عادل احمد

ماذا نتوقع من الديمقراطية الغربية؟!

قارنت في مقالتي السابقة بين الانتخابات الامريكية والانتخابات المجالسية بشكل مختصر. واليوم اتحدث عن الديمقراطية كسياسة وكأدعاء بين الحقيقة والواقع بشكل ملموس في الظروف الحالية وبشكل مختصر، لان الفقرة التي اكتب فيها في جريدة "الى الامام" لا تسمح بالبحث الشامل وانما عرضي فقط، ولذا اكتفي بالاختصار. والجدير بالذكر هنا احث القاريء في الرجوع الى مقالة منصور حكمت "الديمقراطية بين الادعاءات والوقائع"، والتي تناولت مفهوم الديمقراطية كمفهوم سياسي وطبقي ومكانتها في الصراع الطبقي، ومدى ارتباطها بالمفهوم العام للحرية الانسانية بشكل مفصل وشامل ودراستها من جميع النواحي.

لنرى ماذا تعني اليوم الديمقراطية نفسها ولنرى ماذا تعمل في الواقع هذه التسمية في عالمنا اليوم بشكل مبسط وظاهري، وبعيد عن المسائل النظرية والمنهجية كما يدرسها الاساتذة للطلاب في كليات العلوم السياسية وعباقرة خادمي النظام البرجوازي. ان النظام البرلماني والديمقراطي يعني انتخاب حكومة ما كل اربع او خمس سنوات لتولي امور الدولة من قبل الشعب عموما. ونعرف أن من يرشح نفسه للأنتخابات يحتاج الى الاعلام ورأس المال لكي يوصل صوته للجميع، لذا فان الفقراء والعمال والكادحين حتى وان كان لهم الحق في ترشيح انفسهم، فأن الامكانات الاعلامية والمادية لا تسمح بذلك ويخرجون من حلبة السباق الأنتخابي بشكل اوتوماتيكي. ان الطبقة العاملة والجماهير الفقيرة لا تقف مع احدا من اصحاب الاعمال والتجار واصحاب الرأسمال والذين هم لايقفون بجانب العمال والفقراء، لان كل فئة في المجتمع تقف بجانب من يدافع عن مصالحها. ان طبقة الرأسماليين واصحاب البنوك واصحاب الاعلام بأمكانهم التأثير على ذهنية المجتمع وجلب انتباه المجتمع نحو مسائله وافاقه واهدافه، ويأخذ الوضع الطبقي والتقسيم الطبقي والتناقض الطبقي القائم بشكل فرضي، ولكن اين يكمن تأثير الفقراء على المجتمع؟ ان الطبقة العاملة والجماهير الفقيرة لا يمكن لها التأثير على المجتمع الا عن طريق التظاهرات والاحتجاجات وعن طريق الثورة لا غير، لكون هذه الفعاليات لا تحتاج الى صرف الاموال والرأسمال، وانما تحتاج الى القوة الموحدة والتنظيم الموحد وفعاليتهما في مواجهة المال والرأسمال. ان السنوات الاربع او الخمس للحكومة المنتخبة في الغرب في يومنا هذا تنشغل في مسائل جزئية للرأسمال، وليس محتوى واساس الفقر في المجتمع. وان هذه المسائل يمكن حلها وحسمها بشكل سلمي وبهدوء في قاعات البرلمانات بين الاخوة اصحاب المصالح. ولكن مسائلها الدولية ومصالحها لا يمكن حلها في قاعات البرلمانات، وانما عن طريق العنف والحرب ودعم سياسات القوة الاقليمية والرجعية.

ان ما يجري اليوم من حروب ودمار وظهور التيارات الفاشية والرجعية والارهابية في شتى انحاء العالم، تقف الديمقراطية الغربية في مقدمة الاسباب لظهور هذه التيارات. ان من يعتبر الديمقراطية هي طريق السلم والاخاء في العالم يقف بجانب الوحشية والبربرية الرأسمالية في عالمنا اليوم. لنرى من هي الدول التي تقع في مقدمة الديمقراطية العالمية، امريكا وبريطانيا وفرنسا والمانيا وروسيا واليابان وكندا. ولنرى ايضا كيف تتدخل هذه الدول في سياسات الدول التي سميت بالعالم الثالث وكيف تمول صراعاتهم الدموية وتصدر لهم الاسلحة والقوة الحربية، اضافة الى استخدام وتجربة اكثر الاسلحة دمارا لحل صراعاتهم السياسية والاقتصادية في مناطق نفوذهم، وقتل الاف الابرياء وتدمير المنازل على رؤسهم ساكنيها بأسم الديمقراطية. لنرى من يدعم الانظمة الديكتاتورية والارهابية في العالم امثال السعودية وقطر وايران وتركيا والانظمة الاستبدادية في العالم العربي وامريكا اللاتينية وشرق اسيا؟ لنرى من يقف وراء الانقلابات الدولية وتنصيب الحكومات الموالية لهم؟ ولنرى من يقف وراء اجهاض الثورة والمد الثوري في العالم وتحويله الى انتشار ابشع واقذر التيارات الرجعية امثال داعش والنصرة والقاعدة والاخوان المسلمين وحماس واسرائيل اليهودية؟ ان الديمقراطية الغربية تقف في مقدمة هذه الامور وهذا ما تعنيه الديمقراطية اليوم، وهذا هو المحتوى السياسي والحقوقي للديمقراطية الغربية.. من لديه التوقع او تعريف اخر للديمقراطية ويدافع عن هذه الماساة التي تجري في العالم فهو شريك بشكل مباشر او غير مباشر. ان الديمقراطية ليس مرادفا للحرية الانسانية وانما هي المفهوم البرجوازي والرأسمالي للحرية. اي حرية الاستغلال وحرية عبودية الرأسمال ومأساته، حرية اكبر سرقة في العالم عن طريق العمل المأجور اي سرقة الطاقة والقوة البشرية من اجل تراكم الثروة والمال. ان هذا المفوم للحرية (الديمقراطية) من وجه نظر اصحاب الاموال هي عبودية العامل والمجتمع لخدمة الرأسمال، وتحول كل العلاقات بين البشر الى علاقة الرأسمال وتحويلاته، كل شيء مرتبط بهذه العلاقة من العائلة والحب والمعيشة والاخوة وتبادل والاحترام والذكاء والعلم والمعرفة، تتحول الى العلاقة بين العمل والرأسمال اي الى علاقة الانتاج الراسمالي والبضاعة. أن الأنسان الذي لايملك غير قوة عمله اليوم يعتبر عديم القيمة وعديم الاحترام، أما السفلة والقتلة من اصحاب رؤس الأمول أو داعميهم السياسيين من أمثال بوش وترامب وساركوزي وبلير وغيرهم... يصنفون في خانة الناس الشرفاء!!.. ان الديمقراطية لا تجلب غير هولاء المجرمين الى رئاسة الحكومات، واذا جلبت الديمقراطية اشخاص مثل سلفادور الندي في تشيلي سيكون مصيره الاغتيال او الانقلاب رغم كون الندي ثوري غير عمالي.

ان الديمقراطية الامريكية في الاسبوع الماضي جلبت اقذر الناس واكثرهم فاشية الى رئاسة الحكم على الرغم من مناهضته لابسط القيم الانسانية. وسوف نرى ما سيجري في العالم خلال السنوات الاربعة القادمة من مأسي وويلات بالنسبة للطبقة العاملة والجماهير الفقيرة في انحاء العالم. هذا ما نتوقع من الديمقراطية في الوقت الحاضر

مقالات