليشياتها ضد القوات الامنية.

اليوم تقوم الحكومة المحلية في مدينة كركوك وحكومة العبادي بأعادة انتاج نفس السياسات البعثية الفاشية تجاه السكان العرب وتجاه المصنفين السنة، وتنظم عملية عقاب جماعي ضد سكان تلك المناطق التي انطلقت عصابات داعش منها.

ان المنافسة بالانتقام سواء في الموصل من سكانه او في كركوك ايضا من عربها، هي سياسة تخفي ورائها اجندات سياسية. وعلاوة على ذلك فالحكومة المحلية في كركوك تحاول الانتقام من فشلها الامني والسياسي وتحميلها تارة على كاهل النازحين واخرى على السكان العرب الاصليين في المدينة. وان اخفاقها الامني بالدرجة الاولى والمنافسة والصراع بين الاحزاب السياسية القومية المتنفذة في المدينة، وفشل الحكومة المحلية التي يغلب عليها الطابع القومي في ان تكون حكومة كل سكان كركوك الناطقين باللغات العربية والكردية والتركمانية والسريانية، والتعامل بمساواة مطلقة مع ساكنيها ساهمت وما تزال تساهم في غياب الامن التي وفرت الارضية لفيروسات مثل داعش ان تنمو فيها، وبالتالي هي وراء الهجمة الارهابية لعصابات داعش على مدينة كركوك.. اما الحكومة المركزية في بغداد، التي تواجه مقاومة شرسة من عصابات داعش في الموصل، تحاول مثل عصابات داعش عن طريق التعذيب والاعتقال والقتل بعيد عن اعين القضاء والمحاكم، بنشر الرعب في صفوف سكان الموصل. لقد تحول الشعار الحكومي لمعركة الموصل "قادمون يا نينوى" الى "قادمون للانتقام والتطهير الطائفي"، وليس لتحرير سكان الموصل الذين تم تسليمهم بتواطؤ محلي ومؤامرة اقليمية ودولية كرهائن الى عصابات داعش.

ان سياسة الانتقام القومي او الطائفي لن تقض على داعش، بل ستعيد انتاج داعش مثلما تكيف الفيروسات نفسها مع البيئة الجديدة. ان القضاء على داعش وعلى كل الارهاب الاسلامي يتم عن طريق الكف عن سياسة الانتقام الطائفي والقومي، والتعامل مع سكان المدن التي تتخلص من داعش بمعاملة انسانية ليس على صعيد تأسيس السلطات المحلية التي يجب ان تكون سلطات علمانية غير دينية وغير قومية فقط، بل ايضا على صعيد التعامل الانساني مع النازحين وتوفير كل مستلزمات الحد الادنى للسكن الانساني. ومن الجانب الاخر محاكمة المسؤولين في القوات الامنية والمليشيات المتورطين بجرائم انتهاكات لحقوق الانسان وعلى مسمع ومرأى المجتمع كي يشعر سكان تلك المناطق بالأمن والامان. وبموازاة ذلك محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم من عصابات داعش الى القضاء والمحاكم العلنية ايضا.

ان الخطوة العملية لدفع حكومة العبادي والحكومة المحلية في كركوك بالكف عن السياسات النازية والشوفينية البعثية، هو ان تقوم الشخصيات والاحزاب والقوى والمنظمات العمالية والتحررية في شجب تلك السياسات، وتنظيم احتجاجاتها في داخل العراق وخارجه امام السفارات. يجب ان يعلم سكان الموصل وكركوك وكل المناطق التي تتخلص من داعش، بأنهم ليسوا وحدهم في المعركة ضد داعش وضد كل الممارسات اللاإنسانية للقوات الامنية والمليشيات والحكومات التي ورائها، بل هناك جبهة انسانية عريضة تساندهم وتدعمهم.

مقالات